نفدت الذخيرة… فبقيت العزيمة: حكاية الأسير الهاملي ومنطلقات موقفه

1

ذمــار نـيـوز || حوارات ||
16 سبتمبر 2026مـ – 5 ربيع الثاني 1448هـ

حوار : محمد ناصر حتروش

في خضمّ الحرب، تتجلّى معادن الرجال، وفي ساحات المعارك التي يخوضها الجيش اليمني، تبرز بين الحين والآخر بطولات خالدة، لا مثيل لها في الوفاء والصدق والإخلاص والشجاعة والإقدام، وصدق الانتماء، والثبات على الحق في أحلك الظروف، مشاهد كثيرة وثّقتها عدسات الكاميرات، لكن المشهد الأخير للأسير “فتح الهاملي” يختزل كل معاني العزة والكرامة والإباء.

فخلال عملية تطهير الساحل الغربي، نشرت أدوات العدوان السعودي مقطعاً لأحد أسرى الجيش اليمني، ظنّاً منهم أنه سيكون نصراً إعلامياً لهم، لكنه سرعان ما ارتدّ عليهم أضعافاً مضاعفة. فبينما كان المرتزق يحاول إهانة الأسير الهاملي وتصويره، كانت كلمات الهاملي زلزالاً هزّ معسكر العدوان، كلمات لا يقولها إلا من امتلأ قلبه إيماناً بالله وثقة به، وامتلأ عزيمة وعنفواناً لا يصنعهما إلا الإيمان الصادق.

قال الأسير الهاملي لآسريه الذين حاولوا تخويفه بأنه كان يطلق عليهم النار، وحينما نفدت ذخيرته رماهم بالحجارة، فأكد الهاملي ذلك وقال: “أنا أسير، ولولا نفاد ذخيرتي لما تمكنتم من أسري. نعم، قاتلتكم وسأقاتلكم، فأنا على بصيرة من أمري، ورغم أني في الأسر فلن أتضعضع ولن تقلّ عزيمتي. نعم، قاتلتكم حتى نفدت ذخيرتي.”

تحوّل هذا المقطع إلى أيقونة عالمية، وانتشر على مستوى العالم، وعرف الناس مدى عزيمة الشعب اليمني وعنفوانه.

خمسة أيام فقط مكث في الأسر، حتى تقدّم الجيش اليمني إلى كل مواقع العدو، وطرد تحشيداته منها بالكامل، واستعاد جميع الأسرى، بعد أن ولّى العدو هارباً جباناً، تاركاً خلفه العتاد والعدة والسلاح والذخيرة والمدرعات، وكل شيء، ليهرب أمام بأس الجيش اليمني، لأن موقفه موقف خياني، لن يقدر على الصمود ومواجهة أبطال الجيش اليمني الذين يقاتلون دفاعاً عن الشعب ضد العدو المتغطرس.

وللوقوف على حيثيات الأسر وموقفه البطولي أجرينا حوارا مع الأسير المحرر فتح الهاملي ليكشف تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت أسره، حين خاض مع رفاقه مواجهة في إحدى التباب وسط زحف متكرر بالمدرعات والآليات، قبل استشهاد أحد رفاقه واضطراره إلى تسليم نفسه بعد نفاد ما لديه من ذخيرة.

ويستعرض الأسير المحرر ما واجهه داخل مجمع استخبارات العدو السعودي في حيس بالحديدة من معاملة قاسية وتحقيقات ومحاولات لانتزاع مواقف منه، في مقابل تمسكه بموقفه اليمني الرافض لوجود المحتل.

وفي لحظة التحرير، يستحضر الهاملي ثقته بالله ومناجاته له، وصولًا إلى سماع صرخات المجاهدين وبدء تحرير حيس، قبل أن يوجه رسائل إلى القيادة والمجاهدين وأبناء الشعب اليمني، ولا سيما من يدعوهم إلى الاستفادة من قرار العفو العام.

إلى نص الحوار:

بدايةً، كيف تصفون اللحظات الأخيرة قبل وقوعكم في الأسر، وما الذي كشفته تلك المواجهة عن طبيعة التحشيدات التابعة للعدو السعودي الذي واجهتموه؟

كنا ثلاثة مجاهدين في تبة، وكان هناك زحف متكرر من قبل التحشيدات التابعة للعدو السعودي، بالمدرعات والآليات، وذخائرنا كانت محدودة، كنا ننتظر حتى يقتربوا إلى المدى المطلوب، ثم نباشرهم، وكان الله يسدد الرمي، فينسحبون أكثر من مرة.

وفي آخر مرة نفدت الذخيرة تقريبًا، واستمر زميلنا الثالث في التصدي لهم بما تبقى لديه، وكان بجواره معدل 12.7، فأصلح عطلَه وأطلق ما تبقى فيه على مجموعة من الخونة الذين التفوا على الموقع. وبعد ذلك استشهد زميلنا باستهدافه بطائرة مسيرة انتحارية تابعة لحشود العدو السعودي، ثم صعدوا إلى التبة ولم يعد لدينا ذخيرة، فقررنا تسليم أنفسنا، كنا نواجه تحشيدًا كبيرًا، لكننا كنا واثقين بالله وبأننا نقاتل في موقف نراه موقفًا عادلًا.

