وعد بلفور المشؤوم: الجريمة التاريخية والجذور الممتدة للمأساة الفلسطينية

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

2 نوفمبر سبتمبر 2026مـ – 22 جماد الأول 1448هـ

تقرير || وليد فاضل

في الثاني من نوفمبر 1917، أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالته المشؤومة الموجهة إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز قادة الجماعات الصهيونية في المملكة المتحدة، ليضع بذلك الحجر الأساس لأعظم مأساة إنسانية وسياسية شهدها الشرق الأوسط في التاريخ الحديث.

لم تكن تلك الرسالة المكونة من سبعة وستين كلمة مجرد وثيقة دبلوماسية عابرة، وإنما كانت صك إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق، حيث منحت إمبراطورية استعمارية حقاً غير مشروع لترميم وتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين العربية التاريخية، محددة بذلك مصير شعب كامل بالتهجير والقمع والاستلاب.

جاء هذا التصريح الاستعماري في سياق تشابك المصالح الإمبريالية البريطانية مع تطلعات الحركة الصهيونية العالمية خلال أتون الحرب العالمية الأولى، حيث يسعى الكيان الاستعماري البريطاني لتأمين خطوط مواصلاته البحرية والبرية نحو الهندية وتأمين موقعه الجغرافي وقناة السويس عبر زرع جسم غريب في قلب الوطن العربي يقطع تواصله الجغرافي ويضمن استدامة حالة النفوذ الغربي والتفتيت الإقليمي.

تجلت الخطورة البالغة في صياغة بلفور المشؤوم في تجاهلها التام والكامل للحقوق السياسية والوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني الأصيل، حيث أُشير إلى الغالبية العظمى من السكان العرب الذين كانوا يشكلون أكثر من تسعة وتسعين بالمائة من أصحاب الأرض بحسب الإحصاءات الديموغرافية آنذاك، بعبارة فضفاضة ومجحفة وصفهم فيها بـ “الطوائف غير اليهودية”.

اختزل هذا التوصيل الاستعماري الحقوق السياسية والوطنية الشاملة لأصحاب الأرض في مجرد حقوق مدنية ودينية ثانوية، بينما منح الأقلية الوافدة والحركة الصهيونية صفة الحق القومي والكيان السياسي المفترض.

هذا الانحياز البنيوي والصريح أعاد صياغة المعادلات الديموغرافية والسياسية في فلسطين، وسهل للمؤسسات الصهيونية الاستيلاء الممنهج على الأراضي وتأسيس العصابات العسكرية وتفعيل آليات النزوح والتهجير القسري تحت مظلة وحماية السلطات الاستعمارية البريطانية.

استخدمت بريطانيا نفوذها السياسي عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى لتثبيت هذا التصريح المشؤوم وتضمينه رسمياً في صلب صك الانتداب الصادر عن عصابة الأمم عام 1922، لتتحول التعهدات الاستعمارية غير القانونية إلى إطار قانوني دولي مُفرض بالقوة على الشعب الفلسطيني الذي رفَض الانتداب وقاوم مخططات اقتطاع أرضه بشتى الوسائل المشروعة.

وخلال ثلاثة عقود من فترة الانتداب البريطاني، عملت السلطات الاستعمارية على تسهيل الهجرات الجماعية للصهاينة من أوروبا ومختلف بقاع العالم، وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري والمؤسسي للوكالة الصهيونية، وحظر وتجريم تسلح الفلسطينيين ومواجهة ثوراتهم المتلاحقة بقسوة مفرطة.

شهدت هذه الفترة قمعاً تنكيلياً للثورات الوطنية الفلسطينية الكبرى، وأبرزها ثورة عام 1936، حيث تم إضعاف قدرات الشعب الفلسطيني وتفكيك بنيته السياسية والعسكرية والاجتماعية، مقابل تمكين وتدريب وتجهيز العصابات الصهيونية المسلحة مثل “الهجاناه” و”الأرجون” و”لحي”، التي ارتكبت لاحقاً المجازر والجرائم بحق القرى والمدن الفلسطينية.

لم ينتهِ أثر بلفور المشؤوم بانسحاب قوات الانتداب البريطاني عام 1948، لكنه تجسد عملياً في وقوع النكبة الكبرى وتأسيس الكيان الصهيوني المغتصب على أكثر من سبعة وسبعين بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، وتشريد مئات الأسر والقرى والمدن الفلسطينية، ومسح أكثر من خمسمائة قرية من الخارطة الديموغرافية والجغرافية، وتحويل غالبية الشعب الفلسطيني إلى لاجئين في المخيمات ودول الشتات.