أكاديمي جزائري: بناء الإنسان بالقرآن يكتمل بالعمل واليمنيون يقدمون نموذجاً في تحويل الإيمان إلى موقف

4

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

16 أغسطس 2026مـ – 3 ربيع الأول 1448هـ

أكد الباحث والأستاذ الجامعي الجزائري الدكتور نورالدين أبولحية أن التجربة اليمنية في مواجهة التحديات والحروب والضغوط تكشف أهمية ارتباط الإيمان بالقرآن الكريم بالموقف العملي في الواقع، مشدداً على أن التزكية وبناء الإنسان وفق المنهج القرآني لا يمكن أن ينفصلا عن مواجهة الظلم والطغيان ونصرة المستضعفين.

وفي مداخلة على قناة المسيرة،أوضح الدكتور أبولحية أن الإنسان لا يُبنى بمجرد الاستماع إلى الدين أو ممارسة العبادات بمعزل عن الواقع، وإنما من خلال منهج متكامل يبدأ بالقرآن الكريم والتزكية والتعليم والحكمة، ويتحول إلى سلوك وموقف واختبار عملي، مؤكداً أن ما يميز الإنسان الذي استوعب المنهج القرآني هو قدرته على الثبات أمام الفتن والطغيان وعدم الخضوع للخوف من البشر.

 

اليمن يقدم نموذجاً للثبات:

وأشار إلى أن ما تشهده اليمن من حروب وضغوط، بالتزامن مع احتفاء اليمنيين بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يقدم مشهداً يجمع بين الفرح بالمناسبة والاستعداد لمواجهة التحديات، لافتاً إلى أن مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي والمسيرات والمواقف التي يسجلها اليمنيون تعكس حالة من الطمأنينة والثبات رغم ما تعرض له البلد من حروب.

وقال إن مشاهد اليمنيين وهم يحتفون بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في الوقت الذي يعيش فيه المسجد الأقصى وفلسطين ظروفاً صعبة، تكشف أن الإيمان الحقيقي يظهر في المواقف، موضحاً أن علامة الإيمان هي ألا يخاف الإنسان إلا الله، وألا تتحول الضغوط والحروب إلى سبب لإفقاده ثقته بالله.

وأضاف أن الاعتداءات الأمريكية البريطانية الصهيونية السعودية التي تعرضت لها اليمن، مؤكداً أن كثرة الحروب التي شنت عليها لم تمنع ظهور لغة هادئة ومطمئنة لدى السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي والشعب اليمني.

وأشار إلى أن اليمنيين يعيشون في الوقت نفسه أجواء الاحتفاء بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويظهر الفرح على وجوههم، فيما يواصلون حضورهم في المسيرات والمواقف المرتبطة بالقضية الفلسطينية، معتبراً أن هذا الجمع بين الفرح بالمناسبة والثبات في مواجهة التحديات يعكس حالة إيمانية.

وتابع قائلاً: إن علامة الإيمان أن يكون الإنسان خائفاً من الله وحده، لأن من يخاف البشر أكثر من خوفه لله يجعل البشر في نفسه أكبر من الله، بينما الإيمان الحقيقي يجعل الإنسان يرى قوة الله وعظمته فوق كل قوة.

 

التزكية القرآنية تتجاوز العبادات المنعزلة:

وبيّن أبولحية أن وظائف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في التلاوة والتزكية والتعليم والحكمة تمتد في الأمة عبر الصالحين والأئمة والخلفاء الذين يقومون بهذا الدور، لأن النبوة ليست مرتبطة بعصب أو جيل محدد، وإنما يستمر أثرها ومنهجها إلى نهاية الدنيا.

