ميناء المخا.. من بوابة اقتصادية لليمن إلى قاعدة تحكم أمريكية صهيونية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
10 أغسطس 2026مـ – 27 صفر 1448هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يشهد ميناء المخا الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر تحولات نفوذ بين دول العدوان السعودي والإماراتي، شملت نقل إدارة الميناء لوجستيًا من أبو ظبي إلى الرياض مطلع عام 2026م، لاستخدامه كقاعدة متكاملة للإمدادات العسكرية، والتي تم استهدافها بما فيها من تحشيدات ومخازن أسلحة للعدو السعودي، والمعدات ومبانٍ لإيواء قوات عسكرية، إلى جانب أرتال عسكرية داخل الميناء، ما يُشير إلى استخدامه كقاعدةٍ لوجستية للإمدادات العسكرية السعودية.
وتسيطر قوات العدو السعودي وأدواته على ميناء المخا منذ مطلع العام الحالي، والذي كان خاضعًا لدويلة الاحتلال الاماراتي، التي سيطرت على الموانئ اليمنية، منذ اليوم الأول للعدوان، نظراً لمواقعها الجغرافية الاستراتيجية التي تُعد الأنسب لتقديم الخدمات الملاحية في المنطقة، حيث برزت هذه السيطرة مع مخططات أمريكية وصهيونية تهدف إلى احتلال الموانئ اليمنية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي.
وتعود جذور الاهتمام العدو السعودي ومن قبله الاماراتي بالموانئ اليمنية إلى تسعينيات القرن الماضي عندما أدرك العدو الأهمية الاقتصادية للموانئ البحرية اليمنية ودورها في تعزيز التجارة الدولية والاستثمارات وتطوير البنية التحتية اللوجستية،وما يترتب على ذلك من إنعاشٍ لميزانياته، التي تتوزع بين الأدوات لخدمة أمريكا والعدو الإسرائيلي وحلفائهما.
ومن أبرز هذه الموانئ ميناء المخا الذي يكتسب أهمية استثنائية كمنطقةٍ حرة عالمية بقربه من مضيق باب المندب، الذي يُعتبر الشريان التجاري والعسكري الحيوي والممر الرئيسي لنقل النفط والسلع إلى أوروبا وبقية العالم عبر قناة السويس، ما جعله محط تمركز رئيسي إلى جانب معظم الموانئ اليمنية باستثناء مينائي الحديدة والصليف.
منطقة حرة
ويؤكد وكيل وزارة المالية والخبير الاقتصادي الدكتور يحيى علي السقاف في تصريح خاص لموقع “المسيرة نت”، على الأهمية الاقتصادية البالغة للموانئ اليمنية، لافتًا إلى أن تحالف العدوان السعودي الإماراتي أدرك هذه الأهمية منذ وقتٍ مبكر، وسارع إلى فرض سيطرته مع بداية العدوان على غالبية تلك الموانئ التي كانت تغذي الخزينة العامة بمليارات الريالات.
ويوضح السقاف أن ميناء المخا يحظى بموقع استراتيجي فريد لقربه من الممر الدولي في البحر الأحمر بمسافة لا تتجاوز 6 كيلومترات، ما يجعله شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية وتداول النفط والغاز بين المنطقة العربية وأوروبا، ونقطة اتصال مباشرة بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس؛ وهي مزايا دفعت الاحتلال الاماراتي لإحكام السيطرة عليه عبر الأدوات من الخونة التابعين له.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن ميناء المخا، الذي يُعد من أشهر الموانئ وأبرز المراكز التجارية على البحر الأحمر والمؤهل ليكون منطقة حرة عالمية، تعرض لتدمير ممنهج من قبل الأنظمة السابقة، على مدار سنوات لتغييبه عن النشاط التجاري الرسمي، حيث تحول إلى منفذ لعمليات التهريب سابقًا ولاحقًا ومن ثمموقع لتخزين الأسلحة، والمعدات العسكرية السعودية، واستحداث مبانٍ وهناجر لإيواء العشرات من الجنود السعوديين وسابقًا كان مركز لإيواء لمئات منالإماراتيين والامريكيين والإسرائيليين وأدواتهما.
اقتصاد مفقود
يوضح أستاذ المحاسبة بجامعة صنعاء والخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم مفضل، في تصريحٍ خاص لـ “المسيرة”، أن تواجد العدو السعودي ومن قبله الإماراتي في ميناء المخا، يهدف بالأساس إلى تعطيل أيّ فرصة لتطوير هذه الميناء القريب من باب المندب والخطوط الملاحية الدولية، مبيّنًا أن القرب الجغرافي لميناء المخا، من باب المندب، والخطوط الملاحية الدولية، يمنحه، أفضلية تنافسية عالية في تقديم خدمات التزويد بالوقود والخدمات الملاحية والتجارة الحرة، فضلاً عن الفرص الاقتصادية الواعدة ضمن مبادرة “طريق الحرير” الصيني.
