عقيدة “التكفير” السعودية.. من “شرك” التأسيس إلى التآمر على الأمة وتكفير “اليمنيين”
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
27 سبتمبر 2026مـ – 16 ربيع الثاني 1448هـ
تتزاحم خيبات الأمة ونكباتها منذ أن تحول الحسام إلى خشب، وغدا المحراب صامتاً يرقب أهوال المذابح تحت ذريعة “طاعة ولي الأمر”، بينما الأرض العربية المسلمة تحترق بمن عليها بسعير مستعمر أو مغتصب دموي. وحيث لا يمكن قراءة التوظيف السياسي السعودي الراهن للدين بمعزل عن جذوره البنيوية العميقة؛ إذ يتماهى مسار الدعم والتطبيع الخفي مع المشروع الاستعماري الصهيوني، مع مسار داخلي يجسده سقوط أقنعة “أساطين الفتوى” وعُلماء البلاط، ممن ملأوا الدنيا ضجيجاً بفروع الفقه وحواشي الطهارة، فلما قرعت طبول الحرب الحقيقية وكشفت حرب الإبادة في غزة عن وجهها، طأطأوا الرؤوس واختبأوا خلف جدران الصمت، ليخرجوا بالعجيب من الفتاوى التي تزيد الواقع مرارة على مرارة الخضوع باسم الدين.
النموذج السعودي الذي لم يكتف بالتآمر والعمالة للعدو الصهيوني اللدود، نجده مستميت في ضرب ركائز ومصادر قوة الأمة، أكثر فأكثر، وللمفارقة أن هذه المملكة المارقة على الدين بالتخفي تارة والجهر تارة بالارتباط والتعاون مع العدو الإسرائيلي في حين كانت غزة تباد على مرأى العالم، لم تكتف بمحاولاتها التصدي لصواريخ ومسيرات اليمن المتجهة نحو كيان العدو، بل كانت الشريان الذي يزود الصهيوني بوقود الطائرات وتموين المحطات بمشتقات النفط. مع ذلك، يخرج اليوم مدعيًا_ وقد أصبح مسخرة للعالم بهذا القول _أن اليمن يستهدف مكة، ثم يجير الحدث لإصدار فتاوى لتكفير اليمنيين وكل من يسير في ركاب أنصار الله، والسعي لإعلان حرب باسم الإسلام والكفر. غير أن هذا الأسلوب الذي خبره العالم العربي والإسلامي عن آل سعود ومساعي توظيف الدين السياسي لصالح العروش، لم يكن بالأمر الجديد، فهذا النظام منذ ولادته وما قبل ذلك صعد إلى الحكم باسم الدين وتكفير الأمة وإخراج المعارضين إلى دائرة “الشرك والكفر”.
وتتبع مسار الدولة السعودية منذ نشأتها الأولى وحتى اليوم يكشف عن حقيقة دامغة؛ وهي أن “الفتوى” لم تكن سوى غطاء سياسي يُشرعن سفك دماء المخالفين، وتُستباح تحت نصوصه دماء عرب ومسلمين كلما تطلب مشروع العرش والهيمنة ذلك. ولئن كان الصمت المخزي حيال محارق غزة وفلسطين ولبنان واليمن هو العنوان الأبرز لعلماء البلاط السعودي والمرتبط بالنهج السعودي في العصر الحديث، فإن السجل التاريخي يضج بمحطات استباحة كبرى تمت باسم الدين وبتشريع من المؤسسة الدينية الرسمية لآل سعود حيث عصب المال الذي يشري ضعاف النفوس وبائعي الفتاوي المعلبة.
التأسيس الدموي ومجازر الحجاز ونجد والجزيرة
بالنظر إلى الكيانات السياسية المتعاقبة لآل سعود فهي لم تقم على تسوية سلمية أو عقد اجتماعي توافقي، إنما انبنت على عقيدة إقصائية متطرفة وظفت التأويلات الدينية الضيقة لتكفير الخصوم وإباحة دمائهم وأموالهم. ويعد تجنيد ما عرف تاريخياً بـ (جماعة إخوان من أطاع الله) في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، الذراع الدموية الأبرز التي استخدمها عبد العزيز آل سعود لفرض سيطرته باسم الدين.
