كيف تُوظف السعودية مكّة المكرّمة في خدمة أجنداتها السياسية والاقتصادية؟

3

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

27 سبتمبر 2026مـ – 16 ربيع الثاني 1448هـ

منذ سيطرة عصابات عبد العزيز آل سعود على مكة المكرمة عام 1925م عسكريًا، أدركت الدولة السعودية الناشئة أن إحكام القبضة على أقدس بقاع الإسلام يمثل ركيزة الوجود والشرعية، ولم تكن تلك الخطوة مجرد توسع جغرافي، إنما كانت التأسيس الحقيقي لخطاب سياسي وديني تكفيري يبني مشروعيه بني سعود على حماية الدين ورعاية المشاعر المقدسة وقيادة العالم الإسلامي، ضمن دولة جديدة، حتى أن ثلاثة من ملوكها حملوا لقب خادم الحرمين الشريفين بدل صاحب الجلالة.

وفي عام 1986م، حوّل الملك فهد بن عبد العزيز المسمى الرسمي للملك من “صاحب الجلالة” إلى “خادم الحرمين الشريفين”؛ وذلك خلال حقبة رعاية الجهاد مع الحلفاء الأمريكيين لمحاربة الشيوعية، وهذا كان من الضروري أن يمثل الملك السعودي آنذاك رمزًا دينيًا في ظل رعاية الصحوة الإسلامية، كما سمها حينها.

وهو اللقب الذي حمله لاحقاً الملك عبد الله ثم الملك سلمان، ورغم المحمول الروحي للقب، إلا أن النظام السعودي جعله غلافاً دبلوماسياً وسياسياً لممارسة النفوذ والدعاية السياسية، وقام بتعطيل جوهر الفريضة واستغلالها لمصالحها الخاصة.

الاستغلال السياسي لمكة

السياسة في مكة ممنوعة، كما نعلم، على عموم المسلمين، لكنها حلال على الملوك وآل سعود، حيث يُعلن النظام السعودي مع كل موسم حج منع الشعارات السياسية أو استغلال المشاعر لأغراض أيديولوجية، غير أن الواقع الميداني والدبلوماسي يكشف خلاف ذلك؛ ففي مايو من العام 2019م شهدت مكة المكرمة ثلاثة مؤتمرات سياسية كبيرة، أو قمم متتالية خليجية، عربية، وإسلامية، توجت بحشد المواقف ضد إيران، وكذلك توظيفاً صريحاً للرمزية الروحية لمكة في الصراعات الجيوسياسية لتأكيد الزعامة السعودية على العالم الإسلامي، بمعنى، نحن أصحاب الزعامة الإسلامية ولدينا مكة، وليست إيران الشيعية، وليست تركيا ولا اندونيسيا ولا ماليزيا، هؤلاء ليس لديهم مكة.

بالإضافة إلى ذلك فإن النظام السعودي يقوم بتوظيف منابر الحرم، حيث تحول منبر المسجد الحرام والمسجد النبوي إلى منصة لتمرير الخطاب التكفيري الرسمي للدولة، وإسباغ المشروعية الدينية على القرارات السياسية الداخلية والخارجية، وكيل الثناء لولاة الأمر أمام أكبر تجمع للمسلمين في العالم، والتسويق لبرامج التحديث والاقتصاد، وكذلك الاستعطاف والتكفير والكذب على الشعوب الإسلامية، وهو ما حدث مؤخرًا من قبل النظام السعودي الذي صدر كذبة العصر بحق الشعب اليمني، وذلك بهدف الوقوف معها والالتفاف حول ولاة أمرها وعلمائها التكفيرين.

