جلسات معقودة وقيم مفقودة لمجلس الأمن.. تجاهل متعمد للعدوان والحصار على اليمن
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
16 سبتمبر 2026مـ – 5 ربيع الثاني 1448هـ
تـقـريــر || د. عبد الرحمن المختار
ليس هناك من وصف أكثر انطباقًا على مجلس الأمن في الوقت الراهن من أنه مجرد شكل من دون مضمون، وأنه مجلس بلا إرادة، وتتجسد فيه بشكل صارخ مقولة “من بيده المال بيده الإرادة”.
فللمرة الثانية خلال أقل من أسبوع يعقد مجلس الأمن جلسة طارئة، بعنوان زائف مضلل مخادع “مناقشة التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن ومضيق باب المندب”.
والأسوأ أن المجلس بدأ جلسته الطارئة بإحاطة لمساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط، الذي يعتبر من حيث الأصل، وبحكم طبيعة عمله، أكثر معرفة بمعاناة الشعب اليمني نتيجة الحصار الإجرامي الذي فرضه ولا يزال يفرضه نظام آل سعود، وما يتعرض له الشعب اليمني في الوقت الراهن من جانب هذا النظام من قصف إجرامي يستهدف المدنيين والأعيان المدنية.
ومع كل ذلك لم تأتِ الإحاطة في الاتجاه الذي يساعد على إيضاح مظلومية الشعب اليمني، تمهيدًا لاتخاذ مواقف من شأنها رفع الحصار ووقف العدوان، وعن عمد تجاهل مقدم الإحاطة كل ذلك، واكتفى بالإشارة إلى خطورة الوضع في باب المندب والإدانة بأشد العبارات، لما وصفها “بالهجمات الحوثية العابرة للحدود”، التي استهدفت البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة في المملكة العربية السعودية! متجاهلًا تمامًا مئات الغارات التي نفذها الطيران السعودي العابر للحدود على الأراضي اليمنية، والتي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية.
خرق فاضح لدرجات الحياد
وأتى بعد ذلك دور أعضاء مجلس الأمن حين سلّ كل منهم ما في جعبته من حادّ العبارات، طمعًا في إرضاء غرور من بيده المال، ورغم أن ما هو قائم على أرض الواقع نزاع مسلح بين طرفين، إلا أن المجلس، وخلافًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، يجري مناقشاته بحضور طرف واحد، في انتهاك صارخ لأحكام هذا الميثاق، التي توجب على المجلس استدعاء الطرف الآخر في النزاع لمناقشة وجهة نظره.
ومسلك المجلس في جلساته المتعاقبة يمثل خللًا إجرائيًا وموضوعيًا في أدائه لاختصاصاته المخولة له بموجب أحكام الميثاق، فعندما يحرم طرفًا في النزاع المسلح من عرض مبرراته وردوده على ما يثيره الطرف الآخر في النزاع من اتهامات أمام المجلس، فذلك خرق فاضح في حال كون المجلس على أعلى درجات الحياد، ناهيك أن يكون أداء المجلس إجرائيًا وموضوعيًا واقعًا تحت تأثير الوفرة المالية للطرف الحاضر.
وبذلك يتحول ما يصدر عن المجلس من قرارات وبيانات إلى معول هدم لأي فرصة للسلام، باعتبار أن كل ما يصدر عن المجلس يمثل وجهة نظر طرف واحد في النزاع المسلح، ومن ثم تصبح قرارات المجلس وبياناته مجرد بيان إدانة لإرضاء الطرف الحاضر، وأداة ضغط على الطرف غير الحاضر.
ولا يمكن بحال من الأحوال أن يمثل ما يصدر عن المجلس، وهو بهذا السلوك غير السوي، أساسًا لتسوية النزاعات المسلحة، بل وسيلة لتهييجها واستمرارها، طالما كانت تلك النزاعات تمثل مصدرًا مهمًا للتمويل، ودونما اعتبار للجوانب القانونية والإنسانية والأخلاقية.
وبدلًا عن اضطلاع المجلس بواجباته القانونية في كل ما يتعلق بتفاصيل النزاع، سلك منذ البداية طريق التضليل، ولا يزال سائرًا فيه إلى اليوم، ليبرر انتهاكاته المستمرة والمتتابعة لميثاق الأمم المتحدة، واصفًا ومنذ اليوم الأول ما يجري من عدوان على اليمن، بأنه “نزاع داخلي”، بحيث تجري نقاشاته، وتتضمن بياناته وقراراته وصفًا واحدًا مضللًا زائفًا هو “الحرب في اليمن” ليحصر بهذا الوصف النزاع داخل النطاق الجغرافي لليمن!
