ناقلات بلا وجهة، ميناء في تعتيم كامل: الكُلفة الخفية لاستهداف الملاحة السعودية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
7 أغسطس 2026مـ – 26 صفر 1448هـ
لم تَعُد الاستراتيجيات الدفاعية التي اعتمدتها السعودية لحماية صادراتها النفطية من الاستهداف اليمني تُجدي نفعاً، فما بدأ كتغيير لمسارات الناقلات شمالاً لتجنّب منطقة الخطر في باب المندب، انتهى به الأمر إلى سباق إرهاق لوجستي واقتصادي غير مسبوق، بعد أن وسّعت القوات المسلحة نطاق عملياتها لملاحقة السفن المرتبطة بالمملكة أينما اتجهت، مكرّسةً بذلك معادلة “الحصار بالحصار.
أكدت شركة “ويندوارد” المتخصصة في الاستخبارات البحرية أن تغيير مسار السفن السعودية شمالاً لم يَعُد كافياً للهروب من مخاطر الاستهداف، فبعد استهداف الناقلة “وفاء” بصاروخ باليستي قبالة ينبع في 5 أغسطس، وهي ناقلة منتجات نفطية كانت تعمل في رحلة ساحلية داخلية سعودية بحتة وعلى بُعد مئات الكيلومترات من منطقة الحظر المُعلنة، بات واضحاً أن التجنّب الجغرافي لم يَعُد استراتيجية ناجعة. ولفتت الشركة إلى أن القوات اليمنية ربطت الاستهداف بذات عملية تغيير المسارات، مؤكدةً أن “تجنّب المسار لم يعد إجراءً كافياً لتقليل المخاطر”، وهو ما هزم آخر وسيلة متاحة لتوفير مسافة آمنة.
هذا التوسّع النوعي في الهجمات، الذي نقلته قناة “الحرة” الأمريكية وموقع “ذا وور زون”، نقل التهديد من جنوب البحر الأحمر إلى شماله، مستهدفاً منع عبور السفن السعودية عبر قناة السويس، وبهذا، أصبحت الممرات البحرية الحيوية للمملكة مهددة من جهتين: مضيق هرمز شرقاً وباب المندب غرباً، لتُحاصر الشحنات السعودية بين رحى التهديدين، كما وصفت “الحرة”، مما أضاع على الرياض ميزة ميناء ينبع الذي كان يُفترض أن يكون المخرج الآمن البديل عن الخليج العربي.
خيارات الطوارئ تُثقل الكاهل
بدأت التداعيات الاقتصادية تظهر جلياً في البيانات الرسمية وأرقام التصدير، فقد كشفت وكالة “بلومبرغ” أن إجمالي صادرات السعودية من النفط الخام بلغ 4.19 مليون برميل يومياً خلال يوليو، بانخفاض قدره 460 ألف برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق، مع تراجع أكبر عند استثناء الشحنات العالقة داخل الخليج. وفي السياق نفسه، أكد موقع “أوبيس” (OPIS) المتخصص في أسواق الطاقة أن عمليات تحميل غاز البترول المسال من محطة ينبع تراجعت بشكل حاد منذ أواخر يوليو، حيث لم تُسجل أي عمليات تحميل جديدة بعد مغادرة ناقلة الغاز “إن واي لورد” في 28 يوليو، مع إشارات إلى أن معظم الشحنات الخمس التي خرجت في يوليو تم تحميلها قبل تصاعد الهجمات. وذكر الموقع أن صادرات الغاز من ينبع انخفضت إلى نحو 91.5 ألف طن متري في أغسطس، مقابل 296.9 ألف طن في يوليو، مما أسهم في تشديد الإمدادات العالمية ودفع أرامكو لرفع أسعار عقود أغسطس.
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، سلّطت صحيفة “فاينانشال تايمز” الضوء على انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنسبة 4.8% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهو أشد تراجع فصلي منذ جائحة كورونا، مدفوعاً بهبوط حاد في قطاع النفط بنسبة 24.7%. وأكدت الصحيفة أن الهجمات المستمرة على خطوط الملاحة، حتى بعد تحويل الصادرات نحو ينبع، فاقمت التحديات اللوجستية وألقت بظلالها على خطط التنويع الاقتصادي ضمن “رؤية 2030”.
