وما بدلوا تبديلاً.. كيف نكون أوفياء لعهد الشهداء
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
27 أكتوبر 2026مـ – 16 جماد الاول 1448هـ
في مرحلة من أهم مراحل تاريخ هذه الأمة التي أراد الله لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وبلد جعله الله ملاذا للمسلمين عند اشتداد الفتن وتشرف أهله بأن يكونوا أنصارا لرسالات الله، وجد أحفاد الأنصار، الذين يحملون روحية أجدادهم بصبرهم عند الحرب وصدقهم عند اللقاء بوفائهم وإيمانهم وحكمتهم وأصالتهم، وجدوا أنفسهم في مواجهة مع مشروع صهيوأمريكي يسعى لفرض هيمنته الثقافية ونشر فساده واحتلال العقول بحربه الناعمة، قبل احتلال الأرض ونهب الثروات وانتهاك الأعراض بحربه العسكرية، وتشويه رسالة الإسلام بحربه الأمنية وصنيعته الاستخباراتية داعش والقاعدة، بتحالف يحمل في ثناياه خبث اليهود وضلال النصارى وطمع واستكبار أمريكا وحقد “إسرائيل” وعمالة المنافقين المطبعين.
وفي مرحلة بلغ فيها يأس المسلمين مبلغه، أنعم الله على هؤلاء المستضعفين بقائد من آل بيت رسول الله أرسله الله رحمة للعالمين، معلما وقائدا لهم في مواجهة الطغاة والمستكبرين بمشروع قرآني يحمل من البصيرة والوعي والنور والبرهان والوعد بالنصر ما يجعله المشروع الوحيد القادر على مواجهة المشروع الصهيوأمريكي، فحملوا مبادئ هذا المشروع روحية وثقافة وعملا وسلوكا، وخرجوا من بيوتهم بالحق لنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بكل إخلاص وثبات وبصيرة ووعي عال وإيمان راسخ مكنهم من مواجهة كل قوى الطغيان والاستكبار التي استخدمت أفتك الأسلحة وأخطر المؤامرات ضدهم، لكنهم واجهوها وفضحوا كل مؤامراتها وتحدوها وانتصروا عليها حتى أكرمهم الله بنيل أعلى رتبة ينالها المجاهد في سبيل الله وهي الشهادة في سبيله، ففازوا بخير تجارة فوزا عظيما.
حتى نكون أوفياء مع أهل الوفاء
يأتي في مقدمة الواجبات تجاه الشهداء التزود بالوعي والبصيرة، وحمل الروحية الإيمانية التي انطلقوا منها، والاستمرار على الطريق الذي اختاروه عن قناعة وإيمان. فالشهداء لم يقدموا أرواحهم من أجل أن تتحول قضيتهم إلى ذكرى تُستحضر في المناسبات، وإنما ضحوا من أجل قضية آمنوا بوجوب حملها ومواصلة السير فيها، ومواجهة ما يرونه من أخطار تستهدف الأمة ومستقبلها.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لتضحياتهم يقتضي الحفاظ على القضية التي استشهدوا من أجلها، والتمسك بالمبادئ التي تحركوا على أساسها، وعدم التفريط في المواقف التي تحملوا في سبيلها التضحيات والصعوبات. ويستحضر هذا المعنى قول الله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
فالوفاء بالعهد يظل مسؤولية قائمة على عاتق من بقوا بعد الشهداء، وتتمثل في الثبات على المبادئ، ومواصلة حمل المسؤولية، وعدم السماح للغفلة أو التثاقل أو الانحراف بأن تقود إلى التراجع عن القضية التي ضحوا من أجلها.
