المسيرات تطارد التحشيدات وتربك جبهات العدو.. القدرات اليمنية تتجاوز التكتيك إلى التأثير الاستراتيجي

1

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

26 سبتمبر 2026مـ – 15 ربيع الثاني 1448هـ

في مشهد ميداني يتسع نطاقه على امتداد الجبهات، تفرض الطائرات المسيرة والصواريخ اليمنية حضورها كأدوات فاعلة في ملاحقة التحشيدات العسكرية واستهداف مواقع التموضع، بما يبدد رهانات العدو على تحصين قواته أو إخفاء تجمعاته عن دائرة الرصد والاستهداف.

وفي واقع جديد تفرضه القوات المسلحة اليمنية، لم يعد التموضع العسكري، سواء في خطوط التماس أو في المناطق الخلفية، بمنأى عن المراقبة والاستهداف، في ظل قدرة متزايدة على الوصول إلى تجمعات متفرقة وعلى مسافات بعيدة، وتحويل محاولات الحشد إلى عبء ميداني على أصحابها، في حين أن تعدد الجبهات، من الساحل الغربي ومأرب وتعز وصولا إلى المناطق الحدودية، تبدو التحشيدات والتحركات العسكرية السعودية أمام رهان فاشل على قدرتها على المناورة والاحتفاظ بمواقعها وخطوط إمدادها.

وتكشف طبيعة العمليات، كما تظهرها المشاهد الميدانية، عن انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدا على العدو، تتداخل فيه عمليات الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات وتحليلها مع سرعة اتخاذ القرار وتنفيذ الضربات، بما يجعل الطائرة المسيرة جزءا من منظومة عملياتية متكاملة، لا مجرد وسيلة لإصابة هدف منفرد.

وفي مقابل ذلك، يبرز البعد الأوسع للمواجهة بوصفه صراعا على القرار والسيادة والثروات اليمنية، في ظل استمرار محاولات الدفع بقوى مرتزقة للقتال في جبهات متعددة، واستدعاء دعم خارجي لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية.

وبينما تتراكم الضربات والعمليات في الميدان، تتصاعد أهمية العامل المعنوي والإعلامي في تفسير ما يجري، في وقت يضع فيه تطور القدرات اليمنية، وما يرافقه من مرونة تكتيكية وقدرة على إدارة عمليات متعددة الجبهات، معادلات جديدة أمام العدو وأدواته وحلفائه.

 

ملاحقة التحشيدات وامتداد الاستهداف إلى العمق:

وفي هذا السياق، يوضحمدير مركز المعلومات بدائرة التوجيه المعنوي العقيد زكريا الشرعبي أن المشاهد التي عرضها الإعلام الحربي ليست سوى عينة مما يحدث في الميدان، مشيرا إلى أن القوات المسلحة اليمنية تراقب التحشيدات خلف النقاط والتجمعات الخلفية، وليس فقط داخل الحدود اليمنية، وإنما أيضا خلف الحدود.

وخلال استضافته على قناة المسيرة، يشير الشرعبي إلى أن القوات المسلحة نفذت عمليات استهداف لتحشيدات عسكرية في صامتة والموسم بجيزان، موضحا أنه بعد تفرق هذه الحشود وتحولها إلى تكتلات صغيرة، تتم ملاحقتها بالطائرات المسيرة، فيما توجد في خطوط التماس جاهزية لكسر هذه التحشيدات وضربها وطردها، كما حدث في مديريات الساحل الغربي.

ويؤكد أن المعادلة القائمة تتمثل في استهداف التحشيدات العسكرية التابعة للعدو السعودي على امتداد الجغرافيا الوطنية، لافتا إلى أن ما يظهر في المشاهد يكشف مستوى دقة التصويب رغم كون العمليات تعتمد على إسقاط حر للقذائف، في ظل عوامل يمكن أن تؤثر في مسارها، بينها سرعة الرياح.

ويقول الشرعبي إن دقة الإصابة تكشف عن احترافية لدى القوات المسلحة اليمنية في استخدام هذا النوع من الطائرات والقذائف، إلى جانب تنويع القذائف بين المضادة للأفراد والمضادة للآليات، مشيرا إلى أن المشاهد المعروضة سابقا وحاليا أظهرت سقوط القذائف بصورة مباشرة أو بدقة عالية على الدبابات، وعلى أهداف عسكرية داخل التجمعات، وعلى الأفراد.

ويضيف أن ثبات موقع الطائرة المسيرة أثناء إلقاء القذائف، كما يبدو من الصور، يشير إلى أن الميدان وزمام المبادرة فيه أصبحا بيد القوات المسلحة اليمنية، لافتاً إلى أن المشاهد التي تظهر تجمعات صغيرة في مناطق سحيقة، سواء في الصحراء أو السهول وغيرها، تحمل رسائل للمرتزقة ولأهاليهم ولكل من يسعى إلى التجنيد أو التحشيد في صفوف العدو.

ويوضح أن الرسالة الأولى تتمثل في أن تجمعات وأماكن المرتزقة أصبحت تحت إحاطة القوات المسلحة اليمنية، وبالتالي ضمن نطاق الاستهداف، سواء كانت قريبة من خطوط التماس أو بعيدة مئات الكيلومترات، موضحا أن ملاحقتها يمكن أن تتم بالطائرات المسيرة أو بالصواريخ الباليستية حتى أثناء وجودها في تجمعات صغيرة أو مناطق التدريب.