وهذا الوصف وذلك التبرير غير صحيح مطلقًا، فالنزاع المسلح في الوقت الراهن بين النظام السعودي واليمن، “الأرض والشعب والسلطة العامة”، وسبقه نزاع مسلح بين اليمن وتحالف العدوان منذ مارس 2015، حين أعلنت السعودية ما سمي بـ”عاصفة الحزم” للعدوان على الشعب اليمني.
فالسعودية ليست ضمن النطاق الجغرافي للجمهورية اليمنية، ومن ثم فدخول السعودية طرفًا في “النزاع” حسب تسميتكم، يجعل منه نزاعًا دوليًا، ينفي وصف مجلس الأمن السابق والمستمر (الحرب في اليمن)، والفرق شاسع بين هذا الوصف والوصف الحقيقي والدقيق للحالة بأنها “حرب على اليمن”.
فوصف “الحرب في اليمن” يعبر عن الحرب الأهلية، ووصف الحالة بأنها “حرب على اليمن” تعبر عن حرب دولية، إن كان لها ما يبررها توصف بأنها كذلك، وإن لم يكن لها ما يبررها فوصفها الدقيق وفقًا للقانون الدولي “جريمة عدوان”، ومع كل ذلك تجاهل مجلس الأمن الدولي ولا يزال يتجاهل أن ما حدث منذ 26 مارس 2015، هو عدوان خارجي ونزاع مسلح دولي يقوده النظام وتحالفه الإجرامي، وهذا التجاهل هو السبب الذي جعل جلسات مجلس الأمن منحازة ومنتهكة لميثاق الأمم المتحدة.
تغييب متعمد لسلطة صنعاء
ويدرك مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة وجميع دول العالم أن الهجوم العسكري على اليمن الذي بدأ بمسمى (عاصفة الحزم) انطلق من خارج حدود الجغرافيا اليمنية، واستهدف بوحشية البنية التحتية من مطارات، وموانئ، ومنشآت حيوية شملت كامل النطاق الجغرافي للجمهورية اليمنية.
والأصل وفقًا لأحكام القانون الدولي، أن الواجب على مجلس الأمن أن ينظر إلى النزاع المسلح بين اليمن وتحالف السعودية بأنه نزاع دولي أطرافه دول تحالف العدوان بقيادة السعودية، وسلطة الأمر الواقع اليمنية في العاصمة صنعاء، في حال إصرار المجلس على التمسك بالشماعة الموصوفة بالسلطة الشرعية والحكومة المعترف بها دوليًا.
فعلى أرض الواقع في عاصمة اليمن الدستورية، سلطة تمثل الجغرافيا والشعب، تدير بكفاءة عالية مؤسسات الدولة، وبيدها القوة العسكرية، التي تدافع بها عن الجغرافيا والشعب، الذي يمثل كتلة سكانية هي الأكبر في اليمن مقارنة بسكان الجغرافيا الواقعة تحت نفوذ دول تحالف العدوان، ومن ثم فإن تعمد مجلس الأمن تغييب سلطة العاصمة صنعاء عن حضور جلساته التي يناقش ويقرر فيها مصير البلد اعتمادًا على طرف وهمي صوري يعيش خارج الحدود في عاصمة دولة العدوان والمسمى (الحكومة المعترف بها دوليًا) هو إفراغ متعمد لمفهوم تمثيل الشعب اليمني من مضمونه، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا للمادة 32 من الميثاق، التي توجب على المجلس سماع أطراف النزاع المسلح الفعليين، وليس تنصيب أطراف وهمية صورية لتبرير انتهاك حقوق الشعب المعتدى عليه.
ورغم إدراك مجلس الأمن وجميع دول العالم، أن عملاء نظام آل سعود، ومرتزقة هذا النظام، التي جلبها من أصقاع الأرض إلى الجغرافيا اليمنية، للقتال نيابة عنه، ولوصف النزاع بأنه حرب أهلية، فكل أولئك العملاء والمرتزقة يدرك مجلس الأمن جيدًا أنهم عبارة عن مجموعات قتالية مأجورة غير منظمة، وغير منتظمة تحت مظلة رسمية واحدة “وزارة دفاع” وذات عقيدة وطنية تجمعها، بل إنها تشكيلات ممزقة الولاء، تدار وتمول من جهات خارجية متعددة، وولاؤها لهذه الجهات، التي لا يجهل أحد حالات اتفاقها واختلافها، وهو ما جعل أجندات العملاء والمرتزقة متضاربة على أرض الواقع، وولاءاتها مرتبطة باستمرار تدفق المال الخارجي، ولا ولاء لها للأرض التي تقف مؤقتًا عليها.