وتزداد أهمية هذا الواجب في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات، وفي مرحلة يعدّها هذا الطرح من أخطر مراحل الصراع مع العدو الإسرائيلي ومشاريعه. فالتراجع عن مواجهة المخططات التي تستهدف الأمة، أو الانشغال عنها حتى تغيب عن الوعي والموقف، يمثل إخلالاً بالمسؤولية التي تفرضها التضحيات، ويجعل الحفاظ على الإرث الذي تركه الشهداء أمراً يحتاج إلى يقظة دائمة ووعي مستمر.
ولا يتحقق الثبات بمجرد رفع الشعارات، وإنما بحضور القضية في الوعي والسلوك والمواقف، وبالاستعداد لتحمل المسؤولية وعدم الاستسلام للصعوبات أو السماح للمؤثرات المختلفة بأن تصرف المجتمع عن أولوياته. وهذا ما يجعل الوعي والبصيرة من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المجتمع، حتى تبقى التضحيات حاضرة بأهدافها ودوافعها، لا بأسمائها وصورها فقط.
استذكار الشهداء.. استعادة لدروس الصبر والثبات
ومن الوسائل المهمة التي تعين على مواصلة المسيرة بالروحية الإيمانية نفسها التي انطلق منها الشهداء، الاستذكار الدائم لسيرهم وأعمالهم الصالحة وأقوالهم الصادقة ومواقفهم المشرفة وتضحياتهم الجسيمة. فاستحضار تجربتهم، والعودة إلى الظروف التي تحركوا فيها، يساعدان على إدراك حجم التحديات التي واجهوها، وكيف تجاوزوا العوائق بقوة الإيمان والعزم والثقة بالله سبحانه وتعالى.
لقد تحرك الشهداء في ظروف لم تكن سهلة؛ إذ واجهوا قلة الإمكانات، وكثرة المعادين والمرجفين، وتعدد الصعوبات والتحديات. ومع ذلك، لم يجعلوا محدودية المتاح سبباً للتراجع، بل عملوا بما امتلكوه من إمكانات، وثبتوا على مواقفهم، واستفادوا من الفرص المتاحة، حتى تحققت نتائج ومكاسب كان الوصول إليها يبدو بالغ الصعوبة في بدايات الطريق.
ومن هنا تأتي أهمية استذكار تلك المرحلة، لاستخلاص دروسها والاستفادة منها في مواجهة التحديات الراهنة، بدلاً من التعامل مع ما تحقق وكأنه أمر عادي لا يحتاج إلى شكر أو محافظة أو تطوير.
وفي هذا السياق، يقول الله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون).
وتحمل هذه الآية دلالة واضحة على أهمية تذكر مراحل الضعف والاستضعاف، واستحضار ما منّ الله به من تأييد ونصر، حتى لا يقع الإنسان في الغفلة عن النعم، أو ينسى حجم الجهود والتضحيات التي ارتبطت بالتحولات التي شهدها واقعه.
فاستذكار الشهداء وما واجهوه من صعوبات ينبغي أن يدفع إلى مزيد من الشكر لله، والثبات على المواقف، والمحافظة على المكاسب التي تحققت، والسعي إلى تطويرها والارتقاء بها. كما ينبغي أن يعرّف الأجيال الجديدة بحقيقة الطريق الذي سلكه الشهداء، وبما تحلوا به من صبر وإخلاص وتضحية، حتى تستوعب مسؤوليتها في مواصلة العمل وعدم التفريط في ما تعتبره ثمرة لتلك التضحيات.
رعاية أسر الشهداء.. واجب ديني واجتماعي
إذا كان الثبات على القضية واستحضار دروس الشهداء يمثلان جانباً أساسياً من الوفاء لهم، فإن العناية بأسرهم وأبنائهم تمثل واجباً مباشراً لا يجوز التفريط فيه. فالشهادة، وإن كانت منزلة عظيمة ينالها المجاهد في سبيل الله، تترك وراءها أُسراً تواجه أعباء الحياة، وقد تفقد الأب أو الابن أو المعيل الذي كان يتولى شؤونها ويوفر احتياجاتها الأساسية. ومن هنا، فإن رعاية هذه الأسر ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، ولا مهمة تقتصر على الجهات الرسمية، بل هي مسؤولية المجتمع بأكمله، بما يملكه من إمكانات وقدرات يستطيع من خلالها تخفيف المعاناة عن أسر الشهداء ومساندتها في مواجهة متطلبات الحياة.