ويخاطب الشرعبي الساعين إلى التجنيد بالقول إن عليهم إدراك أن حياتهم غالية، وألا يبيعوها مقابل ثمانية آلاف ريال سعودي أو حتى مقابل ما يملكه آل سعود، داعيا إلى عدم بيع الحياة بثمن رخيص، خصوصا في القتال إلى جانب طرف يستهدف الأرض اليمنية والدين والكرامة والحرية.

 

ويتحدثعن ما يجري في المناطق المحتلة، قائلاً إن معظم هذه التحشيدات تعرف ما يجري فيها، وإن العدو السعودي حاول إيصال البلاد، وخصوصا المناطق المحتلة، إلى وضع لا يجد فيه اليمني وسيلة إلا التجنيد في صفوفه، إلا أن المشاهد تؤكد أن التحشيد والارتزاق في صفوف العدو له ثمن.

ويشدّد الشرعبي على أن ما يدفعه العدو للمرتزق لا يقارن بما يدفعه المرتزق ثمنا لحياته، مشيرا إلى عدم التماسك في صفوف هذه القوات، ومستشهدا بأحد المشاهد التي ظهر فيها أحد العناصر، ويبدو أنه جريح، بينما تركه رفاقه وفروا، رغم أن المكان لم يكن منطقة اشتباك ولم تكن القذائف تتساقط.

ويرى أن هذا المشهد لا يدل فقط على اضطراب المعنويات أو انهيارها وحالة الإرباك والتخبط، بل يكشف غياب الأخوة الإيمانية والإنسانية والعسكرية، متسائلا عن معنى ترك الرفيق الجريح في الميدان والفرار بينما لا توجد حتى قذائف تتساقط.

ويقارن ذلك بمشهد عرضه الإعلام الحربي قبل سنوات لأحد المجاهدين الأبطال وهو ينقذ رفيقه وسط زخات الرصاص والاستهداف المكثف، متسائلا عن الجانب الإيماني وما الذي يجمع هؤلاء سوى الارتزاق، مؤكدا أن هذا المشهد ينبغي أن يصل إلى كل بيت ليعرف الناس عواقب التجند والتحشيد مع العدو السعودي.

وفي سياق متصل،يوضح الشرعبي أن للقوات المسلحة اليمنية سبقا في استخدام الطائرات المسيرة، التي أصبحت توصف بأنها “سلاح العصر”، مشيرا إلى أن هذه الطائرات أضافت مزيدا من المرونة في التكتيك، وقلصت دورة القرار في استهداف التحشيدات المعادية خلف خطوط التماس وتجمعاتها، كما أتاحت الرؤية خلف السواتر والتحصينات التي يتحصن بها العدو.

ويؤكدأنه أمام هذه القدرات لم يعد هناك أمان لأي تموضع للقوات المعادية، مشيرا إلى أن الجانب التكتيكي يخدم الجانب الاستراتيجي.

ويبيّن أن الجانب الاستراتيجي يرتبط بتنظيف الأراضي اليمنية وتطهيرها من التحشيدات، موضحا أن السعودية تقوم بالتمهيد والتهيئة النارية للتحركات العسكرية، في حين تشمل العمليات أيضا صد أي محاولات زحف واستهداف الآليات وخطوط الإمداد التابعة لها.

ويجدّد التأكيد على وجود احترافية عالية في التصويب ودقة الاستهداف بالطائرات المسيرة، معتبرا أن المشهد يعكس مدى الابتكار لدى القوات المسلحة اليمنية رغم الحصار الذي يتعرض له اليمن منذ اثني عشر عاما.

وفي ختام حديثه، ينوّه الشرعبي إلى أن القدرات المستخدمة تمتد من طائرات “رجوم” إلى الصواريخ الفرط صوتية، معتبرا أن ذلك يعكس مستوى عاليا من الابتكار في التصنيع الحربي وفي سياق استخدام هذه القدرات وتوظيفها لخدمة الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في إنهاء العدوان على اليمن ورفع الحصار واستعادة الثروات المنهوبة، مؤكدا أن عمليات طائرات الهجوم ليست منفصلة عن المعادلات الرئيسية التي تعمل عليها القوات المسلحة في هذه المرحلة.

 

“رجوم” وتحويل النتائج التكتيكية إلى إنجازات استراتيجية:

من جانبه، يقول الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد عمر معربوني إن الاستخدام المتواصل لمسيرات “رجوم” بأكثر من نمط أدى دورا كبيرا في استهداف التحشيدات التي كان العدو السعودي ومرتزقته يحشدونها لتنفيذ هجمات على اليمن، إلى جانب استخدامها تكتيكيا لملاحقة الفارين أو المجموعات التي تفرقت وتشتت.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح العميد معربونيأن مسيرات “رجوم” تعمل ضمن نطاق تكتيكي، لكن ناتج ما فعلته كان استراتيجيا، مشيرا إلى أن استهداف الحشود القريبة من خطوط التماس أدى إلى إحباط وإخماد القدرة الهجومية لدى العدو، لتنتقل القوات المسلحة اليمنية من مرحلة إخماد القدرات التشغيلية إلى مرحلة البدء في الهجمات.

ويعتبر أن حجم العملية والنتائج التي تحققت خلال أيام قليلة يتجاوز بعض مفاهيم وقواعد العلوم العسكرية، مشيرا إلى أنه قال أكثر من مرة إن ما فعلته القوات المسلحة اليمنية لو قامت به دولة عظمى لاحتاج إلى سنوات، بينما نفذته القوات المسلحة اليمنية على مدى أربع سنوات ونصف.