ولا أدل على حال تلك المجموعات المليشياوية التابعة من انهيارها السريع بمجرد تعرضها لأول اختبار حقيقي في مواجهة مباشرة، فتذرعت بغياب التنسيق العملياتي فيما بينها، وطفت على السطح تبايناتها العميقة التي جسدتها التهم المتبادلة بالخيانة والانسحابات غير المنسقة، والأصل، أن يتوقف مجلس الأمن عن الولوغ في دماء أبناء الشعب اليمني، بعد أن أدرك العالم السقوط السريع لتلك المليشيات، التي ما وجدت على الجغرافيا اليمنية إلا لتنفيذ أجندات مرتبطة بمصالح أطراف إقليمية، ولتمثل أدوات ضغط على السلطة الوطنية، ولا تعد تلك المليشيات بحال من الأحوال قوة دفاع وطنية.
تجاهل لمليشيات عملاء ومرتزقة النظام السعودي
ولا يزال مجلس الأمن الدولي متمسكًا بذلك التوصيف الزائف للسلطة الوطنية في العاصمة صنعاء “جماعة الحوثي” بهدف اختزال الملايين من أبناء الشعب اليمني في فئة أصيلة من أبنائه، استمرأت دول العدوان وصفها زورًا بالانقلابية والإرهابية بهدف تفكيك لحمة الشعب اليمني المؤيد بشكل غير مسبوق لقيادته الوطنية.
ورغم تجاهل مجلس الأمن لواقع مليشيات عملاء ومرتزقة النظام السعودي الفوضوية والمفككة، فإنه يتجاهل كذلك واقع القوات المسلحة اليمنية، وما تتمتع به من انضباط عسكري عالٍ، وجاهزية قتالية، وقدرة فائقة على إدارة مسرح عملياتي معقد لا يقتصر على الساحل الغربي، الذي يمتد آلاف الكيلومترات المربعة، بل يشمل جبهات متعددة على امتداد الجغرافيا اليمنية شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.
ألا يكفي مجلس الأمن ذلك دليلًا قاطعًا على أن سلطة العاصمة صنعاء، هي من يمثل الجمهورية اليمنية، فهي التي تدير منذ أكثر من عقد من الزمان باقتدار مؤسسات الدولة، ليس في ظل ظروف عادية، بل في ظل ظروف استثنائية، قوامها حرب دولية، وحصار مطبق، وتؤكد معطيات الواقع وجود مؤسسة عسكرية منظمة ذات عقيدة قتالية صلبة ومسنودة بحاضنة شعبية واسعة، فهل لمجلس الأمن أن يأتي بمثال واحد تمكنت فيه مليشيا من إدارة جبهات قتال دولية؟ وعلى مجلس الأمن أن يجيبنا عن سر تمسكه باستمرار وصف سلطة دولة الشعب اليمني في العاصمة صنعاء، بالمليشيا؟
المؤسف حقًا أن مجلس الأمن تعرى تمامًا أخلاقيًا وقيميًا وإنسانيًا، بعد أن تعرى قانونيًا، فلم يعد يقتصر الأمر على مجرد حماية المجلس لمصالح الإدارة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا مع النظام السعودي، بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى ما هو أسوأ.
فالنظام السعودي صاحب الوفرة المالية يتفاخر بأن إرادة مجلس الأمن بيده في كل الأوقات، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الدول الغربية الثلاث الدائمة العضوية في المجلس، بل يشمل ذلك الصين وروسيا، والعشر الدول غير دائمة العضوية، فالجميع تخلى تمامًا عن القيم الإنسانية!
وما يؤكد ذلك أن المجلس لا يبالي بما يمس سمعته وإرادته وحياديته واستقلاليته عن أطراف النزاع، فالعميل العليمي في مؤتمره الصحفي تحدث مخاطبًا الصحفيين “لا تعتقدوا أن بيان مجلس الأمن صدر بسهولة، لقد وضعت المملكة كل ثقلها لإصدار البيان”.