وأكد أن التزكية لا يمكن أن تكون اجتهاداً شخصياً منفصلاً عن القرآن، موضحاً أن الخطأ الذي وقع في جانب من التاريخ الإسلامي تمثل في فصل التزكية عن الكتاب، حتى أصبحت التقوى لدى البعض ممارسة شخصية تقتصر على الابتعاد عن بعض الشبهات والكبائر، بينما يغيب عنها موقف الإنسان من الظالمين والطغاة.

وقال إن من يترك مواجهة الظلم والطغيان ثم يقدم نفسه بوصفه صالحاً أو ولياً أو عارفاً بالله، لا يجسد مفهوم التزكية القرآنية، لأن التزكية الحقيقية يجب أن تكون محكومة بما يحدده القرآن من مسؤوليات وقضايا ومواقف.

وأضاف أن بعض المظاهر التي ارتبطت بالتزكية في التاريخ الإسلامي تأثرت بآثار وممارسات من خارج المنهج القرآني، حتى صار مفهوم التزكية لدى البعض اجتهاداً منفصلاً، مشدداً على أن أي ممارسة أو سلوك يتعارض مع القرآن لا يصح أن يحمل اسم التزكية مهما كان الشخص الذي يمارسها.

ولفت إلى أن الإمام الحسين عليه السلام بيّن خطورة هذا الانفصال من خلال موقفه في مواجهة الطغاة، مشيراً إلى أن التاريخ شهد أشخاصاً انشغلوا بالعبادات وابتكروا ممارسات دينية جديدة، بينما تركوا مواجهة الظالمين، ومنهم من ترك الإمام علي عليه السلام في مواجهة الطغيان.

وجزم بأن المنهج القرآني يمنع الإنسان من أن يعبد الله وفق هواه أو أن يبني نفسه وفق تصوراته الخاصة، لأن الله أعلم بالنفس وبما يصلحها، ولذلك فإن العلم والحكمة والجهاد والتزكية وكل مجالات حياة الإنسان يجب أن تكون مرتبطة بالقرآن الكريم.

بناء الإنسان عملية تفاعل مع الواقع:

وتطرق أبولحية إلى أن القرآن الكريم يقدم بناء النفس بوصفه عملية تفاعل بين الإنسان والواقع، مشبهاً ذلك بالتفاعلات الكيميائية التي تحتاج إلى عناصر وشروط معينة حتى تنتج نتيجة محددة.

وأوضح أن الإنسان يتفاعل مع البيئة والظروف والاختبارات التي يمر بها، ومن خلال ذلك يتحدد ما إذا كان سيخرج إنساناً صالحاً أو خبيثاً، مؤكداً أن الوصول إلى الكمال الإنساني يتطلب تفاعلاً إيجابياً مع الواقع وعدم الهروب منه.

وقال إن الفتن والاختبارات جزء من الحياة، وإن المطلوب من الإنسان ألا يسعى إلى العزلة عنها، وإنما أن يستعد لها حتى لا تضلله، مستشهداً بما تعيشه غزة واليمن وما يرتبط بالمواقف من قضايا المنطقة باعتبارها اختبارات إلهية تكشف حقيقة الناس ومواقفهم.

وأشار إلى أن الشخص قد يتحدث عن المحبة والانتماء إلى أهل البيت ويبكي ويتأثر وجدانياً، لكن ذلك لا يكفي إذا لم يثبت عند الاختبار، مستشهداً بقصة الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، باعتبار أن سقوط الإنسان في الاختبار يكشف حقيقة ما كان عليه.

وأكد أن قيمة الشهداء والثابتين والمجاهدين تظهر في ساحات الاختبار، وأن الأنبياء وأولياء الله واجهوا الطغاة ولم يكتفوا بالعبادة الفردية.

 

الزهد الذي يعزل الإنسان عن قضايا الأمة لا يمثل المنهج القرآني:

وانتقد أبولحية الفهم الذي يحصر الزهد والتزكية في الابتعاد عن السياسة وقضايا المجتمع، مشيراً إلى وجود أشخاص يحرصون على مظهر ديني معين، ويقبل الناس أيديهم، لكنهم عندما يتعلق الأمر بالسياسة يقولون إنهم زاهدون وبعيدون عنها.