وأذن في الناس بالسياحة

سياحة الحج والعمرة عبادة، هكذا وصف علماء الدفع المسبق التكفيريين في السعودية شعائر العمرة والحج، وأطلقوا مصطلح السياحة الدينية، والذي ورد في رؤية 2030، لولي العهد بن سلمان، بدلا من الشعيرة الكبرى والمقدسات الإسلامية؛ فهذه التسمية تطابق هواء علمانيًا عند الرجل، وهوسًا رأسماليًا عند السعودية، وذلك لأن الحج والعمرة يمثلان ثالث أكبر رافد اقتصادي للخزينة السعودية بعد النفط والبتروكيماويات؟

وتستقبل مكة المكرمة أكثر من 18.5 مليون مسلم ما بين حاج ومعتمر، وسط تزايد مستمر في الأعداد تماشياً مع رؤية السعودية 2030 التي تستهدف الوصول إلى 30 مليون معتمر سنويًا، وتقدر عائدات السعودية الإجمالية من موسمي الحج والعمرة بنحو 40 مليار دولار سنوياً ،ما يعادل قرابة 150 مليار ريال سعودي، ماذا لو رفعنا هذا العدد إلى ثلاثين مليونا في رؤية عام 2030م؛ فإن السعودية ستجني أكثر من 150 مليار دولار سنوياً ، ما يعادل نحو 562.5 مليار ريال سعودي، وهنا لم نحتسب تأشيرة الحج والعمرة التي تصل حسب الدول والبرامج أكثر من 3,000 دولار للشخص الواحد تقريبًا.

الحج والعمرة يدران الأموال

الأموال التي تجنيها السعودية من فريضة الحج والعمرة، وفق اقتصاديون لا تكفي لتغطية أزمة تراجع النفط في الموازنة العامة، أو توقف إيرادات وصادرات النفط ومشتقاته بسبب الحصار اليمني، ولهذا فأنه وعلى بعد أقل من مئة كيلومتر عن مكة، يترافق موسم حج 2027م مع موسم جدة الترفيهي أي ترفيه وحج، وهذا ضمن “رؤية 2030″، التي تستهدف الوفود الحجاج تحت شعار زوارنا للسياحة الدينية، ويعني وقت الموسم مناسب جدا لاستهداف الحجاج والمعتمرين وفق تصريحات سعودية، مصحوباً بارتفاع كبير في رسوم التأشيرات والخدمات اللوجستية مقارنة بالسنوات الماضية؛ إذ يجري التسويق لزيارة المملكة عبر تأشيرات سياحية وإلكترونية سريعة تسمح بحضور الفعاليات الفنية والتجول، بالتوازي مع تعقيد وتكلفة التأشيرات المخصصة للحج المنظم.

تعتبر جدة بوابة الحج إلى مكة، ومنها تنطلق مواكب الحجاج، وهنا ستجد مطار الملك عبد العزيز، الذي تم إنشاء فيه الصالة “رقم 1” الجديدة والتي رفعت الطاقة الاستيعابية للمطار في مرحلتها الأولى إلى 30 مليون مسافر سنوياً، وتستهدف خطط التطوير المستمرة والتوجهات المستقبلية السعودية لجعل موسم جدة الترفيهي ضمن مواسم الدينية، الذي يعد جزءًا من خطة ولي العهد السعودي لتحويل ساحل البحر الأحمر إلى منطقة خدمات سياحية وتجارية؛ فالسعودية ماضية في رؤية بن سلمان التجديدية ونظرته الصهيونية التحديثية للدين.

تسييس فريضة الحج

وتعتبر السياسات السعودية بحق الشعائر الدينة وبناء مجسم للكعبة وتعتليه الراقصات استفزاز لمشاعر أكثر من ملياري مسلم، لأن الكعبة قبلتهم ومحل مناسكهم، ومهد رسالتهم، ومهوا أفئدتهم؛ ومع كل موسم حج، تطلب السعودية من الحجاج عدم تسييسه أو استغلاله، لكن ماذا عن تسهيل الحج للأنظمة المقربة من أمريكا والصهاينة، وماذا عن منع الحج عن مجتمعات مسلمة بأكملها تنفيذًا لأجندات سياسية غربية، منها اليمنيون والإيرانيون والفلسطينيون السوريون المقيمون في لبنان، والفلسطينيون الحاملون للجواز الأردني؟

كما تمنع السعودية خصومها السياسيين من الحج، والمناهضين والمقاومين للمشروع الصهيوني في المنطقة، إضافةً إلى إدراج أسماء شخصيات ورموز إسلامية وسياسية على قوائم المنع من دخول المقدسات، ولا تكتفي بمنع هؤلاء، بل يخشى أغلب المعارضين للأنظمة السياسية الحليفة للسعودية من زيارة المقدسات الإسلامية، خوفًا على أنفسهم من الاعتقال وتسليمهم للسلطات.

