أمريكا تتموضع في القرن الأفريقي بعد انكسارها أمام اليمن.. انكشاف مخططات واشنطن وعجزها عن حماية قواتها
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
7 سبتمبر 2026مـ – 25 ربيع الأول 1448هـ
تكشف التحركات العسكرية الأمريكية الجديدة في القرن الأفريقي عن مساعٍ لإعادة رسم الحضور العسكري في منطقة البحر الأحمر، بعد تراجع فاعلية الوجود الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر، وتحول القواعد العسكرية التي أنشأتها واشنطن على مدى عقود إلى أهداف غير آمنة.
ويأتي توسيع الانتشار العسكري في مناطق مطلة على باب المندب في وقت بات فيه البحر الأحمر نقطة اختناق عالمية تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة الدولية، ما يجعل تحويله إلى ساحة عسكرية مفتوحة تهديدًا مباشرًا لحركة الملاحة.
ويتزامن هذا التوسع مع محاولات إعادة ترتيب المشهد في القرن الأفريقي، حيث تلتقي التحركات الأمريكية مع وجود صهيوني وتوترات داخلية بين الأقاليم الصومالية والحكومة المركزية، فيما يمثل الدفع باتجاه إضعاف المركز وتعزيز الأقاليم والانفصال مسارًا يفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لأمن البحر الأحمر وباب المندب.
وفي المقابل، فرضت القدرات اليمنية واقعًا جديدًا على المعادلة العسكرية في البحر الأحمر، بعدما أظهرت العمليات اليمنية قدرة على تجاوز منظومات الحماية المتعددة، وإجبار الوجود البحري الأمريكي على التراجع، الأمر الذي يدفع واشنطن وحلفاءها إلى البحث عن بدائل برية واستخبارية ومراكز رصد متقدمة، غير أن نقل القواعد من البحر إلى البر لا يلغي خطر استهدافها، ولا يعيد للوجود العسكري الأمريكي الحماية التي فقدها في المنطقة.
إعادة التموضع بعد تراجع فاعلية القواعد والوجود البحري:
وفي هذا السياق يقول مدير مركز المعلومات بدائرة التوجيه المعنوي زكريا الشرعبي إن قراءة موقع إقليم بونتلاند والظروف التي يمر بها القرن الأفريقي، ولا سيما التوتر بين بونتلاند والحكومة المركزية في الصومال، تكشف أهدافًا متعددة وراء الاتفاقية والاستحداث العسكري في المنطقة.
وخلال استضافته على قناة المسيرة، يوضح الشرعبي أن الولايات المتحدة فقدت جدوى وجود قواعدها العسكرية على مستوى الخليج، بعدما أصبحت هذه القواعد أهدافًا سهلة، ولذلك بدأت واشنطن ضمن خططها بإعادة تموضع قواتها إلى مناطق أبعد قليلًا عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأضاف أن الولايات المتحدة فقدت في البحر الأحمر فاعلية وجودها البحري منذ معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، وصولًا إلى انسحاب حاملة الطائرات “يو إس إس هاري ترومان” بعد انكسار البحرية الأمريكية أمام الجمهورية اليمنية.
ويلفت إلى أنه مع تراجع الوجود البحري، بدأت ترتيبات إعادة التموضع في القرن الأفريقي، سواء من جانب الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة، عبر استحداث قواعد عسكرية ومراكز للرصد والمراقبة، بهدف تعزيز الحضور في منطقة البحر الأحمر عبر مناطق عربية.
ويشيرالشرعبي إلى أن اختيار منطقة عربية لإقامة هذه الترتيبات يحمل دلالة إضافية، إذ تحاول الولايات المتحدة إظهار وجود تعاون عربي معها في إطار حضورها في البحر الأحمر، رغم وجود أنظمة تتعاون مع واشنطن، مؤكداً أن ما هو مخطط لا يعني بالضرورة أنه قابل للتحقق، إذ يتمثل المخطط الأمريكي في وضع قاعدة متقدمة ذات طابع قتالي تكون قريبة من الجمهورية اليمنية، بعد أن تراجعت البحرية الأمريكية وحاولت الحفاظ على ما تبقى من هيبتها وعدم تكبد مزيد من الخسائر.
ويرى أن واشنطنتتجه واشنطن إلى استحداث قواعد برية، غير أن هذه القواعد، مهما بلغت تحصيناتها، لن تكون بمنأى عن الضربات إذا اتخذت الولايات المتحدة سلوكًا عدائيًا يستهدف اليمن أو المنطقة، مشدّداً على أن ما حدث للقواعد الأمريكية في الخليج يثبت فقدانها قيمتها وتحولها إلى أماكن غير آمنة للوجود الأمريكي.
