ما قبل 21 سبتمبر وما بعده تحولات الأمن والسيادة في اليمن

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
23 سبتمبر 2026مـ – 12 ربيع الثاني 1448هـ

في السنوات التي سبقت الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، كانت اليمن دولة تتجه نحو الانهيار الشامل، صنّفتها المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة والبنك الدولي، مراراً وتكراراً كـ”دولة فاشلة”، مستندة إلى مؤشرات أمنية انحدرت إلى أدنى مستوياتها التاريخية، واقتصاد تراجع بشكل حاد، وهياكل حوكمة تحطمت تحت وطأة الوصاية الأجنبية، هذا السياق القاتم كان الأرضية الخصبة لحركة ثورية أعادت تعريف مسار اليمن نحو السيادة.

قبل 2014، كانت اليمن محصورة في ما يمكن وصفه بـ”ثلاثة سجون” خانقة: هيمنة أمريكية مطلقة، ووصاية خليجية سعودية منفردة، ونخبة حاكمة متشبثة بالتوريث. كانت الرئاسة تعمل تحت ظل سفارتين أجنبيتين، بينما كانت الحكومة تابعة لعشر سفارات (تلك الدول التي كان اليمن يحتكم لها في ذلك الحين، وعُرفت بـ”الدول العشر”). في المقابل، شُلّ مجلسا النواب والشورى تماماً بسبب “المبادرة الخليجية”، تلك الاتفاقية المدعومة من الغرب عام 2011، والتي صُممت لإدارة انتقال السلطة دون المساس بالهياكل الأساسية للسيطرة الأمريكية. كانت تلك هي العقدة التي توقفت عندها ثورة 2011، التي تقمّصها رواد السلطة ووجوهها السابقة في عملية احتيال أسهمت دول الخليج في تكريسها، وحالت فعلياً دون تحقيق أي تغيير جذري يمس المنظومة الأساسية للحكم، أو يسمح بأن تطال يد الثورة الأسرة الحاكمة العابثة باليمن وبمقدراته.

في ظل هذا النظام، انهار الأمن تماماً، عملت القاعدة و”داعش” والمليشيات الداخلية بحرية تامة، تغذت الميليشيا من خزينة القوات المسلحة، وتسلحت الجماعات التكفيرية من مخازن الجيش، وتقاسم الإخوة الأعداء المؤسسة العسكرية، وطوّعوا البلد ومقدراته لخدمة مصالحهم الأسرية والحزبية.

امتد الصراع في ذروته ليصل إلى الشوارع التي تحوّلت إلى ساحات قتال، وانتشرت الاغتيالات في عموم المحافظات اليمنية بمتوسط ثلاث جرائم في الأسبوع الواحد. وفقاً للسجلات الرسمية، شهدت الفترة بين 2011 و2014 أكثر من 4500 محاولة اغتيال استهدفت شخصيات سياسية وعسكرية، بينما أصبحت التفجيرات في المساجد والمدارس ومواكب الزفاف ظاهرة شبه يومية. عانت البنية التحتية من انهيار مريع: تعرضت أنابيب النفط والغاز وشبكات الكهرباء لمئات عمليات التخريب، وأقر وزير الداخلية آنذاك عبد القادر قحطان في 2013 أن “75 متهماً معروفين” ينفذون هذه الهجمات دون مساءلة قانونية. ووصف تقرير الأمم المتحدة لعام 2014 اليمنَ بأنها “قنبلة موقوتة”، مصنفاً إياها كأكثر دولة هشاشة في العالم من حيث الأمن والاستقرار والحوكمة.

ثورة نابعة من السيادة، لا من السيناريوهات الأجنبية
في حين صُوِّر الربيع العربي عام 2011 -عالمياً- بأنه موجة من التطلعات الديمقراطية، اختلف مسار اليمن جذرياً، صُمِّمت “مبادرة الخليج” (التي توسطت فيها السعودية ودعمتها القوى الغربية) لتبديل حكومة انتقالية بقيادة الخائن عبدربه منصور هادي بدلاً عن الخائن علي عبدالله صالح. لكن هذا “الانتقال الديمقراطي” لم يكن سوى غطاء لغرض خفي لدى الخليج، خشية أن تطالهم يد التغيير وعدوى الثورة. وعليه، لم تُحدث المبادرة سوى مزيد من تكريس الوصاية والنفوذ الأجنبي.

لم تكن المعارضة وقتها أداة للتغيير الحقيقي، بل بوابة جديدة للنفوذ الخارجي نفسه كما قال السياسي الدكتور أحمد السقاف في شهادته على المرحلة: “لم تكن المعارضة وسيلة لاستعادة السيادة اليمنية، بل كانت قناة لتصدير الهيمنة الأجنبية تحت غطاء الإصلاح”.

في ظل هذا الوضع السوداوي وإعادة النظام القديم تدوير ذاته، نشأت ثورة الـ21 سبتمبر 2014 في ذروة سنوات من الإرادة الشعبية الجماهيرية، كان الهدف واضحاً، تدمير المشروع الخارجي الذي جمّد استقلال اليمن لعقود، وعلى عكس الربيع العربي، الذي اعتمد على موافقة الغرب والخليج، رفضت الثورة -صراحةً- التدخل الأجنبي، ومثّل هذا الرفض جوهر مطلبها وصلب أهدافها كما أوضح أحد الثوار في أكثر من حفل وحشد شعبي وبيان: “لم نطلب اعترافاً من واشنطن أو الرياض، بل هدفنا هو إنهاء سيطرتهم”.