ولنفترض أن أي إنسان غير مطلوب للسلطات السعودية، وأنه غير يمني أو إيراني، وغير منتمي لحزب إسلامي هل ستنتهي كل مشاكلة مع الحج؟ لا، فإعداد تأشيرات الحج المتاحة لكل دولة محدودة، والطلب مأهول عليها، ولكن هناك ما يعرف بتأشيرات المجاملة التي يحصل عليها أشخاص موالون لنظام السعودي، حيث أظهرت التقارير توزيع آلاف التأشيرات الاستثنائية “تأشيرات المجاملة” على برلمانيين، وإعلاميين، وأصحاب مناصب عبر سفارات بلادهم.

في عام 2016م، بلغ عدد تأشيرات المجاملة عشرين ألفًا، رقم يتجاوز الحصة الرسمية لخمس دول عربية مجتمعة، في عام 2019م، أهدت الحكومة السعودية، ألفي تأشيرة حج مجانية للبرلمان المصري، ومئة تأشيرة لنقابة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية المصرية.

وبحسب دبلوماسيين سعوديين لصحيفة الشرق الأوسط، تم منح “تيار المستقبل” اللبناني بزعامة سعد الحريري، خمسة آلاف وخمسمائة تأشيرة، وخمسة وعشرين تأشيرة للقوات اللبنانية، وألف وخمسمائة تأشيرة لبقية التيارات والقوى الدينية والسياسية، أمّا المغرب فتلقى خمسمئة تأشيرة مجاملة لعام 2019م، وفي اليمن، يقوم السفير السعودي بتقديم تأشيرات المجاملة لكسب ولاء شيوخ القبائل والإعلاميين في المناطق الواقعة تحت الاحتلال السعودي.

وإذا لم يحالفك الحظ بتأشيرة المجاملة، فهناك تأشيرة الترفيه والدخول إلى جدة بدلاً عن مكة، والتي ستحصل عليها، في غضون ثلاث دقائق، وذلك لحضور موسمها الترفيهي، شريطة شراء تذكرة حضور لإحدى فعالياتها، بينما الحصول على تأشيرة للحج فهناك صعوبة وتعقيد وإعاقة في الحصول عليها، ويبقى لدينا السوق السوداء، حيث تباع التأشيرة بالدولار، وإذا أردت حجًا بالحد الأدنى، قد تصل هذه التكلفة إلى 7 ألف دولار، و40 ألف دولار، إذا أردت حجًا خمس نجوم.

تغيرات جذّرية لمكة

ومع إطلاق رؤية السعودية 2030م، دخلت مكة المكرمة مرحلة إعادة هيكلة جذّرية شملت مكان بيت السيدة خديجة الذي تحول إلى مراحيض عامة، ومكان بيت أبي بكر الصديق، إلى فندق الهيلتون، ولن تجد قلعة أجياد التاريخية المصنفة في تراث اليونسكو، فمكانها بنيت ساعة مكة العملاقة وأبراج عملاقة، وقصور ملكية وفنادق فاخرة، ولهذا تجد 95% من آثار مكة المقدسة تمت إزالتها تمامًا خلال العقدين الماضيين، حتى البيت الذي ولد فيه نبي الإسلام محمد تحول سوقا للماشية، ثم إلى مكتبة يمنع الدخول إليها، وهو ما يراه مؤرخون طمساً للهوية الإسلامية التاريخية للمكة المكرمة.