وتبدأ هذه الرعاية من الجانب المعنوي، باحترام أسر الشهداء وتقديرها، والوقوف إلى جانبها، وإشعارها بأن تضحيات أبنائها وآبائها لم تُنسَ، وأن ما قدموه يحظى بالتقدير، وأن لهم عند الله سبحانه وتعالى الأجر العظيم. كما تقتضي مواجهة كل محاولة لزرع الإحباط في نفوس هذه الأسر، أو إشعارها بأن تضحيات أبنائها ذهبت سدى، أو أن المجتمع قد نسي ما قدموه.
غير أن التقدير المعنوي، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن الرعاية العملية. فهناك أسر تحتاج إلى من يساعدها في تكاليف العلاج، وأخرى تواجه صعوبات في توفير متطلبات التعليم والمعيشة، وغيرها تعاني من ظروف تستدعي تدخلاً ومساندة من المحيط الاجتماعي. وقد يرقد والد أحد الشهداء في المستشفى ولا يجد من يعينه على تكاليف العلاج، أو تواجه أسرة شهيد أعباء معيشية تفوق قدرتها على التحمل، فيما توجد حالات أخرى تحتاج إلى من يتابع شؤونها ويحمي حقوقها.
ورغم الجهود التي تبذلها مؤسسة الشهداء والمؤسسات الرسمية الأخرى في هذا المجال، إلا أن اتساع الاحتياجات وتنوعها يجعلان المشاركة المجتمعية ضرورة لا غنى عنها. فالمطلوب أن يتحرك المجتمع بروح التعاون والتكافل، وأن يسعى إلى معرفة أحوال أسر الشهداء، ومساندتها بصورة مستمرة، وعدم تركها وحدها أمام ظروف الحياة. وهذا يستدعي أن يتحمل كل فرد ومؤسسة وتاجر ومبادرة اجتماعية ما يستطيع من مسؤولية، سواء عبر المساعدة المباشرة، أو الإسهام في العلاج والتعليم، أو توفير فرص العمل، أو متابعة الأسر التي تحتاج إلى رعاية خاصة. فالتعاون على البر والتقوى يقتضي أن تكون مساندة أسر الشهداء ممارسة حاضرة في حياة المجتمع، لا عملاً موسمياً يرتبط بالمناسبات فقط.
حماية أموال أبناء الشهداء وحقوق أسرهم
ومن أخطر ما ينبغي أن يتنبه إليه المجتمع حماية أموال أبناء الشهداء وأسرهم من كل صور الاعتداء والاستغلال. فبعض الأسر قد تواجه -بعد فقدان معيلها- نزاعات مالية أو محاولات للاستيلاء على ممتلكاتها، وقد يكون الأطفال أكثر عرضة للظلم عندما لا يجدون من يتابع حقوقهم ويحمي أموالهم.
ومن الواجب الديني والأخلاقي أن يكون المجتمع سداً منيعاً أمام كل من يحاول أكل أموال أبناء الشهداء بغير حق، أو استغلال ضعف أسرهم وحاجتهم، أو الالتفاف على حقوقهم وممتلكاتهم. فهذه الأموال حقوق يجب صونها، ولا يجوز أن تتحول ظروف الفقد والحاجة إلى فرصة يستغلها ضعاف النفوس.
وقد جاء التحذير القرآني شديداً في هذا الشأن، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا).
وتفرض هذه المسؤولية على المجتمع ألا يكتفي بالتعاطف مع أبناء الشهداء، بل أن يتدخل لمنع الظلم عنهم، ويساعدهم على حفظ أموالهم، ويقف إلى جانبهم في مواجهة كل من يسعى إلى الاستيلاء على حقوقهم أو تفكيك أسرهم أو استغلال حاجتهم.