ولم يقتصر الأمر على تراجع الكميات فحسب، بل امتد إلى ارتفاع التكاليف بشكل صادم. فقد أوضحت صحيفة “ذا ناشيونال” أن اضطرار الرياض إلى استخدام مسار قناة السويس ثم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يضاعف زمن الرحلة وتكاليفها؛ إذ تستغرق شحنة النفط من ينبع إلى كوريا الجنوبية نحو 54 يوماً بدلاً من 24، أي بزيادة أربعة أسابيع، وبتكاليف نقل إضافية تصل إلى نحو مليوني دولار لكل شحنة نتيجة الحاجة إلى استخدام ناقلتين من فئة “سويس ماكس” بدلاً من ناقلة نفط عملاقة واحدة. وذكرت “بلومبرغ” أن ست ناقلات تابعة لشركة “البحري” السعودية أبحرت فعلاً بعيداً عن باب المندب نحو جنوب أفريقيا وجبل طارق في مسار نادر يضيف أسبوعين لرحلاتها، وهذا طبعا قبل إعلان توسيع العمليات العسكرية شمال البحر الأحمر.
“لا شحنة سعودية”.. تغيير سلوك السفن وإجراءات الطوارئ
في ظل هذه البيئة عالية المخاطر، رصدت شركة “فورتيكسا” البريطانية لتحليلات الشحن تحولاً لافتاً في سلوك الناقلات فمنذ إعلان الحصار في 20 يوليو، استخدمت 81% من الناقلات التي عبرت باب المندب (141 من أصل 175) خانة الوجهة في نظام التعريف الآلي (AIS) لإرسال رسائل استثنائية موجهة لجهات المراقبة على الساحل اليمني. وشملت هذه الرسائل إخلاء مسؤولية يؤكد أن السفينة “لا تحمل شحنات سعودية” أو لا ترتبط بأمريكا وبريطانيا، أو إبراز هوية الطاقم والمالك الصينية أو الروسية. وكشفت “فورتيكسا” أن السفن التي كانت تحمل نفطاً خاماً سعودياً فعلياً اتبعت سلوكاً مختلفاً؛ إذ لجأت غالباً إلى إطفاء أجهزة التعريف الآلي بالكامل أو إبراز ملكيتها الصينية مع تجنب الإشارة إلى منشأ الشحنة السعودية، في محاولة للتخفي والمرور الآمن.
بدورها، أكدت “ويندوارد” أن ميناء فهد الصناعي في ينبع يواصل عملياته في حالة “تعتيم كامل” منذ 27 يوليو، مع رصد عدد كبير من السفن التي أوقفت بث إشارات نظام التعريف الآلي. ورغم ذلك، أظهرت صور الأقمار الصناعية استمرار نشاط الميناء، مع وجود ناقلات عند الأرصفة ومناطق الانتظار، دون رصد عمليات نقل شحنات من سفينة إلى أخرى. وفي المقابل، سجّل ميناء الحديدة ارتفاعاً في النشاط الملاحي، مما يشير إلى استمرار حركته رغم الضربات التي تعرض لها أواخر يوليو.
تحالف بحري هزيل واستجابة دولية فاترة
في محاولة لمواجهة التهديد، أعلنت السعودية في 30 يوليو تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات يضم 14 دولة ويتخذ من الرياض مقراً له. غير أن هذا التحالف واجه استجابة دولية محدودة؛ إذ كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن أمريكا ودولاً أوروبية أبدت عدم رغبة في الانضمام، وأن 14 دولة فقط التحقت من أصل 51 دُعيت للمشاركة. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين غربيين تشكيكهم في قدرة التحالف على إحداث فرق، في ظل وجود عملية “أسبيدس” الأوروبية التي تعترف الكثير من العواصم بفشلها وعجزها عن إحداث أي تغيير. وأشارت مجلة “لويدز ليست” البريطانية إلى أن التحالف المقترح يبدو أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى قوة بحرية قادرة على تغيير الواقع الأمني، مؤكدة أنه يفتقر إلى التفاصيل الجوهرية حول القوات والقيادة وآليات التنفيذ.