ويؤكّد مفضل أن العائد الاقتصادي من السيطرة على المخا ضخم جداً ويتحقق بصورة غير مباشرة لتستفيد منه دول العدوان وأدواتها، مشدّداً على أن العوائد المفترضة لميناء المخا الاستراتيجي والتاريخي تزيد عن 12 مليار ريال يمني شهرياً، ما يستدعي طرد جميع القوات العسكرية المحتلة، لضمان استعادة هذه المنافع الاقتصادية لصالح الشعب اليمني.
إقليم المخا
يُشير وكيل وزارة المالية الدكتور يحيى السقاف إلى أن ميناء المخا يمثل نموذجاً صارخاً للأطماع السعودية والإماراتية المتزايدة في اليمن، موضحاً أن أهميته الاقتصادية والاستراتيجية جعلته في الماضي والحاضر محط أنظار القوى الاستعمارية، وهو ما يفسر حرص العدو على إحكام السيطرة عليه وسط متابعة ورصد دقيقين من الخبراء الاقتصاديين.
ويوضح السقاف أن الإمارات كانت تعتمد مخططاً في الساحل الغربي يهدف إلى تغيير الخريطة الجغرافية والإدارية والاقتصادية للحيّز الاستراتيجي بالكامل؛ حيث تسعى إلى فصل مدينة وميناء المخا ومناطق ذو باب، وباب المندب التابعة لمحافظة تعز، وضم مناطق كجزيرة ميون ورأس عمران إليها لتشكيل إقليم منفصل تحت مسمى “إقليم المخا”، ويهدف هذا التغيير الديمغرافي والإداري إلى تسهيل استمرار السيطرة على الممر الملاحي والتحكم الكامل بموارده وثرواته الاقتصادية.
سيطرة وتحكم
ويتناول وكيل وزارة المالية والخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السقاف الأبعاد الاقتصادية لسيطرة دويلة الإمارات على ميناء المخا، موضحاً أنها كانت تأتي بتوجيهات أمريكية للتصدي لمشروع “طريق الحرير” الصيني الذي يستحوذ على نحو 40% من التجارة العالمية، إلى جانب تمكين النفوذ الأمريكي-الإسرائيلي من التحكم بالممر الدولي، وعزل اليمن اقتصادياً وحرمانه من سيادته على موقعه الاستراتيجي، مبينًا أن العدو السعودي تسلم إدارة الميناء بهدف تحقيق اهداف اقتصادية وعسكرية منها تعزيز الحصار على صنعاء، وتحويله إلى نقطة تحكم وانطلاق لأدواته، ولكنه تفاجأ بالعملية الاستباقية التي نفذتها القوات المسلحة ضد تحشيداته وافشلت مخططه.
وتؤكّد التقارير الاقتصادية على أن السيطرة على المخا وباب المندب تهدف لضمان التحكم الأمريكي والإسرائيلي في حركة التجارة البحرية العالمية، وهو بُعد اقتصادي أولته الإمارات –بضوء أخضر أمريكي- اهتماماً بالغاً عقب الاتفاق الصيني-الباكستاني لتطوير ميناء “جوادر”، لما يمثله الأخير من تهديد لمكانة ميناء دبي وتنافسيته، وهو الأمر بالمثل من جانب السعودية خشيةً من سحب البساط عما يسمى ميناء جدة الإسلامي.
وحول التداعيات المباشرة، يوضح السقاف أن الاحتلال حول ميناء المخا من منشأة اقتصادية حيوية إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى تعطيل النشاط التجاري، وتوقف عمليات التصدير، وخروج الشركات الوطنية المحلية من مناطق الإنتاج، وتترافق هذه الممارسات مع سياسة حصار وتجويع وإفقار ممنهجة تستهدف المحافظات الساحلية والشعب اليمني ككل.
أمريكا والاقتصاد العالمي
يوضح أستاذ المحاسبة بجامعة صنعاء والخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم مفضل أن سيطرة العدو الإماراتي ومن ثم العدو السعودي على ميناء المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية تحمل أهدافاً اقتصادية وأمنية مزدوجة؛ حيث يُشكّل هذا التواجد نقطة رقابة وتفتيش حيوية تُمكنهما من التحكم في حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب للدخول والخروج من وإلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
وبيَّن مفضل أن هذا التواجد العسكري المشترك للعدو السعودي والاماراتي وأدواتهما في المخا، يأتي في إطار المخططات والدراسات الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية التي تهدف لتعزيز الهيمنة الصهيوأمريكية على الاقتصاد العالمي؛ ففي حال نشوب أي نزاعات أو تحديات اقتصادية وعسكرية مع القوى المنافسة للولايات المتحدة، يُتيح هذا الموقع إمكانية فرض حظر اقتصادي أو اعتراض وتفتيش السفن عبر القوات المتواجدة هناك، بما يخدم المصالح الأمريكية وحلفاءها بالدرجة الأولى.
