السعودية في المأزق اليمني: من إعلان الحرب المباشرة إلى التواري خلف الأدوات
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
2 أكتوبر 2026مـ – 21 ربيع الثاني 1448هـ
تقرير || علي الدرواني
تخوض السعودية حربا عدوانية شرسة ضد الشعب اليمني، وفي نفس الوقت تحاول الاختباء والتواري عن الواجهة، وتدفع بأدواتها القذرة لتبني كل عدوانها على البلد. حتى متحدثها العسكري الذي ظهر خلال التصعيد الأخير عدداً محدوداً من المرات توارى لصالح ظهور بيانات متحدث أدوات الرياض، بعنوان “قوات الحكومة المعترف بها دوليا”.
هذا التحول في الخطاب والرواية الإعلامية لم يكن وليد الصدفة بقدر ما كان نتيجة خطة مدروسة لإعادة صياغة السردية والهروب من وصمة الفشل والهزيمة من جهة، ومن جهة أخرى الهروب من الإدانة الدولية، ولها أهداف محددة بعناية، أبرزها نقل صورة الحرب القائمة من عدوان سعودي على اليمن، إلى حرب يمنية يمنية، ولهذا يتم التركيز على بيانات المتحدث العسكري اليمني التابع للرياض، وتقديم البيانات السعودية باسمه، لتصبح الحرب يمنية داخلية، وتقدم الرياض نفسها مجرد داعم، وبهذا يقل ظهورها كفاعل مباشر في العدوان، وتتحول من طرف رئيسي إلى طرف ثانوي.
تكتيك الهروب من الواجهة.. لماذا تتوارى الرياض
وهنا تكمن المسألة الأساسية.. فعندما يكون المتحدث سعوديا تظهر السعودية بوضوح بوصفها طرفًا في الحرب، أما عندما يكون المتحدث يمنيًا فإن الصورة الإعلامية تصبح أقرب إلى حرب يمنية بين يمنيين، حتى مع بقاء الدعم السعودي حاضرًا في خلفية المشهد. والفارق بين الصورتين ليس بسيطا، لأن تغيير الواجهة يمكن أن يغير الطريقة التي يفهم بها الجمهور طبيعة الصراع والمسؤوليات المرتبطة به.
من جهة أخرى، تسعى الرياض لإظهار أن لديها “شريكا يمنيا”، وليس مجرد تابع، وهذا الشريك له قراراته ومؤسساته، وتظن أن ذلك يمكن أن يلغي حقيقة الارتزاق في كل القوات اليمنية التي تقاتل من أجل السعودية ومشاريعها التدميرية في اليمن.
وفي ما يخص البعد الدولي، يبدو أن السعودية تحتاج إلى تقديم نفسها أمام العالم والرأي العام الدولي كدولة تتعرض للهجمات، وليس كدولة معتدية تشن حربها بشكل منفرد ضد بلد جار منذ أكثر من 12 عاما، ولتحقيق تلك الغاية تركز في خطابها على الدفاع، وإبراز تعرض مواقعها ومطاراتها ومنشآتها النفطية للهجمات، وتنشر مشاهد لوصول الصواريخ، وحجم الدمار في القواعد، والمطارات، على نحو لم تكن تمارسه من قبل، بعد أن غادرت مربعات الإنكار والتستر على الخسائر، وتقليل أهمية الضربات، والاستهزاء بالصواريخ وتسميتها بالمقذوفات.
من الناحية الواقعية لم تختف الواجهة السعودية كليا، ففي 24 سبتمبر 2026 أعلن المتحدث العسكري السعودي تركي المالكي اعتراض صواريخ باليستية، وقال إن قواته “ستتعامل مع التصعيد بحزم”، ثم أصدر في 26 سبتمبر بيانا آخر بشأن اعتراض صاروخ باتجاه خميس مشيط.. لكن وجود هذه البيانات لا يلغي ملاحظة أخرى تتمثل في أن الخطاب المتعلق بالعمليات داخل اليمن يظهر بصورة متزايدة من خلال جهة يمنية تقدم نفسها بوصفها قوات “حكومية”، وحتى في التغطية الإعلامية الدولية تتكرر صيغة «القوات الحكومية المدعومة من السعودية» في مقابل من تسميهم «الحوثيين المدعومين من إيران»، بما يجعل المشهد يبدو في جزء من الخطاب أنه صراع بين طرفين يمنيين، مع وجود دعم إقليمي لكل طرف، وقد استخدمت رويترز وغيرها من الوكالات في توصيفها للتصعيد تعبير “القوات الحكومية المدعومة من السعودية في مقابل المقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران”.