عندما سلّمتم أنفسكم، كيف تعاملت معكم أدوات العدوان السعودي، وما الذي وجدتموه خلف الشعارات التي ترفعها تلك الأدوات؟

عندما نفدت ذخيرتنا قلنا لهم إننا سنسلم أنفسنا، لكنهم قابلونا بالشتائم والكلمات الجارحة، ووصفونا بأننا ملحدون وكفار وأذناب لإيران، أنا قلت لهم: “أنا يمني، هل تراني إيراني؟ سلمت لكم نفسي بإرادتي حين خلصت الذخيرة، ولو لم يكن ذلك لما تمكنتم مني”.

وبعد أن كبلوا أيدينا، سألني قائدهم عن سيطرتنا على التبة، فرددت عليه بما حصل، فاعتدوا علينا بالضرب. وهنا أدركت أنني أمام أشخاص لا يتعاملون معنا وفق قيم اليمنيين ولا أخلاقهم.

نحن كنا نرى أنفسنا مجاهدين في سبيل الله، ونرى أن قضيتنا عادلة، وأن مظلوميتنا واضحة، ولذلك لم تكن تلك الإهانات والاعتداءات قادرة على تغيير موقفنا.

برأيكم، لماذا حرصت أدوات العدوان على تصوير لحظة أسركم ونشرها؟ وهل نجحت في تحويل الأسير إلى صورة للانكسار؟

نقلونا إلى مجمع الاستخبارات في حيس، واستمرينا فيه خمسة أيام. ومنذ اليوم الأول كانت المعاملة سيئة، وقالوا عني: “هذا عقائدي، عاملوه معاملة خاصة”، ثم كبلوني بالحديد داخل الزنزانة، وعندما سألتهم عن السبب قالوا: “ضروري نربيك”.

وفي التحقيق سألوني: لماذا أتيتم إلى هنا؟ ولماذا تأتي مسلحًا؟ فقلت لهم بوضوح: أنا يمني، وأصول وأجول في كل المحافظات اليمنية، وأتيت لأخرج المحتل. وقلت لهم إننا لم نكن نريد أن نوجه بنادقنا إلى يمنيين، لكنهم هم من وضعوا أنفسهم في موقع من يساعد المحتل على احتلال بلده. وكانوا يحاولون الاستفزاز والتشويه والتجريح والتشكيك، لكننا -بفضل الله- كنا نلجمهم كلما قدموا إلينا سؤالًا أو استفزازًا.

بعد كل ما تعرضتم له، ما رسالتكم إلى اليمنيين الذين ما زالوا في صفوف أدوات العدوان وتحشيداته؟

رسالتي إلى أبناء شعبنا اليمني في المحافظات المحتلة، وإلى من هم مخدوعون إلى اليوم: والله إنكم تقفون في الموقف الخطأ، وأنتم تعلمون الكثير، ولكن بعضكم قد أصابه العمى؛ إما عمى المال وإما عمى الطمع.

أسألكم: ماذا ستجيبون الله سبحانه وتعالى يوم تقفون بين يديه؟ وبماذا ستواجهون رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله إذا استمررتم في هذه المواقف؟ أنصحكم أن تستغلوا قرار العفو العام الصادر من القيادة السياسية، وأن تعودوا إلى منازلكم ومناطقكم كإخوة يمنيين، لكم ما لنا وعليكم ما علينا. لا تكونوا مطايا للمحتلين الذين يقتلون الأطفال والنساء، ويخربون الديار ويدمرون منشآت هذا الوطن العزيز. كونوا كما أراد لكم الله أن تكونوا، واستغلوا فرصة العفو قبل أن تندموا.

بعد خروجكم من المعتقل، ماذا تقولون عن المعركة التي تخوضونها، وعن القيادة والمجاهدين ومستقبل المواجهة مع العدوان وأدواته؟

لحظة خروجي من المعتقل كانت فرحة لا توصف، وكنت طوال فترة الأسر واثقًا بالله ومناجيًا له، وفي آخر لحظة قبل خروجي استفتحت كتاب الله، فوجدت قول الله سبحانه وتعالى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)، ووجدت أيضًا قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ… فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، فاستبشرت بأن الله سيفرج عنا.

وعندما سمعت صرخات المجاهدين وبدأ تحرير حيس، كانت لحظة لا توصف، وحمدت الله على ذلك. رسالتي لقيادتنا أن أرواحنا فداء لهذا الطريق. ورسالتنا للمجاهدين الأحرار أن ما شاهدناه من ثباتهم وضرباتهم كان مصدر استبشار لنا ونحن داخل الأسر.

أما لأبناء شعبنا فأقول: نحن ماضون في هذا الطريق حتى تتحرر أرضنا، ويكون للشعب اليمني سيادته الكاملة في بره وبحره وجوه بإذن الله.