وأوضح أن السياسة في المفهوم الذي يطرحه القرآن تعني حماية المستضعفين والوقوف في مواجهة المستكبرين، وأن الأنبياء لم يكتفوا بالصلاة والصيام والعبادة، وإنما واجهوا المستكبرين وجاهدوا في سبيل الله.

واستشهد بموقف الإمام الحسين عليه السلام عندما ترك الحج وتوجه إلى المواجهة، مؤكداً أن ذلك الموقف كان رسالة للأمة بأن مواجهة الطغيان جزء من الدين، وأن العبادة لا تنفصل عن المسؤولية تجاه الواقع.

وانتقد كذلك من يكثرون من أداء العبادات والعمرة وإنفاق الأموال عليها، ثم يتصورون أن ذلك وحده يكفي لبناء النفس والفلاح، بينما يغيب عنهم الموقف من قضايا الأمة والظلم والاستكبار.

وفي المقابل، أكد أبولحيةأن علاقة الإنسان بالله تمنحه الأمن والثقة النفسية، لكن هذه الثقة لا تتحقق بمجرد ترديد القرآن، مشيراً إلى أن قيام الليل، على سبيل المثال، يقوم أساساً على قراءة القرآن وتدبره والتعبد به، وليس مجرد ترديد الحروف واحتساب الأجر بمعزل عن فهم ما يقرأه الإنسان والعمل به.

وأكد أن بداية الطريق مهمة، وأن بناء الإنسان يبدأ من القرآن، مستشهداً بسورة المزمل وما تضمنته من قيام الليل والتعبد والتهيؤ لحمل القول الثقيل، إضافة إلى ارتباطها بالجهاد في سبيل الله، بما يؤكد أن مفهوم التزكية شامل للإنسان كله.

وقال إن الإنسان لا يمكن عزله عن البيئة والواقع، لأن تفاعله مع الأشياء والأحداث هو الذي يسهم في تربية نفسه، حتى إن مواجهة الأعداء للإنسان يمكن أن تتحول إلى عامل في بنائه وتقويته إذا تعامل معها بصورة صحيحة.

وأشار إلى قصة أصحاب الرسول الذين قيل لهم إن الناس قد جمعوا لهم فاخشوهم، فزادهم ذلك إيماناً، وإلى موقف إبراهيم عليه السلام عندما واجه الملك وألقي في النار، مبيناً أن الثقة بالله جعلت النار برداً وسلاماً عليه.

 

القرآن معيار التزكية وليس مجرد كتاب للتلاوة:

وشدد أبولحية على أن القرآن الكريم لا يريد من الإنسان أن يكتب حروفه أو يقرأها فقط، وإنما يريد أن يعيش مضامينه ويتحرك وفقها، موضحاً أن القرآن يمثل الإنسان النظري، بينما الإنسان الذي يتجسد فيه يمثل القرآن العملي، وأن من يترك آية واحدة ولا يطبقها لا يكون قد حقق التزكية التي يطلبها القرآن.

وتطرق إلى إن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي كان يتساءل كيف يمكن للإنسان أن ينام وهو يقرأ القرآن الذي يأمر بمواجهة الطغاة، مشيراً إلى أن القرآن يقود إلى حركة تنهض بالأمة وتعمل على تغيير واقعها.

وأضاف أن القرآن الكريم يرتبط بالعزة والمجد والكرامة، وأن هذه الصفات لا تبقى في النص وحده، وإنما تظهر في الأشخاص الذين يتلبسون بالقرآن ويقرأونه ويعملون به ويحققون دعوته.