كشف الستار.. التسليح والتحشيد السعودي
التوصيف الذي تعتمده السعودية ووسائل إعلامها يطرح سؤالًا مهماً، وهو: من يملك القرار العسكري والسياسي الحقيقي؟ والإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تعتمد على الشعارات أو التوصيفات السياسية، وإنما على الأدلة المتعلقة بالتمويل والتسليح وسلاسل القيادة وغرف العمليات والتصريحات الرسمية والاتفاقات السياسية والعسكرية، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين القوى المحلية والدول التي تقدم لها الدعم.
إذا كانت السعودية تظن أن مجرد تغيير المتحدث يكفي في تغيير صورة الحرب فهي مخطئة تماما، لأن كل عملية عسكرية عدوانية قد توافرت الأدلة على أنها سعودية، فالتحشيدات كانت تصل من منفذ الوديعة، تحمل العناصر المستأجرة، والسلاح والعتاد المحمول على ناقلات عملاقة، قبل أن يتم استهدافها، كذلك السفن التي عملت على نقل شحنات الأسلحة للتصعيد في المخاء والساحل الغربي، وتم استهداف بعضها على الساحل أو مع وصولها إلى الميناء.
علاوة على ذلك تظل الأسئلة الكثيرة واضحة الإجابة، مثلا: أين تجتمع قيادة ما يسمى بالمجلس القيادي، التي تعلن التصعيد، وترسل التهديدات، والعنتريات، من هي قيادتها؟ أين توجد ؟ من يمولها؟ من يسلمها السلاح؟ من يدفع رواتبها؟ ومن يملك التأثير في قرار الحرب والسلم؟ وهذه الأسئلة أكثر دقة من الاكتفاء بالتوصيفات السياسية؛ لأنها تنقل النقاش من وصف الأشخاص والقوات إلى دراسة علاقات القيادة والتمويل والتسليح وصنع القرار، وتفضح حقيقة الدور السعودي القيادي، والريادي، والعدائي.
كذلك الأمر بالنسبة للغارات العدوانية على عدد من المحافظات بطائرات سعودية، حيث حرصت القوات المسلحة على فضحها عبر بيانات عسكرية شبه يومية، ركزت على أنواع الطائرات إف 15، وتايفون، ومكان إقلاعها وهبوطها، وأحيانا تضيف البيانات العسكرية إلى جانب ذلك تفاصيل تتعلق بالمدة الزمنية للتحليق، وتنقلها لتنفيذ عمليات بين تعز والجوف.
وهذه التفاصيل وما تعلق بها قد تم تحويلها إلى ملف موثق يتضمن تاريخ العملية ومكانها ونوع السلاح المستخدم والجهة التي أعلنت عنها والجهة التي نسب إليها التنفيذ، إلى جانب الصور الميدانية والخسائر البشرية والمادية.
ومع وجود هذه المعلومات بكشل مفصل وبصورة منتظمة يصبح من الصعب على الرياض التخفي، أو التستر على دورها الخبيث والعدواني، ويكون تغيير المتحدث أقل قدرة على تغيير حقيقة الصورة ودقة السردية، لأن المسؤولية تصبح مرتبطة بسجل من الوقائع والتواريخ والأدلة، ولا تعتمد على مجرد الخطاب الإعلامي المتداول في لحظة معينة.