وتتضح جلياً خطوط الدم والتوظيف العقائدي في تاريخ الدولة السعودية عبر محطات التأسيس المتعاقبة، حيث تحولت النصوص الدينية إلى أغطية سياسية لإباحة دماء المخالفين والمعارضين والمنافسين وإخضاع المجتمعات بالقوة المسلحة الممنهجة، في مسار ممتد لا يقتصر على المحطات الكبرى فحسب، بل يتسع ليشمل تفاصيل يومية وشبكة واسعة من الغزوات والحروب التي غلفتها أدبيات “التكفير والشرك والردة” منذ نشأة الكيان السعودي الأول وحتى اليوم.
فمع انطلاق المشروع السياسي والعقائدي للتحالف الوهابي-السعودي، صُيّرت المخالفة الفكرية أو رفض الدخول في طاعة الدرعية “كفراً” يبيح الدم والمال، وتحولت أي قرية ترفض دفع الضرائب أو تمتنع عن إرسال الإتاوات إلى هدف متاح تصنفه أدبيات آل سعود تحت باب “الردة أو الامتناع عن إقامة أركان الإسلام” لتُغزا ويُستباح مالها ومنقولاتها. وخلال حملات إخضاع بلدات نجد الوسطى في سبعينيات القرن الثامن عشر الميلادي، تعرضت بلدات مثل حريملاء وعُيينة لحصار قاسي وغزوات مسلحة أفرزت عمليات قتل ونهب واسعة النطاق بحق الرافضين للبيعة.
ولم تتوقف تلك الحملات، بل امتدت لتطال حوطة بني تميم والمنطقة الجنوبية لنجد بين عامي 1785 و1800م، حيث قادت قوات الدرعية حملات دموية انتقامية هدمت البيوت وجرفت المزارع لفرض طاعة مطلقة بحد السيف، مترافقة مع تفاصيل يومية من غزوات إخضاع مرزح وعقوبات البلدات النائية، وحروب عمان وحضرموت والأطراف الشرقية التي قوبلت بمقاومة عنيفة ووُصفت دينياً بأنها “حرب ضد الطرق المخالفة للعقيدة الصحيحة”، فضلاً عن غزوات القبائل البدوية الصغيرة مثل عتيبة ومطير وسبيع التي تعرضت لعشرات الغارات السريعة والمغازي في مساعي إخضاعها وتدجينها.
في الأحساء والشرقية وعندما كانت توجه الحملات نحو الأحساء التي كانت ذات غالبية شيعية تاريخياً وتابعة لإمارة بني خالد، كان الخطاب العقدي يوظف لاعتبار ممارساتهم العقدية موجبة للقتال، وكانت السيطرة عليها تمثل مكسباً استراتيجياً واقتصادياً هائلاً فهناك يمكن التحكم بالواحات والموانئ.
بينما كان إخضاع الحجاز (مكة والمدينة والطائف) يُصور كـ “تطهير للحرمين الشريفين من الأوثان والقباب”، حيث اعتبروا أن الأشراف والعثمانيين سمحوا بانتشار الشرك والبدع حول الكعبة وفي البقيع والمعلى، مما يوجب شرعاً غزوها وإزاحة حكامها.
وبهذه الآلية صيغت الشرعية الدينية المطلقة (محاربة الشرك، تكفير الممتنع، تطهير الأرض) لتكون الغطاء والمحرك المعنوي لاستباحة الأرض والمال والنفس المسلمة، وكانت النتيجة الفعلية على الأرض هي الضم السياسي، والسيطرة الاقتصادية على الموارد وطرق التجارة، وتوسيع رقعة دولة آل سعود لتشمل معظم شبه الجزيرة العربية باسم الدين.
