شمس ربيع سيد الأنام: تجليات الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العالم العربي

4

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
24 أغسطس 2026مـ – 11 ربيع الأول 1448هـ

حين يطلّ هلال “ربيع الأنوار”، تتغير ملامح الأيام وتتوشح الشوارع والقلوب بنور الشوق والحنين إلى صاحب المقام الأجل؛ فتهتز القلوب شوقاً وتفيض المجالس ذكراً، ويتحول ربوع الفضاء العربي إلى لوحات حية تنبض بحب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتتعدد الألسنة وتتنوع الطقوس والتفاصيل الشعبية، لكنها جميعاً تصب في نهر واحد صافٍ عنوانه التعظيم والاحتفاء بمولد خير البرية.

اليمن

في اليمن، تأخذ احتفالات المولد النبوي الشريف طابعاً استثنائياً واسع النطاق يمتزج فيه العمق التاريخي والروحي بالتفاعل الشعبي الضخم، المستند إلى خصوصية فريدة وعميقة ارتبطت بالنبي والرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحبه لليمن واليمنيين قبل غيرهم، انطلاقاً من الأوس والخزرج أنصار المصطفى، وحب أهل اليمن المتأصل له منذ فجر الإسلام.

في ذكرى المولد النبوي الشريف تحولت العاصمة صنعاء والمحافظات اليمنية الحرة إلى لوحات بصرية مذهلة ما قبل المناسبة بأسابيع. فاكتست الشوارع والميادين والسيارات والواجهات وكثير من المنازل والأحياء بحلة ضوئية خضراء واسعة، وعُلقت الأعلام والرايات الخضراء والبيضاء على المحال والمباني والجسور وأعمدة الإنارة، وتُضاء الأسطح والأبراج والمؤسسات الحكومية والخاصة بالأنوار الخضراء والزينة الضوئية الكثيفة التي تغطي مساحات كبيرة بأضوائها المبهرة للحد الذي ترى فيه أفق المدينة أخضراً زاهي اللون.

وفي قلب هذه الأجواء، تنتظم مواكب السيارات الضخمة التي تطوف الشوارع مزينة بالأضواء الخضراء الكثيفة واللافتات المعبرة، بينما تُجهز ساحات ضخمة ومخصصة في المحافظات لاستقبال الحشود المليونية. وتنظم المؤسسات والمساجد والمدارس والجامعات حلقات دراسية وفعاليات ثقافية مكثفة طوال شهر ربيع الأول لاستعراض السيرة النبوية العطرة، وأخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشمائله.

كما تألقت الفنون التراثية اليمنية الأصيلة في هذه المناسبة بشكل لافت وكبير؛ إذ تُؤدى الأناشيد الدينية، والموشحات، والزوامل الشعرية الشعبية التي تحمل أزكى الكلمات في مدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والافتخار بنهجه القويم. ومع حلول مساء ليلة المولد استعداداً للحدث العظيم، تدشن العاصمة ومختلف المحافظات الحرة استقبال اليوم المبارك بإطلاق الألعاب النارية والعروض البحرية الضخمة في المناطق الساحلية، لتضيء الأنوار والشهب الأفق وسط أجواء فريدة. وتتوج هذه الاحتفالات يوم الثاني عشر من ربيع الأول بتجمع جماهيري حاشد ومهيب يملأ الساحات المركزية الكبرى بالملايين، حيث يتخلل هذا اليوم الاستثنائي استعراضات كبرى، وكلمات خطابية أبرزها كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، متبوعة بالهتافات الجماعية المعبرة بصدق عن حب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسط تنظيم دقيق وأجواء احتفالية فريدة لا نظير لها.

العراق

في العراق، تتركز الاحتفالات الكبرى وواجهتها الأشهر في قلب العاصمة بغداد، ومدينة الأعظمية التاريخية التي تتحول إلى محطة استثنائية وقبلة رئيسية للمحتفلين القادمين من مختلف المحافظات العراقية لإحياء هذه الذكرى العطرة. وبعد غروب شمس ليلة المولد، يبدأ أحد أبرز المشاهد التراثية المتمثل في مسيرة الشموع والزغاريد، حيث ينطلق الشبان والأطفال والنساء في مسيرات عبر أزقة الأعظمية حاملين الصواني الموقدة بالشموع والزينة، مرددين التواشيح والمدائح النبوية على وقع الدفوف، بينما تقابلهم السيدات من أسطح المنازل والبيوت بالأهازيج والفرحة.

وعلى الصعيد الخدمي والاجتماعي، تبدأ الفرق التطوعية عملها منذ ساعات الصباح الأولى، فتُنظم حملات ختان الأطفال المجانية، وتُمد قدور الطعام وتُوزع حلوى الزردة العراقية الشهيرة المصنوعة من الأرز والزعفران والهيل على المارة والبيوت. ولا يقتصر الاحتفال على الأعظمية وحدها، بل تمتد المظاهر لتشمل بغداد وجميع المحافظات العراقية كالموصل، وكركوك، وإقليم كردستان، والبصرة، حيث ترفع الرايات، وتُضاء الشوارع بالمصابيح الملونة واللافتات التي تحمل عبارات الحب النبوي ووحدة الصف الإسلامي.