أمّا عن حال مكة في موسم الحج، وسكن الحجاج؛ فإن مكة لا تتسع للجميع بسبب النظام البدائي للخيم، ويضطر كثير من الحجاج للسكن خارج حدود مشعر منى، وبدأ العمل مؤخرًا بنظام الخيم الطابقية، في خطوة وصفها البعض بالمتأخرة، أمّا الطعام فلا رقابة عليه، ويضطر الحجاج، وفق مراقبين، لتناول أطعمة بخسة تنتجها شركات غذائية غير معروفة متعاقدة مع شركات الحج والعمرة الطامعة في ربح أعلى، وعلى النقيض، يجد حجاج النجوم الخمس ما لذ وطاب من أصناف الأطعمة.

وتظهر الخارطة التنفيذية للحج تفاوتاً كبيراً بين ما يُعرف بـ “الحج الملكي” أو “حج الخمس نجوم” تتمثل في أبراج فاخرة، مخيمات مكيفة بالكامل، خدمات خصوصية، وطرق تتويج، ومعايير عالية للضيافة، وهذا مخصص لأفراد الأسرة الحاكمة والمقربين من الحكومات وكبار الشخصيات، وكذلك وجود طابق مخصص لرمي الجمرات، لا يشمون رائحة القمامة ولا تلسعهم شمس الحجاز، وبين حجاج الفئات الاقتصادية الذين يفترشون الرصيف ويلتحفون السماء في درجة حرارة تصل لواحد وأربعين درجة مئوية، ويواجهون الظروف القاسية والازدحام المباشر.

كواليس إدارة الحج

في كل عام، تعلن السعودية نجاح موسم الحج، لكن ما المعايير التي تستند لها في التقييم؟ الإجابة لا أحد يعرف روائح النفايات وضعف المواصلات وسوء الخدمات، كلها أمور أصبحت اعتيادية، لكن ماذا عن حوادث الحج التي تتكرر ويذهب ضحيتها المئات كان أشهر هذه الحوادث في عام 2015م، عندما وقع تدافع “مُنى”، الذي راح ضحيته سبعمائة وسبعة عشر حاجًا، بحسب الإحصاء الرسمي، في حين ذكر الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة السعودية، أن العدد وصل لأربعة آلاف ومئة وثلاثة وسبعين، قبل أن يحذف الخبر.

وشُكلت لجنة تحقيق عليا في الحادثة، ولكن بعد مضي أربع سنوات، من الحادثة كانت الأسباب الحقيقية غير معروفة، ورمت السعودية باللائمة على الحجاج الإيرانيين، والسبب أن “حادثة منى” وقعت بعد أسبوعين من حادثة سقوط رافعة الحرم المكي في سبتمبر 2015م، التي أودت بحياة مئة وسبعة أشخاص، وتم اتهام مجموعة بن لادن العقارية قبل أن يتم تبرئتها عام 2017م، ومن ثم إصدار سلسلة من الأحكام المتناقضة وصولاً إلى أحكام نهائية عن المحكمة العليا بالرياض عام 2021م، بإدانة الشركة نفسها وتغريمها وإلزامها بدفع الديات المتوجبة.

ويرى مراقبون أن السعودية تحاول كسب المال بأي طريقة ومن أي مكان، لتدفعها لأمريكا وكيان العدو الصهيوني، مؤكدين أن السعودية تستغل مقدسات المسلمين؛ إذ قديمًا كانت تكسب القليل ماديًا، والكثير سياسيًا، أمّا اليوم فأهم المكاسب مادية حتى لو تحول موسم العبادة الروحي إلى موسم عبادة وترفيه، أو ترفيه وعبادة، الترتيب مهم لغسل الذنوب لا أكثر.

وتبقى أسطورة سياسة النظام السعودي حول الحج، فساد بالمليارات، والمعادلة المنطقية تقول واردات كبرى زائد خدمات ممتازة يساوي معادلة السياحة، إلا أن هناك دخول مليارات مقابل خدمات رديه، وتوظيفاً سياسياً للشرعية الدينية، وتغليباً للطابع المادي والتطوير العمراني الحديث على حساب الروحانية والتراث التاريخي للإسلام.