عندما تصبح دماء الأطفال والنساء غطاءً لهزيمة الميدان

6

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
29 سبتمبر 2026مـ – 18 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير|| وديع العبسي

​ما الذي يدفع النظام السعودي، في نسخةٍ مكررة وأكثر ضراوة من عدوانه البربري على اليمن، إلى استعادة حماقة الغارات القاتلة على المدنيين والأعيان المدنية؟ يتصاعد صخب الغارات يومياً، ويرتفع عداد الشهداء والجرحى في متوالية دمٍ لا تنتهي. وما تَراكَم في مخازن الرياض خلال سنوات “تخفيض التصعيد” المزعوم من آلات الموت، عادت لتواصل به سياسة القتل والتدمير وإنهاء ما تبقى من الحياة؛ بعد ثمانِ سنوات متواصلة من الاستهداف الناري والحصار الجائر.

​في العرف العسكري وقوانين المواجهة -بل وحتى في بداهة النخوة والضمير الإنساني- ليس ثمة ذرّة شجاعة ولا مظهر قوة في استهداف مدرسةٍ تُؤوي الصغار، أو سوقٍ يكتظ بالمرتادين الأبرياء، أو برج اتصالات؛ إنما هو الإفلاس العسكري في أبهى صوره، وعقدة الخزي حين تنعكس طغياناً يتشفّى في خراب الجدران ودماء الأبرياء.
​

تتواتر الأدلة الميدانية لتؤكد أن موجة الهستيريا الحالية عارية تماماً من أي هدفٍ عسكري؛ إذ جرى -بشكل واضح ومتعمد- توجيه جحيم القصف نحو المنازل والمدارس والأسواق والأعيان المختلفة، في دهسٍ صريح للقانون الدولي الإنساني، وقبل ذلك اعتداء صارخ على القيم الإسلامية والأخلاقية التي تُحرّم استهداف غير المقاتلين. إنه الاستعراض الدموي ذاته الذي يُعرّي السلوك العدواني للنظام السعودي ضد أبناء اليمن.

​قتل المدنيين لا يستر عورة الفشل
​هذا التخبط، والسفر المجنون بالقنابل والصواريخ من محافظة إلى أخرى، لا يعكس إلا إصراراً عقيمًا على ذات الاستراتيجية القائمة على الإسراف في السفك والخراب. وبالرجوع إلى خلاصات التقييمات والدراسات الدولية لأداء الرياض في هذه الحرب، يتضح جلياً أنها تقف في منطقة انكشافٍ تامة؛ حيث أثبتت التطورات عجزها الميداني المطلق عن إحداث أي فارقٍ استراتيجي، أو عن أن تلوي يد المعركة، ليكون البطش بالأبرياء مجرد “بديلٍ تعويضي” لإخفاء حالة الانهزام التي تخنق النظام السعودي.
​

لقد بلغت الاعتداءات مؤخراً أوج تصعيدها، حتى بات المراقبون يقرؤون هذا الإمعان الفارغ في القتل دون أي مكسب عسكري كحالةٍ من العجز الشديد عن ابتكار أي سيناريو جديد لمشهد العدوان، وفراراً من الإقرار بالواقع، وحقيقة سقوط الهالة الزائفة للنظام الذي طالما قدّم نفسه كأعتى قوة إقليمية باستعراض ترسانته المهولة الحديثة. ​غير أن غبار الصواريخ لن يستر عورة الفشل، وركام البيوت المهدومة لن يصنع نصراً لجيشٍ يستعيض عن القهر الميداني بدماء الأطفال والنساء؛ فإرادة الشعوب لا تُدفن تحت الأنقاض، وأكلاف هذا الطغيان حتماً تتراكم لتصل إلى استحقاقها المحتوم.

​تخبط الحسابات وانكشاف الخيارات
​ووفق المعطيات الميدانية، فإن ما تراكمه السعودية ليس سوى الخيبات واستنزاف القدرات، ناهيك عن الكلفة الإنسانية الباهظة من دماء الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء.

تسابق الرياض الزمن اليوم في وضع شائك؛ إذ إن الحصار والضغط الميداني على ملاحتها البحرية، وحالة النزيف المتواصل الذي طال شريانها الاقتصادي “أرامكو” بفضل الضربات المباشرة بالصواريخ والمسيرات اليمنية، باتا يهددان بانحدار حاد لاقتصادها وبتقويض مظاهر الرفاهية المفرطة التي طالما تباهت بها.
​

تحاول الرياض العودة بالزمن إلى ما قبل مراحل خفض التصعيد، حين كانت تنعم بحالة من الزهو، وتتلقى الدعم والغطاء الدوليين كلما صعدت من حدة ضرباتها على اليمن.