حروب الإخضاع في الدولة السعودية الثانية
رغم انحسار الدولة مقارنة بمرحلتها الأولى، شهدت فترة الصراع على زعامة نجد بين أمراء الرياض وآل مهنا وآل رشيد (1862 – 1891م) حروباً أهلية طاحنة حولت المنطقة إلى ساحة نزف. استُخدمت فتاوى “الخروج عن الطاعة” لتكفير وتجريم أهالي القصيم وزعاماتهم كلما رفضوا دفع الضرائب أو عارضوا هيمنة الرياض، ونتج عن ذلك مقتل الآلاف وتخريب القرى ونهب المحاصيل، وصولاً إلى معركة المليداء الفاصلة عام 1891م التي شهدت حمام دم كبيراً حسم الصراع لصالح حائل وآل رشيد مؤقتاً.
“الإخوان” ومجازر التأسيس للدولة الثالثة
مع انطلاق الدولة الثالثة، استخدم عبد العزيز آل سعود ميليشيات جيش الإخوان (إخوان من أطاع الله) كرأس حربة دموي لإخضاع الجزيرة العربية. وكان من أكثر المجازر المروعة التي ارتكبتها تلك القوات باسم قتال “المشركين” هي مجزرة مسجد ابن عباس في أغسطس 1924م، حين اجتاحت تلك الميليشيات مدينة الطائف الحجازية في مذبحة مروعة طالت الناس في الشوارع والبيوت، والأفظع كان اقتحام مسجد ابن عباس التاريخي حيث ذُبح المصلون والعلماء والنساء والأطفال وهم ركع سجود تحت مزاعم “تطهير الحجاز من الشرك”. وتلتها مجازر الحجاز وحصار مكة والمدينة وجدة (1924 – 1925م) الذي تسبب في مجاعات واسعة وإعدام المخالفين وتدمير مقامات إسلامية وتاريخية في مقبرة البقيع ومكة بحجة محاربة البدع.
وقبل ذلك، ارتكبت قوات الإخوان مذبحة بشعة عام 1923م بحق قافلة الحجاج اليمنيين العزل في “تنومة” بعسير قُتل فيها ما يزيد عن ثلاثة آلاف حاج تحت غطاء فتاوى “التكفير”، فضلاً عن مذبحة قرية تُنيب وأم العمد في الأردن حين أعملت ميليشيات عبدالعزيز السيف في رقاب السكان الآمنين ونهبت أموالهم بحجة أنهم “كفار”.
وحين استكمل عبد العزيز سيطرته واكتسب الاعتراف البريطاني واصطدم بحلفائه القدامى “إخوان من أطاع الله” الذين رفضوا توقف الغزوات، أباد آلافاً منهم في معركة السبلة في العام 1929م باستخدام السلاح الحديث، في دليل صارخ على أن “فتوى التكفير” سُخّرت حصراً وفق المصلحة السياسية لمملكة آل سعود، وتاريخ هذه الدولة منذ بدايته مليء بالأحداث الدامية المرتبطة بفتاوى “الشرك والتكفير”.
الاستباحة الإقليمية والحروب المعاصرة
ولم تكن هذه السياسة مجرد ردود أفعال لحظية، بل شكلت جوهر ديمومة الحكم واستراتيجيته العابرة للحدود؛ وهو ما شخصته الأكاديمية والمفكرة السعودية الدكتورة مضاوي الرشيد في مقال لها نشر قبل قرابة عقدين، ورأت فيه أن ديمومة النظام السعودي اعتمدت على عاملين مهمين: أولاً الدعم الخارجي، وثانياً سوط التكفير الذي يضربون به معارضيهم ويخرسون به منتقديهم. وأضافت ” كلهم أي “علماء البلاط” يشجع (الجهاد) خارج الحدود ويدينه إن هو اقترب من صحاري الجزيرة، كلهم يكفر حكام العرب ويعدد زلاتهم وهي نفس زلات ولي أمرهم … لكنه (أي التكفير) كالمهاجر الذي لا بد أن يعود إلى وطنه ولو بعد حين”.