عسكرة البحر الأحمر تهدد الملاحة الدولية:
وفي سياق متصل، ينوّه الشرعبيإلى أن هناك تبادلًا في الأدوار والوظائف بين أطراف التحرك في المنطقة، خصوصًا بعد أن أثار الوجود الصهيوني في أرض الصومال ردود فعل عربية، في وقت ما زال فيه كثير من العرب يميزون بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني رغم وجود علاقات وتطبيع من الخلف، مضيفاً أن إقامة الولايات المتحدة قواعد عسكرية في المنطقة تجعل الدول التي اعترضت بصورة شكلية على الوجود الصهيوني في أرض الصومال أقل قدرة على الاعتراض على الوجود الأمريكي، كونها تستضيف أصلًا قواعد أمريكية.
ويحذر من أن عسكرة البحر الأحمر وتحويله إلى منطقة عسكرية سيهددان الملاحة الدولية، لأن الأطراف المستهدفة لن تلتزم الصمت، وإذا تحولت هذه القواعد إلى مصدر تهديد لليمن فإن ذلك سيدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر، مشيراً إلى أن تصاعد التوتر سيؤدي إلى دفع شركات الملاحة بعيدًا عن البحر الأحمر، الذي يمثل نقطة اختناق عالمية تمر عبرها أكثر من 12% من التجارة العالمية و25% من تجارة الحاويات عبر طريق باب المندب.
ويؤكد أن الوجود الأمريكي، مهما كانت عناوينه، يُنظر إليه باعتباره تهديدًا للأمن القومي العربي وأمن المنطقة، وأن توسيع انتشار القواعد واستحداثها يهدد الإقليم بصورة كاملة.
القواعد الأمريكية لا توفر الحماية حتى لذاتها:
ويشدّد الشرعبي على أن على الدول التي تستضيف القواعد الأمريكية أو تعتقد أن هذه القواعد يمكن أن توفر لها الأمان أن تعيد النظر في التجربة الخليجية، حيث أثبتت التطورات أن القواعد الأمريكية لا توفر الحماية، بل لا تستطيع حماية نفسها، معتبراً أن أي قاعدة أو وجود عسكري أمريكي في المنطقة، سواء كان بحريًا أو بريًا، لا يمكن أن يكون محميًا بصورة مطلقة في ظل تطور قدرات خصوم الولايات المتحدة.
ويستشهد بحاملات الطائرات، التي تمثل قاعدة بحرية متنقلة وتحيط بها ثلاث إلى أربع مدمرات، إضافة إلى ثلاث طبقات من الدفاع الجوي ودفاع قريب جدًا، ومع ذلك لم تتمكن هذه المنظومة من توفير الحماية لها.
ويتساءل عن قدرة القواعد الثابتة على الصمود أمام الضربات، خصوصًا أن القواعد الأمريكية في الخليج استُحدثت على مدى عقود، وبُنيت حولها الترسانة العسكرية والتحصينات، ومع ذلك لم توفر الحماية لنفسها ولا للجنود الأمريكيين الذين عادوا، كما قال، بحقائب الظهر هربًا من الصواريخ الإيرانية.
ويلفت الشرعبي إلى أن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة عسكرية كبيرة في جيبوتي، لكنها لم تتمكن من استخدامها في المعركة مع اليمن، ولا سيما في استخدام الطيران المقاتل.
ويشير إلى ما يُقال عن رفض جيبوتي استخدام أراضيها، موضحًا أن صحة ذلك، إن ثبتت، تدل على وعي بأن هذه القواعد لا تستطيع توفير الحماية.
مشروع أمريكي لتعزيز الانفصال في الصومال:
وفي سياق متصل، يؤكدالشرعبي أن المخطط الأمريكي في الصومال ليس خفيًا، وأنه بدأ منذ عقود عبر سعي واشنطن إلى تعزيز التوجهات الانفصالية في الأقاليم الصومالية الفيدرالية بعيدًا عن الحكومة المركزية.
ويوضحأن الولايات المتحدة تتبع حاليًا سياسة مزدوجة، فهي تواصل التعامل مع الحكومة المركزية في مقديشو، وفي الوقت نفسه تتحرك في ظل التوترات الأمنية الكبيرة بين جوبالاند ومقديشو باتجاه بونتلاند، بما يعزز التوجه الانفصالي ويمنح قدرًا من الشرعية المتصورة لهذه التوجهات.
