حصار العدو السعودي لـميناء الحديدة يفقد 6000 عامل مصدر رزقهم

8

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
10 أغسطس 2026مـ – 27 صفر 1448هـ

خمسيني يستند على كرين مدمر، وآخر يقف على الرصيف المقابل لماء البحر، يراقب بعينيه في كل اتجاه عله يرى أثر سفينة مقبلة تمنحه فرصة عمل حمالة يشتري بها الخبز لأطفاله المتضورين جوعاً حين عودته للمنزل.

لكن الحصار السعودي على موانئ الحديدة خيب أمله وزاد إحباطه؛ فهوت يده -التي كان يصوب بها رؤيته المتفحصة في الافاق البعيدة من على حاجبيه- على جنبه، ومعها مشاعر اليأس والجوع وتحطم الآمال، فيجر خطاه المتباطئة، ونظره على الأرض ولسان حاله يقول: “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

أخذ جسده دورة كاملة ملقياً للبحر ظهره، ومتجهاً نحو زملائه المستظلين بجدار الرصيف من أشعة الشمس، ونظراتهم الكسيرة تحنو نحوه تقدر الإجابة التي عهدوها كل صباح، بأنه لا سفينة في عباب البحر يمكنها الرسو بمينائهم، وأن الحصار على الشعب اليمني وصل حد أمعائهم الفارغة من الطعام وبيوتهم الخالية من الدقيق وأبسط مقومات الحياة.

ومع وصول الشمس كبد السماء، تنهض مجاميع من عمال الميناء لمعاودة البصر كرتين نحو أفق البحر وأخر نقطة لنظرهم على الأمواج، علها نظرة الوداع لأمل لم يأتِ بعد؛ فتعود نظراتهم نحو وجوه بعضهم البعض، ولغة قلوبهم: “لا فائدة، علينا الصبر والعودة فارغي اليدين” كما هي العادة.

استهداف ميناء الحديدة بالقصف والتدمير والحصار المستمر منذ اثني عشر عاماً أفقد 6000 عامل يعيلون أكثر من 6000 أسرة (أطفالاً ونساءً وكبار سن) مصدر رزقهم وقوت يومهم، في جريمة حرب مكتملة الأركان قررت منعهم من البقاء وإبادتهم جوعاً، وجمعت بين استهداف شريان الحياة لليمنيين، والحرب الموجهة التي تستهدف الأيدي العاملة، والحصار الذي أفقد هؤلاء العمال أعمالهم، وخلف آثاراً اقتصادية واجتماعية وإنسانية وتبعات صحية يصعب تجاوزها في المدى المنظور.

عبده هبة حمود مزجاجي، أحد عمال الأجر اليومي في ميناء الحديدة، يقول بكلمات شاكية تحز في النفوس وترق لها القلوب، على شاشة “المسيرة” الفضائية: “أعمل في الميناء منذ أكثر من اثنتين وعشرين سنة، وكنا قبل الحصار على ميناء الحديدة شغّالين لا نتوقف عن العمل، وكان مدخلنا الرئيسي هو الميناء، واليوم أصبحنا ننتظر قدوم باخرة بعد ستة إلى سبعة شهور، ويأتينا العمل ونحن منهكون وأجسادنا لا تتحمل من تبعات الجوع وصعوبة الظروف، والجميع لا يقبلوننا أو يقدمون لنا سلع غذاء بالأجل؛ فأصبحنا في حصار ومشردين عن العمل، وما نحصل عليه من تلك الباخرة يكفي بالكاد لمصروف يوم واحد، فنحن واقفون عن العمل لا نعرف أين نذهب”.

بدوره، يقول حمود مزجاجي، عامل آخر من عمال الحركة في ميناء الحديدة: “كنا نشتغل أسبوعياً وشهرياً قبل العدوان، والآن بعد العدوان والحصار على موانئنا ننتظر شهوراً لمجيء سفينة، ونحن نعاني الكثير على مستوى المعيشة وتوفير الغذاء والدواء لأسرنا وأطفالنا. صرنا واقفين لا نملك قيمة لقمة عيش ولا نستطيع توفير القوت اليومي لأهلنا، والسبب في ذلك العدوان والحصار، ونطالب العالم بالنظر إلينا ورفع الحصار عن شعبنا”.

عبد القادر صالح العزاني، أحد عمال الأجر اليومي في ميناء الحديدة، من جانبه يقول: “نأمل أن تصل رسالتنا ويعرف العالم معاناتنا جراء الحصار والعدوان على شعبنا، وما لحق بنا من مآس بسبب حرماننا من العمل في الميناء. فأين هي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية؟ وأين هي حقوق الإنسان؟ ندعو الجهات المعنية في هذا المجال أن يبحثوا لنا عن حل نسترزق منه، فنحن عمال كثيرون كان دخلنا اليومي من الميناء، لكنه اليوم محاصر ولا تصله السفن والبواخر”.