واليوم، وهي تواجه مأزقها بمفردها، تسعى عبر ترسانة السلاح الأمريكي والغربي إلى إعادة فرض “معادلة الردع” بالقوة المفرطة؛ وذلك من خلال توسيع نطاق الغارات الجوية، وتكثيف القصف على الأعيان المدنية والبنية التحتية في مختلف المحافظات، وبخاصة في محافظة تعز حيث المخا وباب المندب.
​

غير أن هذا الإصرار على استمرار هذه الوتيرة والمنهجية للعدوان والحصار لم يعد يمنح أي مكاسب ميدانية أو سياسية، بقدر ما يُعمّق من فشل السعودية الاستراتيجي أمام صمود الشعب اليمني وقدراته العسكرية المتصاعدة. ​والرهان على تكثيف الغارات واستهداف المدنيين لن يعيد رسم قواعد الميدان لصالح السعودية، وإنما سيواجَه بتوجه يمني أشد لبناء معادلات ردع جديدة كفيلة بإفشال كل مخططات العدوان، وإجبار قيادته على الإذعان لمطالب الشعب اليمني الوطنية المشروعة.

​شمولية الاستهداف وعجز الميدان
​شملت خريطة الاستهداف محافظات صعدة، والحديدة، ومأرب، والجوف، وحجة، وصنعاء، وأمانة العاصمة، وعمران، وتعز. وهذا الشمول الجغرافي الممتد من أقصى الشمال إلى الساحل الغربي والوسط يثبت أن الحملة الجوية السعودية -كعادتها- تعجز عن إدراك خطوط التماس العسكرية أو جبهات المواجهة المباشرة، فتذهب إلى قتل النساء والأطفال والمدنيين العزل. ويمتد مظهر العجز ليطال المرافق الخدمية، والتجمعات السكنية، وشبكات وأبراج الاتصالات، والأنشطة الاقتصادية ومصادر أرزاق المواطنين، ضمن نمط سلوكي وممنهج اتبعته منذ مارس 2015م، ويهدف إلى مضاعفة المعاناة الإنسانية وإحداث شلل تام في مقومات الحياة اليومية للشعب اليمني.
​

وفي هذا السياق الميداني، جاءت جرائمها الأخيرة في محافظة تعز امتداداً مباشرا لسلسلة متواصلة من الاعتداءات التي سبق وطالت بقية المحافظات الحرة. ففي تعز، شن طيران العدو السعودي قصفاً جوياً مباشراً على سوق “مفرق ماوية” التجاري المكتظ بالمدنيين والتجار والمرتادين. ولأن الهدف كان مدنياً خالصاً، فإن الغاية من استهدافه لم تكن إلا إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، وإرهاب مرتادي الأسواق والأعيان المدنية، وتدمير مصادر عيشهم.
​

نتج عن ذلك مجزرة مروعة راح ضحيتها 50 مواطناً بين شهيد وجريح (7 شهداء وأكثر من 40 جريحاً)، وهو ما مثّل اعتداءً صارخاً على شريان اقتصادي حيوي يعتمد عليه آلاف المواطنين في معيشتهم اليومية، سواء بالتجارة أو التسوق.
​

وما هي إلا ساعات حتى عاود الطيران السعودي استهداف المنازل السكنية في مديرية “المعافر” بالمحافظة ذاتها؛ فشن غارة على منزلِ مدنيٍّ آمن أسفرت عن استشهاد ثلاث نساء ورجل مسن وإصابة ثلاثة آخرين. وتزامن ذلك مع معاودة استهداف مدرسة “الروضة” بمنطقة الربيعي بمديرية التعزية للمرة الثالثة، ما أدى إلى تدمير ما تبقى من بنيتها التحتية بالكامل بعد أن كانت قد تعرضت لقصف جزئي سابقاً.
​

وإلى ذلك، طالت غارات العدو محافظة عمران، وأسفرت عن إصابة ثلاثة مواطنين بجروح مختلفة، إلى جانب سلسلة الضربات المكثفة المستمرة منذ الثالث من سبتمبر الجاري التي طالت شبكات الاتصالات والمرافق الخدمية في صعدة وحجة والحديدة ومأرب والجوف.

​منهجية التدمير والتواطؤ الدولي
​إن هذا التكرار المتعمد في قصف الأعيان المدنية والأسواق المكتظة والمنازل والمنشآت التي تعرضت للتدمير سابقاً ينفي تماماً فرضية الأخطاء التقنية أو الحوادث العرضية. وتؤكد التقييمات الصادرة عن الهيئات الحقوقية والجهات الرسمية (كوزارتي التربية والتعليم والاقتصاد والصناعة، ومركز عين الإنسانية، ومنظمة انتصاف لحقوق المرأة والطفل) وجود سياسة استهداف ممنهجة ومحسوبة تهدف إلى تدمير قطاع التعليم، وشلّ الحركة الاقتصادية، وتجريف وسائل العيش الكريم.
​

تكشف البيانات الرسمية لوزارة التربية والتعليم والبحث العلمي أن العدوان استهدف طوال اثني عشر عاماً أكثر من 2775 منشأة تربوية وتعليمية، مع ملاحظة كثافة تصاعدية غير مسبوقة منذ مطلع سبتمبر في استهداف المدارس والجامعات وشبكات الاتصالات والأسواق الشعبية.
​

الإدانات الرسمية والحقوقية حمّلت السعودية المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة عن هذه الجرائم وما نتج عنها من قتل وتدمير للممتلكات، كما انتقدت بشدةٍ الصمتَ المطبق من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي، والذي اعتبرته بمثابة غطاء سياسي وضمني وشراكة غير مباشرة تشجع المعتدي على مواصلة انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف الأربع، والمواثيق الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية خلال النزاعات المسلحة.

