الخبر وما وراء الخبر

الفجوةُ تتسع بين الهُدنة و “السلام”.. مطارُ صنعاء شاهدٌ على هشاشة الاتّفاق

2

على الرغم من الموافَقةِ على تمديدِ الهُدنة وتعهُّدِ الأمم المتحدة بالعمل على تنفيذ بنودها لإنقاذ الاتّفاق ومعالجة المِلف الإنساني، لا يزال تحالفُ العدوان يعرقلُ الرحلات الجوية من وإلى مطار صنعاء الدولي بدون أي مبرّر وفي ظل صمت أممي مخزٍ..

الأمر الذي يعني أن الاتّفاقَ ما زال محكوماً برغبات وأجندة عدوانية، وهو ما يعبّر عن محاولة واضحة للتحكم بمسار الأحداث وتغيير أدبيات التفاوض لتحقيقِ أغراض عسكرية وسياسية طويلة الأمد تحت غطاء التهدئة والسلام.

كان فتحُ مطار صنعاء الدولي ولا زال أحدَ أبرز المِلفات التي لا يمكن التقدم نحو أي “حل” حقيقي بدون معالجته، وإن كان نص اتّفاق الهُدنة قد فتح نافذةَ أمل بعد أكثرَ من ست سنوات من تعنت تحالف العدوان، فَـإنَّ تلك النافذة قد أُغلقت بفعل تعنت الطرف نفسه ورفضه لتنفيذ الاتّفاق بالشكل المطلوب.

أكثرُ من عشرة أَيَّـام مرت منذ الموافقة على تمديد الهُدنة (سبعون يوماً منذ إعلانها) ولم تتجاوز حصيلةُ الرحلات الجوية التجارية التي تم الاتّفاقُ على تسييرها ثمان رحلات، وهذه الحقيقة بحد ذاتها تعني أن “نجاحَ” الاتّفاق ما زال بعيدًا، وتلقي بظلالها حتى على الحل الذي يفترض أن هذه الهُدنةَ “تمهِّدُ” الطريق له؛ لأَنَّ الإصرار على إغلاق المطار أمام المرضى والعالقين وحرمانهم من استحقاقاتهم التي ضمنها الاتّفاق، يعبّر عن نوايا سيئة تنسف “الثقة” المطلوبة لتحقيق أي تقدم حقيقي نحو ذلك الحل.

بعبارة أُخرى: سيظل إغلاق مطار صنعاء فجوةً كبرى لا يمكن تجاهلها في مسار معالجة الملف الإنساني حتى وإن حدث تقدُّمٌ في تفاصيلَ أُخرى (وهو افتراضٌ ما زال بعيدًا أيضاً)؛ لأَنَّ نجاح الهُدنة -وبحسب تأكيد القيادة السياسية- سيقاس بتنفيذ كافة الالتزامات بشكل جاد وواضح، وليس بتجزئة الاتّفاق حسب رغبات دول العدوان.

وسوءُ نوايا العدوّ ورعاته لا يظهرُ فقط في العدد المتواضع جِـدًّا للرحلات الجوية التي تم تسييرُها منذ بداية الهُدنة، بل يظهرُ أَيْـضاً وبشكل أوضحَ في تفاصيل تعاطي تحالف العدوان والأمم المتحدة مع هذا الملف، بدءاً من رفض تسيير أية رحلة لأكثرَ من شهر ونصف شهر، ومحاولة افتعال شروط تعسفية جديدة خارج إطار الاتّفاق، مُرورًا بفتح الرحلات إلى وجهة واحدة قبل نهاية المرحلة الأولى من الهُدنة، وإغلاق الوجهة الأُخرى بعد رحلة واحدة، وُصُـولاً إلى العودة لعرقلة رحلات الوجهتين بعد التمديد، ورفض تعويض الرحلات المتأخرة.

خلالَ كُـلّ هذه المحطات على امتدادِ مسار الهُدنة حتى الآن، كان العنوان الواضح لسلوك تحالف العدوان هو الإصرار الشديد على استخدام الرحلات كورقة مساومة خاضعة لاعتبارات دول العدوان ورغباتها الخَاصَّة، لا للاتّفاق ولا حتى لمشروعية الاستحقاق الإنساني، وكان عنوان سلوك الأمم المتحدة هو العمل على تهيئة الطاولة بحيث تكون اعتبارات ورغبات دول العدوان أهم من نص الاتّفاق نفسه.