ألا يعني ذلك ثقلها المالي؟ باعتبار أنه لا ثقل لها غيره! ومعنى ذلك أن قرارات وبيانات المجلس لا تصدر بناءً على معطيات قانونية وواقعية، بل تحت تأثير الثقل المالي للنظام السعودي؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا لم يتحرك بقية الأعضاء لمحاسبة العميل العليمي والنظام السعودي على هذه التصريحات المهينة للمجلس، والإحاطة من مكانته على الساحة الدولية؟ ولماذا لم يسبق للمجلس أن تطرق في بياناته وقراراته لإدانة الجرائم الموثقة التي اقترفها نظام آل سعود بحق أبناء الشعب اليمني؟
حقيقة لا يستطيع المجلس إلا التجاهل والتزام الصمت، لماذا؟ لأن الدول الغربية الدائمة العضوية، تدرك أن مبيعات الأسلحة هي التي تدير عجلة اقتصادها هذا من جانب، ومن جانب آخر أن صفقات الأسلحة الضخمة مع نظام آل سعود من طائرات حديثة وذخائر ذكية تستخدم في قصف المدن اليمنية، والفتك بالأبرياء من أبناء الشعب اليمني.
ومن ثم فإن فرضية إدانة تلك الجرائم رسميًا داخل مجلس الأمن تمثل إدانة ضمنية للدول التي زودت نظام آل سعود بتلك الأسلحة الفتاكة.
ولأن تلك الدول تحكمها وتتحكم فيها الرأسمالية المتوحشة، فإنها لا ترى نفسها معنية، بما يسقط من ضحايا نتيجة استخدام الأسلحة التي تضمنتها تلك الصفقات، فالمهم لديها هو انسيابية تدفق الأموال من عائدات صفقات السلاح، وهي تعتبر الحروب سوقًا لتصريف منتجات مصانعها من الأسلحة المختلفة، وإذا ما توقفت الحروب، فإن بضاعتها ستتكدس في مخازنها، وإذا لم تنشب الحروب لتصريف بضاعتها، فإن هذه الدول ستعمل حتمًا على إشعال فتيلها.
وطالما والأمر كذلك، وحال مجلس الأمن هو ذلك، فإن المؤكد أن الشعب اليمني، قد أدرك يقينًا أن القانون الدولي، ليس سوى سندات مالية يتم تداولها في بورصة المصالح الدولية في جلسات مجلس الأمن، وأن انتظار موقف إنساني من منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها في ظل الوفرة المالية لنظام آل سعود هو نوع من السراب، فإرادة المنظمة الدولية ومجلس أمنها مرتهنة للمال السعودي، وهذه ليست افتراءات، ولا مجرد كلام من دون دليل، فالوقائع والفضائح التي لم تخجل منها المنظمة الدولية ومجلس أمنها ثابتة وموثقة.
ومن تلك الفضائح في الشأن اليمني فضيحة القائمة السوداء لعام 2016 التي أدرج بموجبها الأمين العام الأسبق “بان كي مون” تحالف العدوان بقيادة السعودية في “قائمة العار” بسبب قتل الأطفال من أبناء الشعب اليمني، وفي مواجهة هذا الإجراء هدد النظام السعودي بسحب تمويله لميزانية وكالات الأمم المتحدة، وهو ما دفع المنظمة الدولية إلى الرضوخ، وأجبرها على التراجع، حين عبر عن ذلك أمينها العام في حينه بان كي مون بقوله إن “القرار كان مؤلمًا وصعبًا لكنه خضع لمنطق المال لحماية برامج أخرى”.
طبعًا هذا المعلن، لكن غير المعلن أن المال السعودي مقدم على دماء أطفال اليمن، وهذا يؤكد انهيار منظومة القيم الإنسانية لدى المنظمة الدولية ومجلس أمنها، ولقد تكررت فضيحة شطب تحالف العدوان السعودي من قائمة العار سنة 2020 في عهد الأمين العام الخلف “أنطونيو غوتيريش”، بحجة تضاؤل عدد الهجمات، وذلك رغم تأكيد التقارير الميدانية لمنظمات حقوق الإنسان استمرار قتل الأطفال اليمنيين بغارات جوية استهدفت المدارس والحافلات وتجمعات المدنيين، وهو ما اعتبرته عدد من المنظمات الحقوقية رضوخًا مستمرًا من جانب منظمة الأمم المتحدة لضغوط المانحين.