كما تشمل المسؤولية حماية أسر الشهداء من محاولات التأثير التي تستهدف إبعادها عن القيم والمبادئ التي تربت عليها، أو الانتقاص من تضحيات ذويها، أو استغلال ظروفها المعيشية والنفسية للتأثير في خياراتها. ويقتضي ذلك توفير بيئة اجتماعية تحتضن هذه الأسر، وتحترمها، وتساعد أبناءها على التعليم والتأهيل والعمل، وتتيح لهم فرصاً تتناسب مع قدراتهم وطموحاتهم. ومن المهم في هذا الجانب الاهتمام بالمؤسسات التعليمية والمهنية التي تستوعب أبناء الشهداء، وتوفر لهم الرعاية والتأهيل، وتساعدهم على اكتساب المهارات اللازمة لبناء مستقبلهم. فالمجتمع الذي يقدّر تضحيات الشهداء ينبغي أن يولي أبناءهم اهتماماً خاصاً في مجال التعليم والتدريب، وأن يعمل على إزالة العوائق التي تحول دون حصولهم على الفرص المناسبة.
ولا يقتصر الأمر على التعليم، بل يشمل كذلك مساندة الأسر في مواجهة المشكلات الاجتماعية، وتوفير النصح والرعاية عند الحاجة، وحمايتها من كل أشكال الاستغلال أو الضغط. فالمطلوب هو أن يجد أبناء الشهداء وأسرهم مجتمعاً يحيط بهم، ويحفظ حقوقهم، ويصون كرامتهم، ويساعدهم على مواصلة حياتهم بصورة مستقرة.
الوفاء للشهداء مسؤولية المجتمع بأكمله
إن الواجب نحو الشهداء لا يتحقق بمجرد الحديث عن مناقبهم، أو إقامة الفعاليات التي تستذكر تضحياتهم، مهما كانت أهمية ذلك، وإنما يتحقق بالجمع بين الوفاء للقضية التي ضحوا من أجلها، والثبات على المبادئ التي انطلقوا منها، واستحضار دروس تجربتهم، ورعاية أسرهم وأبنائهم، وحماية حقوقهم وأموالهم.
المجتمع الذي يقدّر تضحيات الشهداء مطالب بأن يجعل هذا التقدير حاضراً في سلوكه اليومي، وأن يواجه التقصير في رعاية أسرهم، وألا يسمح باستغلال حاجتهم أو الانتقاص من حقوقهم، وأن يعمل على تهيئة الظروف التي تساعد أبناءهم على التعليم والعمل والعيش بكرامة.
كما أن استمرار المسيرة التي ضحى الشهداء من أجلها يتطلب وعياً دائماً بالمخاطر والتحديات، وتمسكاً بالقضية التي حملوها، وتجنباً للغفلة والتراجع والتصرفات التي تتناقض مع القيم التي جسدوها. فالوفاء لهم هو أن يبقى المجتمع حاضراً في مسؤولياته، وأن يجعل من تضحياتهم دافعاً لمزيد من العمل والإخلاص والتعاون.
وفي ختام ذلك، يقول الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).
فمن الوفاء للشهداء أن نكون أوفياء لأهل الوفاء، وأن نحسن القول والعمل مع من قدموا أعظم التضحيات، وأن نمد يد العون لأسرهم وأبنائهم، وأن نحمي حقوقهم من الاعتداء، وألا نبخل بما نستطيع تقديمه من مساعدة ورعاية.
إن الشهداء قدموا أرواحهم، وأقل الوفاء لهم أن نحفظ القضية التي ضحوا من أجلها، ونرعى أسرهم، ونصون حقوق أبنائهم، ونكون على قدر المسؤولية التي تركوها أمانة في أعناقنا.
