من عمارة الأرض إلى سيادة الغذاء.. قراءة في الخطاب الزراعي للسيد القائد عبدالملك الحوثي

5

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
19 سبتمبر 2026مـ – 8 ربيع الثاني 1448هـ

تـقـريــر || الدكتور أحمد الرباعي

منذ انطلاق العدوان على اليمن في السادس والعشرين من مارس 2015، دخل الاقتصاد الوطني مرحلة استثنائية، فرضت تحديات غير مسبوقة على مختلف القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها القطاع الزراعي.

وخلّفت تداعيات العدوان والحصار اضطراباً واسعاً في سلاسل الإمداد، وتراجعاً في النشاط الاقتصادي، وارتفاعاً حاداً في كلفة الحصول على السلع الأساسية، إلى جانب اتساع دائرة الاحتياجات الإنسانية وزيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية.

ومع تفاقم هذه التحديات، لم تعد الزراعة تُطرح باعتبارها مجرد نشاط اقتصادي يوفر الغذاء والدخل وفرص العمل، فقد صارت حاضرة بقوة في خطابات السيد القائد عبدالملك الحوثي – يحفظه الله – باعتبارها جزءاً من معادلة الصمود الوطني، وأحد المداخل الأساسية لتعزيز القدرة على الاعتماد على الذات، ومن هنا تبرز أهمية تتبع الخطاب الزراعي في محاضراته ودروسه خلال الفترة 2015-2025م، للكشف عن كيفية تحول الزراعة في خطابه من قطاع إنتاجي إلى قضية سيادة، ومن دعوة إلى عمارة الأرض إلى مشروع لتعزيز الاعتماد على الذات، وكيف رسم موقع المزارع وحدد ملامح السياسة الزراعية المطلوبة.

ومنذ اللحظة الأولى للعدوان، حضرت الأرض والإنتاج الزراعي في خطابات السيد القائد عبدالملك الحوثي – يحفظه الله – بوصفهما مسؤولية إيمانية وجهادية ووطنية، تتجاوز النشاط الاقتصادي، فالدعوة المتكررة إلى «عمارة الأرض» و«استصلاح الأراضي» و«الاستفادة من الموارد الوطنية» تحمل رؤية أوسع تربط بين عمارة الأرض وعمارة الإنسان، وبين الإنتاج الزراعي وصمود المجتمع.

وتكشف الخطابات والمحاضرات خلال الفترة 2015-2025 عن معادلة واضحة: لا سيادة سياسية بلا قدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، فالدولة التي تعتمد على الخارج في غذائها واحتياجاتها الأساسية تبقى رهينة للأسواق الدولية وتقلبات الأسعار واضطرابات التجارة والأزمات السياسية والإملاءات الخارجية، ومن هنا اكتسبت الزراعة في خطاب السيد القائد معنى يتجاوز الحقل والمحصول؛ فالأرض المنتجة تعني غذاءً محلياً، والغذاء المحلي يعني تقليل الاعتماد على الخارج، وتقليل الاعتماد يوسّع هامش القرار الوطني.

ولم تقف قضية الغذاء في خطاب السيد القائد عبدالملك الحوثي – يحفظه الله – عند حدود الدعوة العامة إلى الزراعة، فقد احتلت موقعاً مركزياً في خطاباته ومحاضراته، وتكررت فيها الدعوة إلى توسيع الإنتاج المحلي وتشجيع زراعة الحبوب، وفي مقدمتها القمح والذرة، بوصفها محاصيل مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي، وركيزة أساسية في مواجهة الحصار والاعتماد على الخارج، وقد حملت هذه الدعوة المتكررة تحولاً في المفهوم إلى جانب التحول في المحصول؛ فبينما يركز الأمن الغذائي على توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه واستقراره وجودته، يضيف مفهوم سيادة الغذاء – الذي حضر في خطاب السيد القائد – سؤالاً آخر يتعلق بقدرة المجتمع والدولة على بناء قاعدة إنتاجية محلية تحصّنه أمام التقلبات الخارجية والحصار.

ومن ثم، فإن تكرار حديث السيد القائد عن القمح والحبوب لا يُعد حديثاً عن محصول زراعي فحسب، فقد ارتبط باتجاه اقتصادي وطني أوسع يتمثل في كيفية استثمار اليمن موارده الزراعية وأراضيه ومياهه وقدرات مزارعيه في زيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الفجوة الغذائية، وتعزيز صموده في وجه العدوان.

ولم تقف أهمية محاضرات وخطابات السيد القائد عبدالملك الحوثي – يحفظه الله – عند حدود المفاهيم والشعارات، فقد تحولت إلى موجهات عملية حرّكت مؤسسات الدولة نحو الميدان الزراعي، وتكررت دعوته إلى تحفيز الإنتاج المحلي، وتوسيع المساحات المزروعة، والتوسع في زراعة الحبوب، ودعم المزارعين، بوصفها مسؤولية وطنية وجهادية في مواجهة العدوان والحصار، وفي ضوء هذه الموجهات، تحركت وزارة الزراعة واللجنة الزراعية والسمكية العليا خلال السنوات الماضية عبر مبادرات وبرامج عملية استهدفت ترجمة الخطاب إلى واقع ملموس.