أما في المدن الدينية والتاريخية في العراق، فتتخذ الاحتفالات طابعاً فريداً وعميقاً تمتزج فيه الروحانية بالبهجة الواسعة، ولا سيما في كربلاء المقدسة، والنجف الأشرف، والكاظمية، وسامراء، حيث تتزامن وتتداخل هذه المناسبة غالباً مع ذكرى ولادة الإمام جعفر الصادق عليه السلام. ففي كربلاء المقدسة، تكتسي العتبتان الحسينية والعباسية حلة استثنائية مذهلة؛ حيث تُغطى الجدران والساحات الخارجية بآلاف الأمتار من الأقمشة الخضراء الفاخرة، وتُعلق الزهور الطبيعية والأنوار الضوئية واللافتات الضخمة التي تتغنى بذكرى مولد خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأهل بيته الأطهار، وتقام المهرجانات الشعرية الكبرى والحفلات المركزية داخل الصحن الشريف بينما تنتشر المواكب الخدمية والسرادق لتقديم وجبات الطعام الفاخرة والحلويات للزوار.

أما في النجف الأشرف والكوفة، فتشهد الحوزة العلمية والمدارس الدينية مجالس علمية وندوات مباركة تسلط الضوء على السيرة النبوية الشريفة وأخلاق النبي العطرة، إلى جانب تنظيم مسابقات حفظ القرآن والسيرة، بينما تنشط الأسر النجفية في إعداد وتوزيع أطباق الطعام والحلويات التقليدية على الجيران والمحتاجين. وفي الكاظمية ببغداد، يحيي الأهالي والزوار المناسبة داخل الصحن الكاظمي الشريف وفي أزقة وشوارع المدينة التي تزينها الأنوار والرايات. بينما تشهد سامراء والعتبة العسكرية فيها فعاليات إحياء ليلة المولد عبر تلاوة القرآن الكريم ومجالس المدح النبوي.

مصر

في مصر، تتجسد مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في لوحة شعبية وروحانية دافئة تبدأ بتزيين الشوارع والواجهات بالأنوار الملونة والرايات الخضراء، وتُنصب السرادقات والخيام الضخمة حول مساجد آل البيت كالإمام الحسين والسيدة زينب، حيث تفوح عطور البخور وتصدح أصوات المداحين وقصائد البردة في حلقات ذكر تحيط بها موائد “الخدمات” العامرة بالأغذية التقليدية كالمرق واللحوم والوجبات الكبيرة التي توزع على المحتاجين والزوار تبركاً بمناسبة مولد الرسول الأعظم.

أما الأسواق والشوارع فتتحول إلى كرنفال بصري وذوقي مذهل مع انتشار شوادر حلاوة المولد التي تعرض أشكالاً وأصنافاً لا تحصى؛ بدءاً من أقراص السمسمية، والفولية، والحمصية، مروراً بالملبن السادة والمحشو بالفستق واللوز والمغطى بجوز الهند، وصولاً إلى الملبن الجيلي الملون، والبسيمة، وقِطع القشطة والعروسة المصنوعة من السكر أو المشابك المقرمشة المغموسة في العسل الصافي.

الجزائر

في الجزائر، تكتسي المدن والقرى حلة استثنائية لتتحول إلى خلايا نحل لا تهدأ، حيث تضاء الشموع في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول داخل المنازل وتفوح أرجاؤها وأرجاء المساجد بأعذب روائح البخور والعنبر والمسك.

وتتنافس الزوايا القرآنية، لا سيما في الجنوب الكبير كـ أدرار وتيميمون ومدن الشرق والغرب كمستغانم وقسنطينة، في إقامة ما يُعرف بـ “السلكات” لختم القرآن الكريم جماعياً عدة مرات، وتوزيع الإجازات على حفظة كتاب الله، إلى جانب إحياء الليالي الأندلسية ومدائح السيرة النبوية، فضلاً عن إقبال العديد من العائلات على إتمام مراسم ختان الأطفال في هذه الليلة المباركة.

المغرب

في المغرب، تأخذ احتفالات المولد النبوي الشريف، المعروف محلياً باسم “العيد الكبير الثاني” أو “سيد الميلود”، طابعاً تاريخياً وروحياً عريقاً تتداخل فيه التقاليد المرينية والسعدية والعلوية، حيث تبدأ الاستعدادات قبل المناسبة بأسابيع لتتحول المدن والقرى المغربية إلى خلايا نحل حية تفيض بالبهجة والسكينة.

وفي قلب هذه الأجواء، يُعد كرنفال “موكب الشموع” الأسطوري في مدينة سلا بالعاصمة التحفة الأشهر للمناسبة، وهو تقليد عريق انطلق منذ عهد السلطان السعدي “أحمد المنصور الذهبي”. لا تشبه هذه الشموع تلك المستخدمة للإنارة العادية، بل تُسبك وتُثبت على هياكل خشبية ضخمة تتخذ أشكال صوامع ومآذن وقبب مستوحاة من فن العمارة الإسلامية. يتراوح وزن الشمعة الواحدة بين 15 إلى 50 كيلوغراماً، وتكسى بورق أبيض مطرز بأزهار شمعية ملونة ومكتوبة عليها عبارات مثل “الله جل جلاله” و”بركة محمد”. وبعد صلاة عصر يوم الحادي عشر من ربيع الأول، ينطلق الموكب الضخم من السوق الكبير بمدينة سلا وسط قرع الطبول وأهازيج الموسيقى الأندلسية وفرق المداحين وصولاً إلى ضريح الولي الصالح “ملاي عبد الله بن حسون”.

