من الهيمنة إلى الحرب الشاملة: كيف تعادي السعودية كل اليمنيين وخياراتهم الوطنية

5

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
2 أكتوبر 2026مـ – 21 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير|| علي الدرواني

تمثل السياسة السعودية تجاه اليمن نموذجاً فظا للتدخل الذي تجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين دولتين متجاورتين، ليتحول إلى استراتيجية ثابتة قائمة على إبقاء اليمن خاضعاً للنفوذ ومسلوب القرار السيادي.. وتكشف المحطات التاريخية الممتدة لأكثر من نصف قرن أن هذا التعامل العدائي لم يستثنِ أحداً من أبناء الشعب اليمني، بل طال جميع الأطراف والمكونات ومختلف المحافظات دون تمييز، ضمن رؤية تعلي من التحكم والنفوذ وتتحفظ على وجود يمن قوي ومستقل.

من حرب الجمهورية إلى مواجهة الوحدة
لقد تجسد هذا النهج مبكراً في مناهضة خيارات الشعب اليمني في الشمال والجنوب على حد سواء؛ فبعد ثورة 1962 أطالت الرياض أمد الحرب الأهلية بدعم القوى الملكية ضد النظام الجمهوري، قبل أن تنتقل لإفراغ الجمهورية من مضمونها عبر شراء ولاءات قيادات بارزة وتشكيل ما عرف بـ “اللجنة الخاصة” لرهن القرار السياسي، فقد وجدت الرياض في بعض القوى الجمهورية استعداداً كبيراً لتقديم تنازلات قبولاً بدور سعودي محوري لم تكن القوى الملكية لتقبل به بأي شكل من الأشكال؛ إذ كانت الأخيرة ترى نفسها نداً تاريخياً لمملكة آل سعود وتعتدّ بشرعيتها الحاكمة، ولهذا السبب، فضّلت السعودية عقد صلح مع التيارات الجمهورية فنشأت صيغة هجينة في إدارة الحكم والنفوذ أطلق عليها النقاد والمحللون اسم “الجملوكية”، حيث أفرغت الجمهورية من مضمونها التحرري والسيادي لتتحول إلى نظام هجين محكوم بشبكات نفوذ تدار مباشرة وتغذى مالياً وسياسياً عبر السعودية.

ولم يختلف الأمر في الجنوب، حيث برز الصدام العسكري المباشر منذ حرب الوديعة عام 1969 عبر القصف الجوي والاستهداف العسكري للنظام الجديد آنذاك، ومع إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، تجددت المخاوف السعودية من نشوء دولة موحدة تمتلك موقعاً استراتيجياً وكتلة بشرية ورصيداً حضارياً وثروات هائلة، قادرة على إزاحة الرياض من موقعها الإقليمي، فلجأت إلى التضييق الاقتصادي عبر الترحيل الجماعي لأكثر من مليون عامل يمني لإرباك الدولة الوليدة، ثم قدمت دعماً مالياً وسياسياً لمشروع الانفصال في حرب صيف 1994 لتقويض أركان الدولة الموحدة من الداخل.

سياسة التوظيف الموقت والإطاحة بالحلفاء
ولم تكن العلاقة مع القوى والشخصيات السياسية اليمنية قائمة على الشراكة أو الاحترام، بل اعتمدت على الاستخدام المؤقت والتخلي بمجرد انتهاء الوظيفة أو تغير الحسابات، فقد مارست الرياض ضغوطاً لإضعاف علي صالح، رغم التزامه بإملاءاتها السياسية، ولاحقا على إزاحته عام 2011 بعد عقود من التحالف معه، ووصل العداء إلى حد قصف منازله جوياً في صنعاء وسنحان عام 2015.

كما قامت لاحقاً بتجريد عبد ربه منصور هادي من صلاحياته وإطاحته بأسلوب قسري في أبريل 2022 وفرض “مجلس قيادة” بديل، واستخدمت الأحزاب والمكونات السياسية كالحزب الاشتراكي وتجمع الإصلاح كأوراق للضغط والتوازن قبل أن تعمل على تحجيمها، وحتى المكونات التي استعانت بالرياض لم تسلم من بطشها، حيث انتقلت لمواجهة “المجلس الانتقالي” وقصف قواته في حضرموت والمهرة وشبكة نفوذه في عدن ولحج والضالع لتأكيد سيطرتها المطلقة.

تدمير الإنسان والبنية التحتية بلا استثناء
وبلغ هذا العداء أوجَهُ مع شنّ العدوان العسكري الشامل عام 2015، كان الهدف الرئيسي منه هو إجهاض ثورة ٢١ سبتمبر، وغعادة اليمن للوصاية السعودية، وفي هذه الحرب لم تُستثنَ منها جغرافيا أو فئة يمنية، حيث أدى القصف الجوي إلى سقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى في مختلف المحافظات، ومن كل الأطراف بلا استثناء، واستهدف المنشآت المدنية والأسواق والأحياء السكنية في القاعة الكبرى وفج عطان بصنعاء، وحافلة أطفال ضحيان في صعدة، وسوق مستبأ بحجة، والحديدة ولحج وتعز وعدن. وتزامن ذلك مع تدمير المقومات الاقتصادية الحيوية كالمصانع والموانئ والبنية التحتية، وفرض القيود السيادية على شركات التنقيب لمنع اليمن من استغلال ثرواته النفطية والغازية، وقصف مطار عدن كما صنعاء، ودمرت موانئ الحديدة كما موانئ عدن.

السعودية صانعة الأزمات ومهدد الاستقرار في اليمن
تؤكد هذه السيرة التاريخية الملطخة بالتدخلات والحروب استنتاجاً أساسياً مفاده أن المملكة السعودية لم ولن ترغب يوماً في خير اليمن أو استقراره، إذ تتعامل معه كساحة مفتوحة للنفوذ والتجاذبات، وتعتبر أن أي نهوض أو استقرار يمني يشكل تهديداً كلاسيكياً لحساباتها الإقليمية. لقد أثبتت الوقائع أن السعودية تستهدف اليمن ككيان وهوية وإنسان، وأن الحليف لديها مجرد أداة مؤقتة تُرمى بعد استنفاد غرضها، مما يجعل بناء دولة يمنية مستقلة ومستقرة أمراً ممتنعاً دون الفصل التام عن الهيمنة والوصاية الخارجية، والاعتماد على التوافق الوطني الحر بعيداً عن أطماع الرياض التي أثبت التاريخ أنها كانت وما زالت صانعة الأزمات الأولى في اليمن.