ويضيف العزاني ذو الستين عاماً والشعر الأبيض والجسد النحيل: “نحن 6000 عامل، أين نذهب وكل واحد منا يحمل أسرة، أطفالاً ومدارس ونساءً وإيجارات وتوفير لقمة عيش وأدوية وكل متطلبات الحياة؟”.

تأثير الحصار على ميناء الحديدة طال السلع والخدمات وآليات العمل، وأكثر من 6000 أسرة فقد معيلوها أعمالهم بسبب العدوان والحصار الغاشم والمتواصل على الشعب اليمني منذ اثني عشر عاماً.

مدير إدارة العمال في ميناء الحديدة، أكرم حمراء -وبجواره عامل يرمي ببصره أقصى البحر ولم يفقد الأمل، وكأنه في تحدٍ مع الحصار وتوفير لقمة العيش، لكن نظرة لا تزال سهماً يشق عباب البحر والجو لينقلب على العدو بفضل الله معادلة حصاراً بحصار- يوضح أن عدد العمال في ميناء الحديدة أكثر من 6000 عامل يعولون أُسراً، وكل عامل لديه ما يقارب من خمسة إلى عشرة أفراد، أصبحوا اليوم يعانون معاناة شديدة ولا توجد لديهم لقمة العيش نتيجة العدوان والحصار على شعبنا اليمني.

ويبين حمراء أن البواخر كانت مستمرة كل يوم، وكان العمال يقدمون عملهم ويحصلون على أجورهم المستمرة دون انقطاع، وكانت أسرهم في خير، لكن واقع البواخر اليوم، لا تصل الباخرة الواحدة إلا بعد خمسة إلى ستة أشهر، وبعض أعوام الحصار وصل الحال بتأخر الباخرة لما يقارب عاماً كاملًا دون الوصول إلى رصيف ميناء الحديدة.

وفي السياق، يعتبر رئيس نقابة عمال ميناء الحديدة، علي راجح أحمد، أن الحصار أشد وطأةً من الضرب بالصواريخ والمدفعية، موضحاً بقوله: “إن الحصار يخلف المعاناة والجوع، وأسر العاملين في الميناء لا يستطيعون توفير لقمة العيش لهم ولأولادهم، العامل ينتظر ستة أشهر حتى يأتي دوره مرة ثانية”، متسائلاً: “من أين يطعم العمال أسرهم؟”، ومضيفاً: “أصبحت معاناة عمال الميناء ما بعدها معاناة”.

عامل آخر كبير في السن ذو سحنة سمراء وشعر خفيف أبيض وقور وعينان شاخصتان بحدة صوب كبد السماء بالكاد يمسك دمعه، الشاكي بصمت من عدو اتخذ من قوت الشعب سلاحاً لاستمرار الهيمنة والتحكم بمصير أربعين مليون يمني من أقصاه إلى أدناه، ومنع عن أسر عمال موانئ الحديدة فرصة توفير معيلهم لقيمة كيلو دقيق يسد به رمق صغاره وعائلته.

دموعه السافحة تجذبها شدة الأنفة اليمانية نحو الأعلى، وتمنعها من السقوط على وجه شاحب بعظام متماسكة بجلد رقيق، يعكس مستوى سوء التغذية الذي وصل إليه عمال ميناء الحديدة وأسرهم، ومن خلفهم شعب محاصر يربط على بطنه بالحجارة ويستمر في رفد الجبهات بقوافل الرجال وما جُمع من المال وأوثر به في سبيل الله، ليصنع اليمن من رحم المعاناة نصراً ومجداً ومستقبل أجياله خارج الوصاية التي تقطعها اليوم صواريخ ومسيرات يمانية محملة بأوزان ثقيلة من المعاناة والهموم.

الحاج المشدوه بعناده عكس ما أرادت عدسة الكاميرا، يكاد ينفجر براكين غضب، إلا أن شموخه وتعايشه مع الصبر وهويته الإيمانية أوكلت المهمة لربها وقيادة ربانية لا تضيع هم شعبها ولا تتركه لعدو يمعن في تجريعه صنوف العذابات إلى ما لا نهاية، واضعةً لكل ذلك حدوداً وسقوفاً زمنية لا يمكن تجاوزها، وتمشي وفق رؤية قرآنية مؤمنة بوعد الله ونصرة للمظلومين وتمكينه للمستضعفين، وتمضي بهم نحو ذلك.

حرب العدو على ميناء الحديدة وحصاره المستمر منذ اثني عشر عاماً أفقد 3031 عاملاً رسمياً في الميناء أعمالهم اليومية، و2600 عامل حركة أعمالهم التي كانوا يواكبون بها حركة الميناء حين كان يعج بالسفن والبواخر قبل العدوان والحصار على اليمن، إلى جانب مئات العمال في السلسلة اللوجستية (تنزيل وتحميل وإيصال البضائع إلى مختلف محافظات الجمهورية).

لم يبق لهؤلاء العمال اليوم سوى انتظار إجراءات رفع الحصار، ووجع يحمل سنين من التعب، وهموم تنوأ بحملها الجبال.