هزائم التحشيدات السعودية تتواصل.. ما وراء مشاهد الإعلام الحربي في الجوف؟
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
15 سبتمبر 2026مـ – 4 ربيع الثاني 1448هـ
تـقـريــر || عبدالقوي السباعي
تأتي المشاهد الأخيرة التي بثها الإعلام الحربي، اليوم الثلاثاء، لأجزاء من معاركٍ احتدمت شرقي محافظة الجوف، على مدى أربعة أيام، لترسم خارطة ردع ميدانية سياسية وعسكرية في المنطقة ككل؛ مشهدٌ متكامل الأركان ينقل التفاصيل الروتينية للمواجهة بين أبطال القوات المسلحة اليمنية من جهة، والتحشيدات التابعة للعدو السعودي من جهةٍ أخرى، ويقدم قراءة استراتيجية عميقة لما آلت إليه خيارات العدوان الأمريكي السعودي في بيئة الصحراء ذات التضاريس المفتوحة والمعقدة.
المشاهد المزمنّة قرابة النصف الساعة، بدأت بتقدم المئات من الآليات والمدرعات والمدافع الحديثة المسنودة بغطاءٍ جويّ مكثف، في استعراض قوةٍ يُراد منه إرهاب الخصم وتشتيت قواه، وفرض واقع ميداني سريع، وانتزاع نصر خاطف؛ لكن ما وراء هذا المشهد المكتظ بالعتاد يكشف عن خللٍ بنيويّ قاتل في عقيدة العدوّ القتالية.
لقد أظهر الرصد الدقيق والهدوء الاستراتيجي الذي تميز به مجاهدو القوات المسلحة اليمنية قبل بدء التعامل بالأسلحة المناسبة، أن الكثافة النارية والتكتيك الاستعراضي والتكنيك الحديث للآليات لا تعوض غياب الإرادة والدافع؛ حيث تحولت تلك المدرعات بلمح البصر إلى كتلٍ نارية متفحمة تلتهم معها أوهام السيطرة والتفوق العددي.
القراءة الفاحصة لسير المواجهات تؤكّد أن استبدال صور المشهد في قلب الصحراء لم يكن وليد المصادفة أو مجرد ضربات مدفعية موفقة، وإنّما جاء نتيجة تفوق تكتيكي في إدارة المساحات المفتوحة؛ فقد عكس الميدان بوضوح كيف تحولت استراتيجية التوقيت واختيار السلاح من الصواريخ الموجهة “الكورنيت”، وضربات الهاون، والأسلحة المتوسطة، إلى أدوات شلل تام لمنظومات حركة العدوّ.
وتظهر المشاهد مقدرة استثنائية للمجاهدين على كسر زخم الهجمات المعززة بالطيران، وتحويل التفوق الجوي والنوعي للعدو إلى عبء لوجستي وأخلاقي عليه، ويظهر هذا بوضوح في حالة الضياع والتخبط التي أصابت عناصر التحشيدات أو ما تسمى “قوات الطوارئ” التابعة للعدو السعودي، وهو ما أكّده مصدر عسكري يمني؛ بأن خسائر العدو البشرية في مواجهات جبهة الجوف خلال الأيام الأربعة الماضية، بلغت نحو 275 بين صريع ومصاب وأسير.
المعطيات الميدانية التي أبرزتها المشاهد تؤكّد أن لا المدافع الأمريكية الفاخرة ولا المدرعات المجهزة بأحدث الرشاشات الثقيلة اسعفتهم أو حققت أيّ اختراق، ما أدى إلى فرارٍ جماعي واضطراب شديد في القيادة والسيطرة الميدانية، بعد إحراق وإعطاب 85 آلية ومدرعة، وإسقاط 7 طائرات مسيّرة متنوعة تابعة للعدو السعودي -بحسب المصدر العسكري اليمني- ليتجلى للمراقب أن التسليح الضخم عندما يفتقد للحق وللعقيدة القتالية الصلبة يستحيل إلى مجرد خردة محترقة في مواجهة الإيمان والإصرار.
وما بين ملامح المشاهد الميدانية، تتجلى أبعاد التحول من الدفاع إلى الهجوم؛ إذ لم تقتصر العملية على صد الزحف وإعاقته، وإنّما أظهرت مرونة قتالية عالية تمثلت في تنفيذ عملية التفاف واسعة على التحشيدات المنهزمة والفارة، واقتحام مواقع العدو وملاحقته في عمق الصحراء.
واللافت هنا هو حالة الانهيار الكلي لدى عناصر العدو من الخونة والعملاء، والتي وصلت إلى حد قيام الطيران الحربي السعودي باستهداف المرتزقة والخونة أنفسهم إثر هروبهم وفشلهم في تحقيق أيّ تقدم ميداني، في دلالةٍ صارخة على فقدان الثقة بين المتبوع والتابع، بين الأداة والمشغل، وتهاوي مشروع المراهنة على المال السعودي المدنس والتجنيد الرخيص.
ويرى مراقبون أن ترك القتلى والجرحى والعتاد الثقيل خلف الظهر، استراتيجية تتبعها كل الأدوات والتحشيدات التابعة للعدوان الأمريكي السعودي، في كل المراحل، والتي تختصر مشهدها في عبارات التكبير وصيحات المجاهدين اليمنيين الأحرار: “شردوا.. شردوا”، والتي اسقطت كل المفاهيم العسكرية التقليدية حول أهمية الغطاء الجوي والتفوق التسليحي في حسم المعارك.
وفي البُعد النفسي والسياسي، تحمل تصريحات المجاهدين أمام الكاميرات ومن قلب الميدان رسائل استراتيجية متجاوزة لصحراء الجوف؛ فعندما يخاطب أحد الأبطال قيادة العدوان بقوله: “انظر يا ابن سلمان، مدرعاتك تحترق”، وبأن “حقوق الشعب اليمني المحاصر ستُنتزع بالقوة”، يتضح أن هذه المعركة ليست مجرد منازلة عسكرية على رقعة جغرافية، وإنّما هي جزء من معادلة الصمود والردع الشامل.
وبالنتيجة؛ فإنّ انقشاع غبار المعركة بعد 4 أيام، عن 275 بين صريع ومصاب وأسير، و7 طائرات مسيّرة، و85 من الآليات المحترقة والمعطوبة للعدو السعودي في صحراء الجوف، يؤكّد حقيقة ثابتة مفادها أن التضاريس اليمنية، مهما بدت كصحراء مكشوفة، تتحول بفعل الضربات الحيدرية والإرادة الصلبة إلى جغرافية ابتلاع لكل من يستهدف سيادة البلاد؛ لتظل هذه المشاهد درسًا قاسيًّا ومشهدًا متجدّدًا يؤكّد أنّ أيّ محاولة لاحتلال اليمن أو الاستهانة بتضحيات أبنائه ستواجه بانتكاسات متتالية، وخزي لا تمحوه أموال النفط ولا تحميه أرذل الرجال.
