الخبر وما وراء الخبر

رجل المرحلة

3

د. فاطمة بخيت

استلم دفة السفينة وقادها شاقاً عباب البحر، لم يبال بالأمواج العاتية والعواصف التي تعصف بها من كل اتجاه، كان قائداً ماهراً متوكلاً على الله واثقاً به، وكلما زاد حجم التحديات زادت قوته وصلابته التي يستمدها من قوة إيمانه بالله القوي العزيز، عظم الله في نفسه حتى صغر ما دونه في عينه، فذابت الروح تفانياً لمرضاة الحق جل وعلا وخدمة دينه وإعلاء كلمته ومواجهة أعدائه، حتى وإن كان آخر ذلك أن يتحول جسده إلى أشلاء متطايرة تفوح مسكاً وعنبراً ينتشر شذاه في الأفاق موقظاً من كان لا زال يعاني من سكرات الغفلة واللامبالاة، فأحيا في شعبه روح الصمود والمواجهة للطغاة والمستكبرين.

رجل أعطى معنى آخر للرئاسة، لشعب عانى عقوداً من ظلم الحكام وجورهم، حتى أصبح يجهل المعنى الحقيقي للرئاسة والزعامة وتقلد المناصب، كما عانى كثيراً من قيود الوصاية والتبعية، واستغلال المناصب لسلب الحقوق ونهب الثروات، فأسس (دولة للشعب، لا شعب للدولة). أحبه شعبه لأنّه تحقق فيه ما كان يتطلع إليه لتقلد هذا المنصب، كما شهد له العدو والصديق بحنكته وجدارته في إدارة البلد وفي ظل ظروف استثنائية.

كما أسس مشروعا حضاريا لبناء دولة يمنية حديثة قادرة على التنمية والبناء وحماية نفسها على رغم المعاناة الكبيرة جرّاء العدوان والحصار: (يد تحمي ويد تبني). وكل يوم يحقق مشروعه نجاحاً أكبر على مختلف المجالات وبشكل لم يتحقق لهذا الشعب منذ عقود خلت.

قاد السفينة وهو يحمل على عاتقه هم شعبه، مواجهاً كل ما يتسبب في ألمه، متلمساً لمشاكله ومعاناته، محارباً للفساد بشتى أشكاله ومسمياته، معالجاً للكثير من القضايا ومصححاً للكثير من المفاهيم وبمسؤولية.

يتكلم لينصت الجميع، لأنّ في كلامه العلاج والحل للكثير من الإشكالات التي تتعلق بالدين والدنيا، في العصر الذي أصبح فيه الدين على هامش حياة الكثير من الحكام، بل لم يعد ضمن اهتماماتهم، كيف لا وهو من تثقف بثقافة القرآن وأدرك جيداً أن باستقامة الدين تستقيم الحياة، وتعمّر الأرض ويعم الخير والرخاء.

جاهد في الله حق الجهاد، لم يكن المنصب غاية لديه بقدر ما هو وسيلة لخدمة شعبه، شعبه الذي أحبه حباً جماً لصدقه وإخلاصه وتفانيه في خدمته ليلاً ونهاراً، ليبادله الحب بالحب والوفاء بالوفاء.

فترة قصيرة تلك التي تسلم فيها دفة الحكم، ولكنه أسس للكثير وحقق الكثير من أجل شعبه ووطنه وأمته.

رحل الصماد شهيداً في سبيل الله وفي سبيل الدفاع عن هذه الأرض وعن أهلها الطيبين، مرخصاً روحه في سبيل الحفاظ على كل شبر من أرض وطنه الغالي، رحل وسط حزن شعبه الذي رأى فيه المخلص له من براثن الكثير من المفاهيم والسلوكيات الخاطئة التي أحدثت الكثير من الضرر في الساحة اليمنية. رحل ولكنه أحيا في شعبه روح البذل والعطاء والتضحية والفداء، رحل ولكن سيظل شعبه يحمل الشعارات التي حملها، ويسلك الطريق التي سلكها، ويحمل الروحية التي حملها، ويكمل البناء الذي أسس له، ويواجه العدو الذي واجهه.

رحل ولكنه سيظل حياً فينا، ليس عن طريق إحياء ذكرى استشهاده وحسب، بل عن طريق المشاريع التي أسس لها من أجل خير الأمة ونهضتها وعزتها وكرامتها، فذكراه تحيينا، لا نحن من نحييها.