الخبر وما وراء الخبر

دولة النهوض الحضاري

7

إصلاح واقع الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم اهتماماتهم، فتطلعت إليهم نفوس من عرفهم لإقامة مشروع العدل الإلهي بعدما انحرفت الأمة عن المسار القويم، فكانوا مرجعاً لمن قصدهم في نشر الحق ومواجهة الباطل، والنجاة من حياة التيه والضلال، وإقامة دولة عادلة يستند نظامها على كتاب الله والحكم بتوجيهاته.

وهذا ما فعله اليمنيون في القرن الثالث الهجري عندما انتشرت الفتن على أرض اليمن، وانتشر الظلم والفساد على أيدي الفرق الضالة والمنحرفة؛ فقاموا حينها بالبحث عن مخرج مما نالهم وأصابهم، وتذكروا أسباب النجاة (الكتاب والعترة) كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فما كان منهم إلا أن قصدوا الحجاز عندما لمع نجم من نجوم آل محمد، الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم _عليهم السلام_ وما كان من ذلك الإمام العظيم إلا أنّ لبى الدعوة للمجيء إلى اليمن، استشعاراً للمسؤولية تجاه دين الله وأمة جده رسول الله، لرفع المعاناة عنها وتصحيح مسارها، كما كان يدرك المكانة التي يمتاز بها أهل اليمن، والدور الذي سيقوم به هذا الشعب تجاه دين الله من خلال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شعب الإيمان والحكمة، كما كان لهم دور في إرساء دعائم هذا الدين منذ فجر الدعوة الأول.

ولأنّ رؤيته عليه السلام كانت قرآنية؛ فقد كان مشروعه على هذه الأرض شاملاً لإصلاح كل نواحي الحياة، ليستقيم حال الدين والدنيا، فبدون الدين لن يستقيم للأمة أيّ حال، وستظل رياح التيه تعصف بها في كل اتجاه.

فقام الإمام الهادي بمواجهة من أضلوا هذا الشعب وأفسدوا في الأرض، فقاتل الفرق الضالة، وجاهد في الله حق الجهاد، وخاض الكثير من المعارك حتى قضى عليها، وحقق الأمن والأمان في أرجاء البلاد.

كما أسس دولة إسلامية حضارية عادلة، فكان شغله الشاغل هو بناء الإنسان، والتفاني في خدمته، وإزالة الظلم عنه، والارتقاء بسبل عيشه، وتوفير العيش الكريم له، فحل الخير والرخاء بحلوله على هذه الأرض، فجبيت إليه الأموال، لكنه لم يأخذ شيئاً منها، بل أدار بها شؤون دولته على أرقى مستوى.

وكان يولي الفقراء والمحتاجين عناية كبيرة، وعُرف في عهده الاهتمام الكبير بهم والحرص على رعايتهم، حيث أمر ولاته بإحصاء مساكين كل بلد والرفع بأسمائهم، وهو يشبه ما نسميه اليوم بالضمان الاجتماعي، وخصص ربع الجباية لهم، وكسوتهم كسوتين، إحداهما في الصيف، والأخرى في الشتاء. وقد كان المجتمع متعاوناً معه كثيراً في تسليم الجباية، مما أدّى إلى تحقيق تقدم كبير في هذا الجانب. وقد أشار العديد من الباحثين إلى حكمته الاقتصادية وعدله في أبناء المجتمع اليمني.

لم يغفل أيضاً حتى التعامل بالعملة داخل هذا البلد، فقد أمر بضرب عملة محلية، حتى لا يحتاج الناس للتعامل بعملات الآخرين، فكان الدينار العلوي الذي يتعامل به اليمنيون من أجود الدنانير في التاريخ الإسلامي.

كان رؤوفاً رحيماً واسع الصدر كريماً، يستقبل الرعية بصدر رحب في النهار والليل، حتى وإن كان وقت السحر، يسمع شكاواهم، ويعمل على رفع الظلم عنهم، ورد المظالم إلى أهلها، وأخذ القصاص العادل من كبار القوم وصغارهم، وحتى من أقرب المقربين إليه، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنّ همه نشر العدل وإصلاح واقع الأمة.

عالج مشاكل القضاء، وتميز القضاء في عهده بوضع مواصفات القاضي وما ينبغي أن يكون عليه، والسلوك الذي يجب أن يتحلى به وهو يقضي بين الناس، وكيفية التعامل معهم.

عمل نظاماً لرعاية السجون والإشراف عليها، والاهتمام بنظافتها وإدارتها، وتعليم السجناء القراءة، كذلك البحث في الأسباب التي أدت إلى سجنهم، والحرص الكبير على عدم ظلمهم؛ لأنّ العدل أساس الحكم، وخاصة لدى أعلام الهدى.

كان يدور في الأسواق والطرق، يأمر أهل هذا الجدار المائل بإصلاحه، ويأمر بتنقية ذلك الطريق الفاسد، وإنارة الطريق المظلم في الليل ليضيء للمارّة والسالكين إلى المسجد.

مثّل في دولته خير أسوة وقدوة للأجيال من بعده وعلى كافة المستويات وفي مختلف المجالات، ففي فترة وجيزة أحدث نقلة نوعية على الأرض اليمنية.

رحل الإمام الهادي إلى بارئه عن ثلاثة وخمسين عاماً، أحدث رحيله فراغاً كبيراً أدركه الكثير من اليمنيين، فحزنوا لفراقه حزناً كبيراً، جعلهم يتتبعون كل مكان حل به عليه السلام، وتذكروا المواقف التي وقفها فيه.