مبادرة الخليج: جسر نحو التفكيك
في الأساس، صُممت مبادرة الخليج كخريطة لتفكيك اليمن، دعمت القوى الغربية والخليجية -عبرها- مشروعاً لأقلمة اليمن، أي تقسيمه إلى كيانات شبه مستقلة لتناسب مصالحهم الإستراتيجية. كما أشار مسؤولون في الأمم المتحدة، في ما عُد اعترافاً صريحاً وواضحاً، أن المبادرة لم تكن تهدف أو تتوخى وحدة اليمن واستقلاله، بل لخلق إمارات صغيرة قابلة للإدارة والتوجيه الخارجي.

في وجه هذا التدخل الخارجي جاءت الثورة بعزم شعبي قاهر، قادر على مجابهة إرادة الخارج، وتحدي مشاريع الأجنبي، والتصدي لمخططات التمزيق والتفتيت، ووقفت بصلابة في وجهه، وحظيت بالتفاف شعبي واسع في كل المناطق والمحافظات التي بلغتها، فقد كانت من الشعب وإليه، متسقة مع هويته، ومنبثقة من معتقده، ومنسجمة مع مبادئه وقيمه، وهو ما سهّل نجاح الثورة في الـ21 من سبتمبر العام 2014 دون سفك دماء، أو حرب أهلية طالما هدّد بها الخارج وحذّر منها شركاء السلطة الفاسدة في الداخل، فكان في سبتمبر دخول العاصمة على هذا النحو الهادئ والسريع، وفي الوقت نفسه أطلق تحولاً جذرياً في مؤسسات الدولة، مستهدفاً النفوذ الأمريكي والعملاء الخارجيين وآثار النظام الفاسد. بمعنى أصح، أعادت الثورة تعريف السيادة، فلم تكن المسألة استبدال قائد بآخر، بل استعادة السيطرة على البلاد وحمايته والدفاع عنه.

الأمن والاستقرار: انعكاس المسار
كانت صنعاء مزيجاً من المليشيات المسلحة التي تعمل بحرية في مناطق سيطرة الحكومة، كل يوم تقتل وتغتال وتفجر وتهدد، لا يكاد شارع من شوارع العاصمة يخلو من دم أو دخان. بعدها، وبمجرد انتصار الثورة، تحول المشهد الأمني جذرياً، عملت اللجان الشعبية على خفض معدلات الجريمة بمعدلات قياسية، وفق بيانات وزارة الداخلية اليمنية، فإن الاغتيالات والتفجيرات، التي كانت وقائع يومية، أصبحت نادرة، “لم تكن الدولة قادرة على حماية مواطنيها”. وقال ضابط شرطة سابق في صنعاء “الشعب تدخل وحقق ما عجزت عنه السلطة”. وهكذا لمس الناس التغيير بعد ساعات من الثورة.

وفي شهادة أممية، أقرت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير عام 2023 أن الوضع لا يزال معقداً، لكن الفوضى ما قبل 2014 استُبدلت بها بيئة أمنية أكثر قابلية للتنبؤ في المناطق الخاضعة لسيطرة الثورة.

تحدي رواية “الانقلاب”: حقائق فوق الخيال
يردد خصوم الثورة مصطلح “انقلاب”، وهو مصطلح يتجاهل انهيار النظام قبل 2014 بشكل كامل، لكن البيانات تروي قصة مختلفة، تحت حكومة الخائن هادي (2012–2014)،

صنفت اليمن بين أكثر دول العالم فساداً، وارتفعت الديون العامة إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي رغم صادرات النفط والمساعدات الخارجية، بعد أن أعلنت الحكومة علناً أنها “لا تستطيع دفع رواتب الشهر المقبل ما لم ترفع الدعم كلياً عن المشتقات النفطية” كما أكد وزير المالية آنذاك صخر الوجيه، وفق سجلات صندوق النقد الدولي.

في المقابل، بلغت اعتمادية النظام السابق على القوى الأجنبية مستويات غير مسبوقة. في 2012، أصبحت اليمن أول دولة في التاريخ الحديث تطلب إشرافاً دولياً بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2051 (الفصل السابع)، ما وضع سيادتها تحت الوصاية الدولية.

بعد (12) عاماً من 21 سبتمبر 2014، يظل إرث الثورة حياً رغم المحاولات العسكرية الخارجية بقيادة السعودية والولايات المتحدة لإجهاضها. صمدت اليمن وتجاوزت التوقعات.

نجاح الثورة لا يكمن في الانتصارات العسكرية وحدها، بل في قدرتها على إعادة تشكيل السردية الوطنية، فاليمن ليست قطعة في لعبة أجنبية، بل أمة تمتلك قرارها، وقادرة على تحديد مصيرها.

ذاكرة الثورة ووعد المستقبل
لليمنيين، لا تزال ذكريات الفوضى ما قبل 2014 حية: التفجيرات، والاغتيالات، والدمار الاقتصادي. لكن اليوم، حتى المنتقدون يعترفون بالفرق “قبلها كنا دولة بلا مستقبل، والآن لدينا فرصة لبناء وطن واحد، ومستقبل واعد يضع اليمن في موقعه الحضاري المحترم والوازن على مستوى المنطقة والعالم.