​اعترافات غربية بالمأزق التكتيكي
​مع ذلك، لا يبدو بالأمر الصعب ملاحظة القناعة السعودية بالمأزق التكتيكي الذي تواجهه في إدارة المواجهة الميدانية، وهو ما عكسته بوضوح تقييمات العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي “لورنس ويلكرسون”، الذي كشف -بناءً على خبرته المباشرة في تدريب عناصر من الجيشين السعودي واليمني سابقاً- أن سنوات التسليح الأمريكي المكثف للسعودية واعتمادها على مقاتلات F-15، وذخائر الهجوم المباشر المشترك، والدعم الاستخباراتي وأشكالاً أخرى من المساندة العسكرية، والإنفاق العسكري الهائل، لم تمنح الرياض القدرة على حسم المواجهة أو كسر القوة العسكرية للقوات اليمنية.

وأوضح “ويلكرسون” أن المقاتل اليمني ينحدر من بيئة ذات صلابة وتماسك اجتماعي ومعنويات مرتفعة، ويتمتع بذكاء عسكري وتكتيكي ميداني، وتفكير استراتيجي يتجاوز كافة التوقعات، ما يجعل أي مواجهة برية مباشرة معهم خياراً كارثياً ومستحيلاً للجيش السعودي الذي سيتم افتراسه ميدانياً، حسب تعبير الضابط الأمريكي. ​وأكد “ويلكرسون” أن قرار محمد بن سلمان بدخول هذه الحرب كان خطأً استراتيجياً كبيراً، مشيراً إلى أن مأزق السعودية لم يعد محصوراً في العجز عن تحقيق الحسم العسكري، بل بات يهدد -مستقبلاً- استقرارَ السعودية ونظامها نفسه، واضعاً احتمالات بقائها بصورتها الحالية عند نسبة 50٪، ومؤكداً أن بقاء الرياض بات مرهوناً بالحصول على إسناد وحماية خارجية دائمين من قوة عسكرية دولية أمام صعود القوة العسكرية الدفاعية والهجومية لليمن ونقلها تأثير المواجهة إلى العمق السعودي نفسه.

​معادلة الردع وتراكم الاستحقاقات
​تتقاطع هذه الشهادة والتقييمات الغربية مع الرؤية السيادية والعسكرية الشاملة التي قدمها نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن الفريق الركن جلال الرويشان، والذي أكد أن اليمن يخوض منذ اثني عشر عاماً معركة دفاع مشروع عن النفس في مواجهة عدوان خارجي وحصار شامل، موضحاً أن الدور السعودي في هذه الحرب هو دور وظيفي يخدم بدرجة رئيسية الأجندات الغربية والصهيونية في المنطقة. كما أكد الرويشان أن الواقع الميداني يؤكد أمن وسلامة حركة السفن التجارية والمرور الملاحي عبر باب المندب والبحر الأحمر لكافة دول العالم، مفنداً الرواية السعودية التي تحاول تصوير اليمن كتهديد للملاحة الدولية بغرض تحريض القوى الدولية واستدعاء التدخلات العسكرية الأجنبية.
​

وتتكامل هذه المعطيات الميدانية والسياسية لتؤكد أن توسيع رقعة الغارات الجوية السعودية، واستهداف الأعيان المدنية في صعدة والحديدة ومأرب والجوف وحجة وعمران وصنعاء، وتكثيف الجرائم في تعز، لن يحقق للرياض أي حسم ميداني أو مكسب سياسي، بقدر ما يضاعف من فاتورة السداد، ويمنح الشعب اليمني وقيادته وجيشه الغطاء القانوني والشرعي الكامل لممارسة حقهم المشروع في الدفاع عن النفس والرد الصارم في العمق الجغرافي والاقتصادي للسعودية.
​

ولا شك أن هذه المعادلة الميدانية تضع النظام السعودي مرة أخرى أمام ضرورة إعادة حساب كلفة التصعيد وتأثيره المباشر على أمنه الداخلي واستقراره الاقتصادي والتنموي، وعلى مشاريعه الاستثمارية المدرجة ضمن رؤية 2030؛ إذ تظل خيارات الاستمرار في العدوان والحصار مجرد استنزاف لمستقبل الرياض ومكانتها الإقليمية، بينما يبسط الواقع الميداني الجديد حقيقة تظل ثابتة، تؤكد أن المخرج الوحيد والمتوازن يكمن في إنهاء العدوان بشكل كامل، ورفع الحصار الشامل، والاستجابة للاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية، والتعامل مع اليمن كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها أو استتباعها.