وهنا يتضح التحول الجوهري في موقع الزراعة: من قطاع خدمي ينتظر الدعم إلى قضية وطنية تُبنى عليها معادلة الصمود. فحين يصبح المزارع، كما يرى السيد القائد، ركناً في هذه المعادلة، وتصبح الأرض ساحة لمعركة تقليص الاعتماد على الخارج، تتحول العملية الزراعية من نشاط فردي إلى وظيفة ذات أبعاد اجتماعية ووطنية أوسع.

وقد عززت ظروف العدوان والحصار المستمر هذا الاتجاه؛ إذ جعلت هشاشة سلاسل الإمداد مسألة الإنتاج المحلي أكثر إلحاحاً، ودفعت إلى توسيع النقاش الوطني حول مستقبل الاقتصاد الزراعي اليمني، ليشمل الاستثمار في الأرض والمياه والبذور والمدخلات والإرشاد والتسويق والتصنيع الغذائي، وصولاً إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة.

وإذا كان السيد القائد – يحفظه الله – قد جعل من الزراعة في خطاباته قضية سيادة، فإنه لم يتوقف عند الأرض والسياسات، فقد خص المزارع نفسه بحضور واضح في خطاباته، بوصفه الفاعل الأول في هذه المعادلة الوطنية. فالأرض لا تنتج وحدها، والسياسات لا تحقق أهدافها بمجرد صدورها. ولهذا ركز على تحفيز المزارع وحثه على العودة إلى الأرض، وتشجيعه على التوسع في زراعة الحبوب، ودعوته إلى إحياء أرضه الزراعية بدلاً من الهجرة إلى المدينة والاعتماد على الاستيراد.
ولم يكن الخطاب مجرد دعوة إلى الزراعة، فقد حمل أيضاً دعوة إلى تمكين المزارع من المدخلات والخدمات والتمويل والأسواق والمعلومات والتقنيات الحديثة. وقد شددت موجهاته المتكررة إلى الجهات المعنية على ضرورة أن تتحول الدعوة إلى الزراعة إلى منظومة متكاملة لدعم المنتج الزراعي، تبدأ من توفير المدخلات المناسبة، ثم الحصاد، وتمتد إلى التخزين والتصنيع والتسويق وتقليل الفاقد وحماية المنتج المحلي.

ولم تقتصر موجهاته على الأرض والمزارع، فقد حضرت قضية المياه في الخطابات بوصفها شرطاً لاستدامة الإنتاج، وعنصراً أساسياً في العملية الزراعية. فزيادة الإنتاج ينبغي أن تقوم على تحسين كفاءة استخدام الموارد المائية، ونشر تقنيات الري الحديثة، واختيار المحاصيل الملائمة للظروف البيئية والمائية في كل منطقة. وهكذا ينتقل خطاب السيد القائد من مخاطبة الأرض إلى مخاطبة الإنسان الذي يعمرها، وهو ما يمنح الخطاب بعداً اجتماعياً ووطنياً أوسع.

لقد كشفت سنوات العدوان والحصار أن الغذاء يرتبط باستقرار المجتمع، وأن القدرة على إنتاجه ترتبط بقدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات، ومن هنا يمكن فهم المكانة التي أخذتها الزراعة في خطابات السيد القائد عبدالملك الحوثي – يحفظه الله – خلال الفترة 2015-2025، إذ جرى تقديمها باعتبارها أحد مسارات بناء القدرة على الاعتماد على الذات، وقطاعاً أساسياً في مواجهة التحديات الاقتصادية والغذائية.

وإذا كان الخطاب قد رسم الرؤية والأهداف، فإن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمتها إلى واقع زراعي ملموس، وتحويلها إلى سياسات وبرامج ومؤشرات قابلة للقياس. وعلى هذا الأساس، فإن ما تضمنته خطابات السيد القائد – يحفظه الله – من دعوات إلى التوسع في زراعة الحبوب، ودعم المزارعين، والاستفادة من الموارد الوطنية، يستدعي رؤية طويلة المدى ترسم الأولويات وتحدد المسارات، بدءاً من مستوى التخطيط، عبر تحديد المحاصيل ذات الأولوية، والمناطق الزراعية المناسبة، والاحتياجات المائية، وسلاسل القيمة، وفرص التصنيع والتسويق، مروراً بمستوى الدعم الفني من خلال تطوير البحوث الزراعية والإرشاد، وتحسين جودة البذور والمدخلات، وتقليل الفاقد بعد الحصاد، وصولاً إلى مستوى التسويق وربط الإنتاج بالأسواق عبر الزراعة التعاقدية، بحيث تكون زيادة المساحة المزروعة جزءاً من منظومة إنتاجية متكاملة.

وهكذا تنتقل موجهات السيد القائد إلى سياسة زراعية وتنموية مستدامة تُترجم إلى واقع على الأرض، وتُقاس بنتائجها. سياسة تجعل من الأرض المنتجة قاعدة للاقتصاد، ومن المزارع شريكاً أساسياً في التنمية، ومن الأمن الغذائي هدفاً وطنياً طويل المدى، ومن الموارد الطبيعية أصولاً تُدار بكفاءة وعدالة واستدامة. وهذا كله يحتاج إلى سياسات واضحة، وإرادة مؤسسية، وشراكة حقيقية مع المجتمع والمزارع اليمني. وعندها يصبح الحديث عن سيادة الغذاء أكثر من مفهوم سياسي؛ يصبح مساراً عملياً لبناء قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات والحصار.

د. أحمد الرباعي