ولم تخفِ قيادة “أسبيدس” نفسها حقيقة الموقف؛ إذ أوضح قائدها، اللواء البحري فاسيليوس غريباريس، أن القوة سجلت ارتفاعاً بنسبة 39% في طلبات المرافقة، لكنها لم تتدخل لحماية السفن السعودية المستهدَفة مؤخراً لأنها كانت تبحر داخل المياه الإقليمية السعودية ولم تتقدم بطلب رسمي للحماية. وهذا ما دفع موقع “ذا وور زون” للقول بأن السعودية تضطر لإنشاء تحالفها البحري الخاص بعد أن بدا واضحاً أنها تواجه التهديد بمفردها.
جذور الأزمة: أخطاء استراتيجية ورهان خاسر
لم تغفل التحليلات الغربية الإشارة إلى أن ما تواجهه الرياض اليوم هو نتيجة لتراكم أخطاء استراتيجية، فقد نشرت مجلة “فورين بوليسي” تحليلاً بعنوان “السعوديون مهندسو تعاستهم بأيديهم”، مشيرة إلى أن قصف مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو كان تصعيداً غير ضروري ويعكس سوءاً في التقدير، وأن الرياض ضيّعت فرصاً مهمة وأسهمت بقراراتها في تعقيد أوضاعها. وأكدت المجلة أن السعودية تجد نفسها اليوم تحت ضغط يفرضه اليمن، في وضع بالغ الصعوبة يتناقض مع رؤية 2030”.
وفي الاتجاه ذاته، رأت صحيفة “الإيكونوميست” أن تأثير الهجمات اليمنية أصبح أكبر من السابق، وأن اليمنيين يطالبون بإنهاء القيود السعودية على الملاحة والرحلات الجوية ودفع رواتب موظفي الخدمة المدنية المتوقفة منذ 2018. ونقلت عن مايكل نايتس من شركة “هورايزون إنغيج” قوله: “لا يمكنك تقليص قدرات اليمنيين المضادة للسفن إلى الحد الذي يجعلهم غير قادرين على ضرب وإغراق سفينة أو سفينتين شهرياً.. وهذا رادع كافٍ لشركات الشحن للتوقف ببساطة عن العبور”.
أما الخبير البحري إيان رالبي، الرئيس التنفيذي لشركة IR Consilium، فقد حذّر عبر موقع “جي كابتن” من أن “إرادة اليمنيين في رفع الحصار عنهم قد تكون أكثر أهمية من قدراتهم العسكرية وحدها”، مؤكداً أن التركيز على القدرات العسكرية يُغفل العامل الأهم، وهو إرادتهم في تعطيل التجارة البحرية السعودية والمتحالفة معها. وأضاف أن إغراق سفينة واحدة قد يحقق تأثيراً بحرياً أكبر من إطلاق الصواريخ.
اعتراف بالعجز.. ولا مخرج آمناً
تناقلت صحيفة “معاريف” العبرية عن قائد “البحرية الإسرائيلية” السابق، “إليعازر ماروم”، اعترافه بأنه “من الصعب للغاية هزيمة اليمنيين أو كسب المعركة ضدهم”، مشيراً إلى أن القوات البحرية الأوروبية بقيادة بريطانيا وصلت إلى مستوى يعجزها عن مواجهتهم، وأن السعودية والإمارات فشلتا فشلاً ذريعاً في تحجيمهم. ويُلخّص هذا الاعتراف العجزَ عن كسر المعادلة التي فرضتها صنعاء.
في المحصّلة، وجدت السعودية نفسها أمام خيارين صعبين لا ثالث لهما: العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة تُدمر ما تبقى من خطط التنمية وتُدخل المنطقة في نفق مظلم، وهو ما تستبعده حتى “الحرة” التي أكدت أن الرياض تتحرك لتجنب الحرب المفتوحة؛ أو الاستجابة للمطالب اليمنية المشروعة برفع الحصار وإنهاء الحصار، وهو الطريق الوحيد لاستعادة الأمان في الممرات المائية التي أثبتت القوات المسلحة اليمنية قدرتها على إغلاقها أو التحكم بها، تاركةً الرياض في سباق إنهاك ليس له نهاية في الأفق.