ويضيف أن واشنطن تسعى من خلال ذلك أيضًا إلى تعزيز توجه أرض الصومال، لأن دفع مجموعة من الأقاليم في المسار نفسه وفي الوقت نفسه يؤدي إلى إضعاف الحكومة المركزية.
ويتطرق إلى أن قائد العمليات في القيادة الأفريقية زار منطقة أرض الصومال قبل توقيع الاتفاقية بيومين، رغم إعلان مقديشو أن هذا الكيان انفصالي ودعوتها إلى عدم التعامل معه، ثم استمرت التحركات وصولًا إلى استضافة الولايات المتحدة لزعيم إقليم أرض الصومال في إطار ترتيبات إقليمية تخدم الأهداف الصهيونية المرتبطة بتفتيت الدول العربية واستهداف الأمن القومي العربي.
القرن الأفريقي وسيلة قديمة لإعادة تقسيم المنطقة:
ويضع الشرعبي هذه التطورات ضمن تاريخ طويل من استهداف القرن الأفريقي من جانب الكيانات الغربية منذ حقبة الاستعمار، مشيرًا إلى أن الصومال جرى تقسيمه من قبل إيطاليا وفرنسا، ثم جرى تقسيم السودان.
ويقول إن الكيانات الوظيفية يعاد اليوم تدويرها ومنحها مهام جديدة لتعزيز التقسيم والتفرقة في المنطقة، خصوصًا في المناطق الحيوية المطلة على مضيق باب المندب.
وينوّه إلى أن تسلسل الأحداث خلال الأشهر الأخيرة يكشف عن تحركات متزامنة على ساحل البحر الأحمر من جهة أفريقيا، بدأت بمحاولات استحداث قاعدة عسكرية في إريتريا وإعادة رسم الأدوار فيها، ثم الاعتراف الصهيوني بإقليم أرض الصومال، وصولًا إلى التطورات والاستحداثات الأمريكية في بونتلاند.
ويرى أن هذه التحركات تكشف مخططًا كبيرًا لدى واشنطن والكيان الصهيوني لتعزيز وجودهما في جنوب البحر الأحمر، مؤكدًا أن البحر الأحمر لطالما كان هدفًا صهيونيًا.
إعادة رسم قواعد الاشتباك بعد التحول اليمني:
وفي المحور الأخير من حديثه، يؤكدالشرعبي أن التطورات التي أعقبت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر ومعركة الفتح الموعود والجهاد المقدس دفعت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى إعادة التفكير في ترتيبات المنطقة، بعد أن رسخت العمليات اليمنية الوجود اليمني وأزالت الهيمنة الأمريكية وكسرتها، وكذلك الوجود الصهيوني.
ويبيّن أن التحركات الحالية تأتي في إطار محاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك أو تغيير الواقع الجيوسياسي في المنطقة، إلا أن ذلك سيصطدم بحقائق الواقع الجديد الذي ترسمه القوى الحرة ومحور الجهاد والمقاومة.
ويذكّرالشرعبي بأنه خلال معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس جرى استحداث مراكز للرصد والإنذار المبكر في إقليم بوصاصو بمساعدة دولة الإمارات، التي كانت تسيطر على ساحل بوصاصو ومينائها ومطارها، ورغم هذه الاستحداثات والتواجد الاستخباراتي، فإنها لم تتمكن من إيقاف العمليات اليمنية أو الحد منها أو تقليص فاعليتها.
ويوضحأن مراكز الإنذار المبكر قد تمنح وقتًا محدودًا للإنذار أو الاستعداد، لكنها لا تستطيع الحد من فاعلية العمليات اليمنية، خصوصًا مع تطور استخدام القدرات العسكرية وتنوعها وفق طبيعة الأهداف، وفشل طبقات الحماية في التصدي لها.
ويتساءل الشرعبي عن جدوى الإنذار المبكر إذا فشلت طبقات الحماية والدفاع الجوي، موضحًا أنه قد يوفر تحصينات أو صفارات إنذار في الكيان الصهيوني، لكنه لا يوفر حماية مطلقة، ولا يعيد مفهوم “السماء النظيفة” إلى الكيان الصهيوني، ولا يعيد الأمن إلى القطاعات البحرية الأمريكية في حال استئناف أو تصعيد العمليات باتجاه الجمهورية اليمنية.
وفي ختام حديثه، يخلص مدير مركز المعلومات بدائرة التوجيه المعنوي، إلى أن التحركات الأمريكية في المنطقة وفي القرن الإفريقي باتت مكشوفة وبلا جدوى، مؤكداً ان المتغيرات التي فرضتها قوى محور الجهاد والمقاومة باتت تلاحق كل المخططات الصهيوأمريكية وصولاً إلى إفشالها.