كما يشير الخبير الاقتصادي إلى أن دور دول العدوان كأداة للسياسات الأمريكية والصهيونية، كان يُمكنها من تشكيل ورقة ضغط وإزعاج للدول المنافسة أو المناهضة لواشنطن والكيان المؤقت، وفي مقدمتها الصين وإيران؛ لا سيما وأن باب المندب يُعد معبراً رئيسياً لمبادرة “طريق الحرير” الصينية وممرّاً لأكثر من ثلث إمدادات النفط العالمية، ولكن المعادلات تغيرات عقب معركة “طوفان الأقصى” التي أفشلت مخططات الأعداء وجعلت من اليمن قوة إقليمية تتحكم في البحر الأحمر وباب المندب والمياه اليمنية بشكّلٍ عام.
ويوضح أن الاحداث التي جرت والادوار المتبادلة بين دول العدوان على اليمن، فشلت بضربة استباقية للقوات المسلحة، مؤكدًا أن العدو السعودي لم يستوعب عمليات اليمن في البحر الأحمر وإسناده لغزة، وأن اقتصاده بات في خطر.
موقع استراتيجي
شكّلت الموانئ اليمنية منذ القدم ركيزة حيوية للاقتصاد الوطني وحركة التجارة في شبه الجزيرة العربية، حيث برزت كإحدى أهم المراكز التجارية على امتداد ساحلي البحر الأحمر والبحر العربي.
ويكتسب المخا، الذي بُني ميناؤه الحديث عام 1978م، بالتعاون مع شركة هولندية، مكانة تاريخية واستثنائية؛ إذ تصدّر خلال القرن السابع عشر الموانئ اليمنية والعربية كمركز عالمي لتصدير أجود أنواع البن اليمني، وتخلد اسمه حتى اليوم مشتقات القهوة العالمية مثل “الموكا” و”الموكاتشينو”.
وتُشير الدراسات الاقتصادية إلى أن وقوع الموانئ اليمنية على الخطوط الملاحية الدولية يمنح الشريط الساحلي الممتد من “شقرة إلى المخا”، ميزة تنافسية عالية لتأسيس مناطق حرة مخصصة لإعادة التصدير نحو إفريقيا وبقية العالم، إلى جانب تقديم كافة الخدمات الملاحية، ويتمتع ميناء المخا، الواقع على ساحل البحر الأحمر، بمساحة تفوق 466 ألف متر مربع وبعمق 6 كيلومترات فقط عن الممر الدولي، بخصائص جغرافية تؤهله ليكون منطقة حرة عالمية لربطه الحيوي بين الشرق والغرب وعبر مضيق باب المندب وقناة السويس، إضافةً إلى ذلك؛ فإن ميناء المخا يُعد من أقدم موانئ شبه الجزيرة العربية، ومن أهم المراكز التجارية الواقعة على البحر الأحمر.
وتؤكد الشواهد التاريخية أن الأهمية الجغرافية والتجارية الاستثنائية لليمن وموانئه على البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي جعلته منذ القرن السادس عشر هدفاً مستمراً للأطماع الاستعمارية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهو الامتداد نفسه الذي يفسر حرص القوى الخارجية ودول العدوان السعودي والإماراتي ومن خلفها أمريكا والعدو الإسرائيلي، على السيطرة عليه والتمركز فيه.
لمحة تاريخية
استهدف الاحتلال الفرنسي ميناء المخا في 25 يناير 1737م، ليضاف إلى سلسلة من الاعتداءات والحملات العسكرية التي تعرض لها الميناء سابقاً على يد البرتغاليين والمماليك والعثمانيين، وتعود جذور هذا الاستهداف إلى الأهمية التجارية للقهوة اليمنية، التي انتشرت منذ منتصف القرن السادس عشر وصولاً إلى مصر والسودان وسوريا وإسطنبول، ومنها إلى إيطاليا وبقية أرجاء أوروبا.
وحفّزت الأرباح الطائلة التي كان يجنيها الإنجليز والهولنديون من وساطتهم التجارية؛ الفرنسيينَ على فتح قناة مباشرة مع مصدر البن في اليمن؛ حيث تشير وثائق كتاب «اليمن في الذاكرة الفرنسية» إلى إرسال شركة الهند الشرقية الفرنسية حملة بحرية مكونة من سفينتين حربيتين مطلع عام 1708م، وصلت إلى ميناء المخا في 3 يناير 1709م، وأسفرت عن توقيع اتفاقية تجارية مع حاكم المدينة منحت الفرنسيين امتيازات وإعفاءات جمركية لمدة عام.
واتسمت الاتفاقية بإجحاف كبير بحق الجانب اليمني؛ إذ نصت على تحصيل رسم جمركي بنسبة 2.25% فقط على البضائع الفرنسية، مقارنة بنسب تراوحت بين 5% و10% على تجار الدول الأخرى، وقد استغل الفرنسيون ذلك بإغراق سوق المخا بالبضائع -بما فيها المنتجات القادمة من مستعمراتهم بالمخالفة للاتفاق- ما أدى إلى ركود اقتصادي بالمدينة، ودفع حاكم المخا لاحقاً إلى فرض زيادات جمركية على بضائع تلك المستعمرات.