انتصار الساحل الغربي.. الوثائق تسقط سريدة الرياض
وفي هذا السياق تأتي المشاهد والأدلة التوثيقية التي كشفها الإعلام الحربي في المخاء لتشكل نسفاً ميدانياً شاملاً لسياسة التواري؛ إذ أظهرت المشاهد المصورة بشكل لا يدع مجالاً للشك طبيعة الوجود السعودي المباشر من خلال مراكز القيادة والسيطرة، وغرف العمليات، وكيف كانت تدير العمليات بشكل كامل على أدوات القرار العسكري والتحكم الميداني إدارةً وتوجيهاً، بالإضافة إلى البنية التحتية السرية، وما تم كشفه من المطارات السرية، القواعد البحرية، والتحصينات العسكرية المجهزة بالكامل من قبل القوات السعودية، وكذلك الأدلة والمشاهد التي وثقت صور القادة السعوديين، وأسماء الضباط المسؤولين عن إدارة المحاور، والهويات والوثائق الرسمية داخل تلك المقرات. كل تلك الشواهد الميدانية الحية تقدم إجابة قاطعة عن مَن يدير الحرب فعلياً على الأرض؟
وما يزيد الأمر وضوحا، هو إسقاط طائرة سعودية في مارب منتصف شهر سبتمبر 2026، وتعزيز ذلك بالمشاهد وصور الطائرة، والرسائل السعودية عبر وسطاء للبحث عن طياريها.
فعندما تسقط الأقنعة أمام التوثيق الميداني داخل غرف العمليات والمطارات القائمة، يصبح من المستحيل الترويج لرواية “النزاع الداخلي”؛ وتتحول البيانات الصحفية إلى مجرد غطاء شكلي تسقط قيمته أمام واقع غرف العمليات والسيطرة، والهيكل القيادي السعودي الموثق بالأسماء والوجوه والمواقع.
تحالفات الرياض تجاوزت الإطار المحلي
تسعى الرياض -بالتوازي مع هذا التواري الإعلامي- بخطى حثيثة في تحركات استراتيجية أوسع، تمثلت في التوصل إلى اتفاقيات دفاعية وعقد اجتماعات لقادة الأركان بين الرياض وكل من تركيا وباكستان لتنسيق “التعاون الدفاعي” وتبادل المعلومات، هذه التحركات تؤكد أن الملف بالنسبة للرياض تجاوز الجغرافيا اليمنية ليتقاطع مع منظومات الأمن الإقليمي، بعناوين أمن الطاقة، والملاحة الدولية، وتعمل على حشد المجتمع الدولي بحملة التخويف على الملاحة وباب المندب، أو التعلق بالكعبة وأن هناك محاولات استهداف لها، واستجداء الدعم والحماية من القريب والبعيد، حتى أعلنت بريطانيا عن إرسال طائرات تزود بالوقود لدعم العمليات السعودية الجوية ضد اليمن.
وفي ذات الإطار كانت اتصالات خالد بن سلمان المكثفة بوزراء دفاع دول العالم، فهي لا تقدم دليلاً على قوة الدبلوماسية، بل تعطي مؤشرا صريحاً على مأزق عميق وتيه يبحث عن مخرج، فالسعي الحثيث لبناء حلفاء جدد واستجداء الدعم العسكري للاستقواء على اليمن، ما هو إلا اعتراف ضمني بالهزيمة وفشل التحالفات السابقة التي تقوضت بتهور محمد بن سلمان؛ حين اندفع للاستفراد بالمشهد اليمني بعد إزاحة شركائه وتهميشهم، ليدرك اليوم أن كل تحالف جديد يُبنى ليس إلا شهادة رسمية على سقوط ما قبله.
وعليه، كلما اتسعت التفاهمات والأدوار الإقليمية والدولية خلف الكواليس، زادت حاجة الرياض لإحكام السردية الوهمية، وإبراز العناوين المحلية للتغطية على شبكة التنسيق العسكري المعقد الذي تلهث وراءه.
وفي الأخير، الميدان هو الذي يكشف الحقيقة مهما حاول الإعلام تغيير الأسماء أو إخفاء الشخصيات: السعودية هي التي تدير الحرب وهي التي تمولها وتدفع بأسلحتها، وظهور متحدث يمني على الشاشة لا يغير من هذه الحقيقة شيئاً. فالوثائق، والغرف العسكرية التي تم كشفها، والمطارات السرية، تثبت بوضوح من هو المسؤول الأول والأخير عن كل ما يجري في اليمن.