هذا التوصيف المبكر لـ “التكفير” السعودي للأمة حسب الكاتبة في مقال طويل يكشف كيف استخدمت الرياض “شماعة التكفير” والوصم بالشرك والابتداع كذريعة لمواجهة خصومها السياسيين عبر عقود طويلة؛ بدءاً من تكفير العثمانيين ورجالاهم لشرعنة الانفصال والتأسيس وتبرير التحالف مع البريطانيين، مروراً بتهيئة الآلة الدينية لتكفير وتخوين المشروع القومي العربي بقيادة عبد الناصر في الستينيات ووصمه بـ “الإلحاد والاشتراكية الكافرة”. وقد شهد هذ العقد من القرن العشرين ضخ مليارات الدولارات وتوظيف آلة الإفتاء لدعم الفصائل الملكية وغيرهم ضد النظام الجمهوري التقدمي الوليد في اليمن ووأد مشروعه التحرري باعتبار أنه مشروع يتبع عبدالناصر والقومية الكافرة. وفي الثمانينيات والتسعينيات، تولت الرياض تمويل وتجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين المتطرفين تحت غطاء “الجهاد المقدس” (أفغان العرب)، وهو المشروع الذي أنتج التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش وهي نفسها التي عادت لتكفر الأمة_ وأغرق العالم الإسلامي بالدماء. كذلك الشيطنة الدينية والتكفيرية لـ صدام حسين إبان حرب الخليج لشرعنة استدعاء القوات الأمريكية إلى أرض الجزيرة.
وامتد هذا السجل الدموي إلى المشهد اليوم؛ حيث تجدد ذات النهج عام 2011م وما بعده عبر ضخ مليارات الدولارات وتسليح المجموعات التكفيرية تحت غطاء “طائفي” في العراق وسوريا وليبيا واليمن لإبادة الشعوب وتدمير عواصم الدول وأركانها.
وبلغ السجل ذروته في العدوان الغاشم والحصار الشامل على اليمن منذ العام 2015م، وصولاً إلى فتاوى تكفير اليمنيين وعلى رأسهم “أنصار الله”، في ظل كل العبث السعودي الذي انتج القتل والفوضى، حيث كان التواطؤ السياسي السعودي والدعم المالي المخزي لحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة مؤشرًا على الدور الوظيفي التخريبي العبثي في المنطقة العربية والإسلامية، وقد كان يعني مجرم الحرب ترامب ما يقوله من أنه “لولا السعودية لما بقيت إسرائيل”، وقد رأى العالم بأسره كيف ظهرت خيانة الحاكم السعودي لفلسطين كما هي للأمة في أوضح صورها، في وقتٍ كانت تُهدر ثروات الأمة على حفلات المجون والصخب ومعها تُسل فتاوى البلاط لتجريم المقاومة في حماس والزج بعناصرها في السجون، وتكفير مناصريهم في اليمن بفتاوى جريئة غاية في الوقاحة.
استقراء جزء من سجل ممتد من الدم والفتوى المؤدلجة يكشف بوضوح أن المشروع السعودي، منذ نشأته الأولى على دماء المسلمين وتحت راية “التكفير”، لم يكن سوى أداة وظيفية في مشهد الهيمنة الإقليمية والدولية. وكما أسست الدولة حقيقتها التاريخية على دماء الأبرياء واستباحة المدن تحت تلك اللافتة، ها هي اليوم تحاول تفعيل هذا النهج بامتياز في خيانة قضايا الأمة الكبرى، متواطئة في إبادة غزة، واستمرار حصار وقتل اليمنيين. غير أن الأمر لم يعد كما تشتهيه، فهناك متغيرات كثيرة أصبحت ضمن واقع اليوم، وليس بمقدور مملكة الطيش القفز عليها.
وعقيدة “التكفير” التي طالما اتخذها آل سعود سوطاً لكسر معارضيهم وخصومهم داخل البلاد وخارجها، كانت قد ارتدت عليهم قبل وسترتد عليهم اليوم، فسنن التاريخ لا تفوتها حكمة انقلاب السحر على الساحر؛ وسيجد هذا الوباء طريقه سريعًا عبر تصدعات الداخل السعودي وشقوق التفسخ والانحلال المتسارع الذي صنعه بن سلمان والذي يعصف بالبنيان السعودي، مؤذناً ببداية فصل النهاية لعروش قامت على استباحة الأمة باسم الدين.