ولا تقل البيوت المغربية حيوية؛ إذ تبدأ طقوس الصباح وفجر المولد في بعض المدن العريقة كفاس ومراكش باستيقاظ النساء قبل بزوغ فجر الثاني عشر من ربيع الأول ليصعدن إلى سطوح المنازل ويطلقن الزغاريد العطرة وأهازيج الصلاة على النبي إعلاناً بقدوم العيد. وفي هذا الصباح، يتأنق الصغار والكبار بأبهى الثياب المغربية الأصيلة، بينما يحصل الأطفال على “العيدية” والهدايا.

تونس

أما في تونس، فتُعد مدينة القيروان التاريخية المحطة المركزية الكبرى والقطب الإسلامي الأبرز، حيث تتوافد حشود ضخمة من داخل البلاد وخارجها على جامع عقبة بن نافع التاريخي والمقامات؛ لتعقد هناك مئات البرامج الدينية، ومسابقات حفظ القرآن.

وعروض الفرق والأنوار الضوئية، بينما تنتعش أسواق المدينة تجارياً ليتصدر المشهد حلوى “المقروض القيرواني” الشهير بالتمر والسمسم إلى جانب المعارض الحرفية والفلكلورية.

السودان

وفي السودان، لدى الاحتفال خصوصية شعبية عميقة، حيث يُعد ميدان الخليفة بمدينة أم درمان مركز الثقل التاريخي للاحتفالات، وتُنصب الخيام والخدمات الضخمة قبل المناسبة بأيام. وهناك تنطلق “زفة المولد” الكبرى لتجوب الشوارع على وقع قرع الطبول وتصدح حناجر المشاركين بالمدائح السودانية الفريدة في حب النبي.

بينما تملأ الساحات أجواء البهجة بحضور “حصان المولد” و”عروس السكر” التقليدية المصنوعة خصيصاً لإسعاد الأطفال، ويتم توزيع وجبات الطعام الجماعية الكبرى وأبرزها وجبة “الثريد” على الزوار والمحتاجين مجاناً.

بلاد الشام (سوريا، الأردن، فلسطين)

وفي بلاد الشام، تتخذ المناسبة طابعاً روحياً واجتماعياً متأصلاً، حيث تكتسي الجوامع الكبرى في دمشق، وعمان، والقدس بالأنوار، وتُعقد مجالس السيرة النبوية العطرة بعد صلاة المغرب والفجر طوال شهر ربيع الأول. وتخرج فرق الإنشاد الديني مرتدية الأزياء التراثية في شوارع الأحياء العتيقة مرددة الموشحات الأندلسية والابتهالات المرتبطة بمدح المصطفى.

ويحرص أصحاب المحال والتجار على إعداد وتوزيع الحلويات الشعبية الطازجة مثل “المشبك” المقرمش، والنمورة، والكنافة على المارة والأطفال في الشوارع ابتهاجاً وإدخالاً للسرور في قلوب الجميع.

موريتانيا

في موريتانيا، يُطلق على هذه المناسبة اسم “المولودية” أو “المولد”، وتتحول البلاد إلى منارة علمية وروحية كبرى؛ حيث تُنظم المحاضر والزوايا (خاصة في مدن مثل شنقيط ووادان وتيشيت وكيفة) ولا تقتصر هذه الفعاليات على المديح المحمدي فحسب، بل تُخصص لدراسة السيرة النبوية وشرح الشمائل المحمدية وقصيدة البردة وتحقيق متونها حفظاً وشرحاً بحضور كبار العلماء والطلاب.

وعلى الصعيد الاجتماعي، تقيم الأسر الموريتانية مآدب طعام كبرى تتصدرها أطباق “الكسكسي الموريتاني” باللحم، وتبادل الزيارات وصلة الرحم، بينما يتسابق الشعراء والأدباء لإلقاء قصائد “المديح النبوي” الفصيح والحساني (الغنيمات) التي تتغنى بحب النبي صلى الله عليه وسلم في أمسيات ثقافية وروحية تملأ ليالي ربيع الأول سحراً ودفئاً.

سلطنة عمان

أما في سلطنة عمان، فتتنوع مظاهر الاحتفال بين الفعاليات الرسمية والمجتمعية ذات الطابع الوقور؛ حيث تحظى المناسبة باهتمام رسمي وشعبي واسع وتُعد عطلة رسمية مدفوعة الأجر، حيث تقام الندوات والمحاضرات في المساجد والجامعات التي تسلط الضوء على الدروس المستفادة من السيرة النبوية، وتبادل الزيارات وتوزيع الحلويات العمانية الشهيرة والقهوة.