تحت هذه العناوين الرئيسية لسلوك العدوّ والأمم المتحدة أَيْـضاً كانت هناك تفاصيلُ عبّرت بصور أُخرى عن سوء نوايا العدوّ، فإلغاءُ الرحلات الجوية بعد تحديد موعدها وحجز تذاكر المسافرين فيها لم يكن ابتزازاً لصنعاء بقدرِ ما كان تلذذاً صريحاً بمعاناة المواطنين، وحرصاً إجرامياً على قتل الفرصة الضئيلة للغاية أمامهم والتي تم استخدامها كورقة مساومة، كما أن إبقاء وجهة القاهرة مغلقة، كان بمثابة رسالة واضحة من دول العدوان بأن اتّفاق الهُدنة تضمن “وَهْمَ” فتح مطار صنعاء، وليس فتحَه فعلياً، وهو ما يعني أنها حريصة على أن تستخدم “الكلمات” أولاً للمساومة، قبل حتى أن تستخدم الأوراق الفعلية، وذلك يعني بدوره أن الأسسَ التي ترعى بها الأمم المتحدة هذا الاتّفاقَ ومناقشاته خاضعةٌ بالكامل لتفسيرات ورؤى ورغبات دول العدوان.

مستوًى عالٍ من التعنت والمراوغة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم التغاضي عنه عند الحديث عن فرص نجاح الهُدنة، فهذا السلوكَ يعني أن دولَ العدوان لا تتعامَلُ مع اتّفاق الهُدنة حتى كفرصة لكسب الوقت فحسب، بل كوسيلة لإعادة تشكيل أدبيات التفاوض، وتأسيس “مرجعية” جديدة مدعومة دوليًّا وأممياً للتحكم بمساعي السلام بحيث تجد صنعاء نفسها “مضطرة” للتعاطي مع ما هو مطروح على الطاولة، بدون أن تضمن حتى المعنى الظاهر لما هو مطروح.

التعاطي مع مِلف مطار صنعاء يمثِّلُ النموذجَ الأوضح لهذا التحايل، لكن الأمر ليس مخفياً في تعاطي دول العدوان مع بقية ملفات الاتّفاق؛ لأَنَّ مواقفَ العدوّ اليوم من فتح الطرق ودفع المرتبات ووقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، تقع كلها في منطقة بعيدة تماماً عن المضمون الواضح لبنود الهُدنة، وأجندة عمل المبعوث الأممي تتمحور كلها بوضوح حول جر صنعاء إلى تلك المنطقة التي يكون فيها “التأويل” أهمَّ من النص، والنفوذ أقوى من التعهدات.

بين الهُدنة والسلام

هذا السلوكُ المخادع وإن بدا “ذكياً” في نظر ممارسيه، يتوقفُ على أمر واحد، هو تقديرُ صنعاء للمصلحة من التعاطي مع ما يطرحه العدوّ والأمم المتحدة، وحقيقة أن موقف صنعاء هو المتغير الرئيسي الذي تعتمد عليه مناورة أعدائها، تلخص مدى خطأ حسابات هذه المناورة؛ لأَنَّ صنعاء لا تتسوَّلُ الحقوقَ المشروعة للشعب اليمني في هذه الهُدنة كما أنها ليست “مضطرة” للتنازل كما يظن العدوّ.

تحالف العدوان هو من رفع رايةَ هذه الهُدنة من موقع “اضطرار” بعد عمليات كسر الحصار، ولم تكن مشكلةُ صنعاء في ذلك الوقت هي فقط انعدام المشتقات النفطية حتى يتم حلها ببضع سفن وقود، والحقيقة أن جميعَ بنود الهُدنة (حتى إن تم تنفيذها بشكل كامل) لا تمثِّلُ رفعاً للحصار، وقد حرص قائدُ الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي خلال لقاءاته الأخيرة بوجهاء المحافظات على التنبيه إلى أن المسافة بين الهُدنة (مهما تعددت مراحلها أَو استمرت) وبين السلام لا زالت مسافة طويلة للغاية، وأن التصعيد قادم لا محالة من جانب العدوّ.

هكذا، فَـإنَّ كُـلّ “حِيَلِ” تحالُفِ العدوان تتبخرُ وتنكشفُ تماماً بمُجَـرّد أن يتم النظر إلى المشهد من زاوية الموقف الوطني، ما يعني أن العدوّ يكرّر نفس الخطأ القاتل الذي دفع ثمنه كَثيراً خلال السنوات الماضية، وهو خطأ عدم وضع استعداد صنعاء ومعادلاتها في الاعتبار، والاطمئنان إلى الدعم الأممي والدولي أَو حتى إلى “إغراء” العروض المطروحة على الطاولة (بدون ضمانات).

في النهاية، قد يكسب تحالف العدوان المزيد من الوقت من “الهُدنة”، لكنه لن يحصل على “التنازلات” التي يريدها مقابل الحقوق الإنسانية المشروعة، وعاجلًا أم آجلًا، سيجد نفسَه مرة أُخرى أمام ضرورة رفع الحصار ووقف العدوان وإنهاء الاحتلال بشكل كامل، وَإذَا تمسك بالمراوغة ستكونُ الكلمةُ الفصلُ للميدان، ولا وقتَ بإمْكَانه أن يغيِّرَ فشلَ دول العدوان في هذا الجانب.