وأكد أن التزكية القرآنية تتطلب تجسيد صفات العدل والرحمة والكرامة والإباء والعزة، وأن الإنسان الذي يريد أن يبني نفسه وفق مزاجه الخاص يشبه من يحاول تشغيل آلة معقدة دون امتلاك دليل تشغيلها أو معرفة هندستها، بينما القرآن هو الدليل الذي يحدد للإنسان كيفية بناء نفسه.

 

الاختبارات تكشف حقيقة الإنسان:

ونوّه إلى أن الإنسان يخضع للاختبار في كل لحظة، وأن الاختبار قد يظهر في مواجهة الظلم أو في المواقف التي تتعرض فيها الأمة للخطر، مبيناّ أن الإنسان إذا سقط في الاختبار فقد أخفق في التقوى وفي الوقوف مع الحق.

وأكد أن الصفات التي يجب أن تظهر في الإنسان المؤمن لا تقتصر على العبادة، وإنما تشمل العدل والرحمة والكرامة والإباء والعزة، لأن هذه المعاني هي التي تكشف حقيقة التزكية، مضيفاً أن القرآن الكريم يريد من أتباعه أن يتحولوا إلى نموذج عملي له، وأن يصبح الإنسان قرآناً متحركاً في حياته، بحيث تتحول آياته إلى مواقف وسلوك.

وانتقل أبولحية إلى مفهوم طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مؤكداً أن الرسول ليس قائداً لزمن محدد انتهت علاقته بالأمة بانتهاء عصره، وإنما هو القائد الحقيقي للأمة في جميع الأجيال من خلال القرآن والمنهج الذي جاء به.

وأوضح أن اختزال علاقة المسلمين بالرسول في زمن الصحابة فقط يؤدي إلى فصل الأجيال اللاحقة عن قيادته، بينما المطلوب أن يعيش المسلمون طاعته في واقعهم وأن يجعلوا سيرته معياراً لمواقفهم.

وأشار إلى أن الطاعة الواعية تقتضي أن يسأل الإنسان نفسه في كل موقف: ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفعل لو كان حاضراً في هذا الواقع؟ مؤكداً أن هذا السؤال يجب أن يوجه السلوك والموقف.

ولفت إلى ما ورد من أحاديث عن اليمن وفارس ونجد، معتبراً أن التعامل معها يجب أن يكون من منطلق الطاعة للرسول والتسليم لما جاء به، لا بقراءتها ثم تجاهل مضمونها.

وشدّد علىأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ترك للأمة كتاب الله وعترته أهل بيته، وأن تعظيم الرسول وطاعته تقتضي الالتزام بما تركه للأمة، معتبراً أن هذه العناصر تمثل أركاناً مترابطة، وأن إسقاط جزء منها يؤثر في اكتمال البناء.

تمسُّك اليمنيين بالقرآن جعلهم في الموقع المتقدم لحماية الأمة:

وفي المحور الأخير من مداخلته، أكد أبولحية أن الذين تمسكوا بالقرآن وبولاية الله ورسوله وولاية أهل الهدى لم يخضعوا للحرب الناعمة، ولم يستسلموا للمخططات الأمريكية، موضحاً أن الشعب اليمني بقيادة السيّد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يقدّم هذا النموذج ويواجه المؤامرات في الوقت الذي يحرص فيه على نصرة شعوب الأمة.

وقال إن هؤلاء هم الذين واجهوا مشاريع الهيمنة ومنعوا الكيان الصهيوني من المضي في مشروع ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، وواجهوا مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد” وأصبحوا في موقع يخلص البشرية من الهيمنة الأمريكية.

واختتم حديثه بتجديد التاكيدعلى أن بناء الإنسان وفق القرآن لا يمكن أن ينفصل عن الواقع، وأن التزكية الحقيقية تظهر عندما يتحول الإيمان إلى ثقة وثبات وموقف وعمل، وعندما يصبح القرآن منهجاً عملياً يقود الإنسان في عبادته وعلاقته بالله وموقفه من الظلم والطغيان وقضايا أمته.