تحالف تركي باكستاني.. ماذا بقي للعدو السعودي من نفوذ أمام اليمن ؟
ذمــار نـيـوز ||
8 أغسطس 2026مـ – 25 صفر 1448هـ
تقريــر ||محمد ناصر حتروش
يسعى العدو السعودي إلى تشكيل تحالفات عسكرية جديدة لتأمين أمنه القومي، متجاهلًا أن أصل المشكلة لا يكمن في غياب التحالفات، وإنما في استمرار العدوان والحصار على اليمن، وفي المقابل، تتمسك اليمن بمطالبها المحقة في إنهاء العدوان ورفع الحصار، مؤكدة استمرار معادلة «الحصار بالحصار» حتى الاستجابة للمطالب الإنسانية.
ويبدو أن الرياض تراهن على التحالف العسكري التركي ـ الباكستاني المشترك لتعزيز حماية أراضيها في مواجهة الاستهداف اليومي من القوات المسلحة اليمنية، غير أن سجل المواجهة السابقة لا يمنح هذا الرهان ضمانات كبيرة؛ إذ واجهت اليمن على مدى ثمانية أعوام تحالف العدوان بقيادة السعودية، ثم واجهت تحالفات أمريكية وبريطانية وصهيونية وأوروبية، دون أن تتمكن هذه التحالفات من كسر المعادلات التي فرضتها صنعاء.
وبذلك، تضع التجربة اليمنية التحالف السعودي الجديد أمام اختبار حقيقي: هل يمكن للتحالفات العسكرية أن تغيّر معادلة المواجهة، أم أن معالجة أسبابها والاستجابة للمطالب اليمنية تظل الطريق الأقصر لإنهاء التصعيد؟
وتعليقًا على إعلان التحالف السعودي التركي الباكستاني، يؤكد عدد من النشطاء السياسيين والإعلاميين العرب أن هذا التحالف لن يحقق مكاسب عملية للسعودية، معتبرين أنه أُنشئ لاستغلال السعودية واستنزاف أموالها، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي للنظام السعودي، من منظور هؤلاء النشطاء.
في السياق، يؤكد عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح أن السعودية تشهد تراجعًا وانحسارًا في محيطها العربي والإسلامي، بعد سنوات من العدوان على اليمن ضمن تحالف واسع ضم 17 دولة، قبل أن يتآكل هذا التحالف وتبقى دول محدودة تساير الرياض، وفي مقدمتها تركيا وباكستان.
ويوضح في سلسلة تغريدات له على منصة أكس أن رفع الحصار ووقف العدوان واحترام سيادة اليمن وحقوق شعبه كان سيغني السعودية عن تشكيل هذه التحالفات، متسائلًا عن جدوى استدعاء أطراف جديدة إلى حرب لم تتمكن القوى الكبرى من حسمها أو تحقيق أهدافها رغم سنوات طويلة، وداعيًا تركيا وباكستان إلى حث الرياض على العودة إلى مسار الحل العادل، بدل الاصطفاف إلى جانب المعتدي.
ويرفض الفرح تحول الدول الإسلامية إلى غطاء سياسي لأي عدوان أو حصار أو انتهاك لسيادة بلد مسلم، مؤكدًا أن دورها ينبغي أن يتمثل في الضغط لوقف العدوان ورفع الحصار ومعالجة أصل المشكلة، لا حماية المعتدي من نتائج سياساته.
ويضيف: «إن أي تحالف إسلامي ينبغي أن يكون لحماية الشعوب ووقف العدوان ونصرة المظلومين في غزة ولبنان، لا لتكريس الهيمنة والوصاية»، داعيًا تركيا وباكستان وسائر الدول الإسلامية إلى رفض الارتهان للسياسات الأمريكية والحروب والتدخل في شؤون الشعوب، وتوجيه رسالة واضحة إلى السعودية بضرورة وقف هذه السياسات.
ووفقًا للفرح، فإن على السعودية احترام سيادة اليمن وحقوق شعبه والبحث عن السلام العادل بدل تشكيل تحالفات جديدة لحماية سياسة فشلت في تحقيق أهدافها، معتبرًا أن التحالف الحقيقي للأمة هو التحالف على الحق لا العدوان.
ويشدد على أن اليمن ماضٍ في كسر الحصار وإنهاء العدوان وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، مؤكدًا أن حقوق الشعب اليمني ليست منحة من أحد، وأن أي تحالف، مهما بلغت قوته، لن يستطيع فرض الاحتلال أو الوصاية على اليمن أو انتزاع حق شعبه في السيادة والاستقلال وتقرير مصيره.
من جانبه، يرى وكيل وزارة الإعلام أحمد مطهر الشامي أن استدعاء السعودية دولًا إسلامية مثل تركيا وباكستان إلى تحالفاتها أفضل من أن تستدعيها الولايات المتحدة، معتبرًا أن هذا التحالف قائم أساسًا على «الحلب» ولا قيمة له، ويعكس في الوقت ذاته تراجعًا في تأثير السعودية على محيطها العربي والإقليمي.
ويوضح في تغريدة له على منصة أكس أن هذا التراجع يتضح من الانتقال من تحالف ضم 17 دولة إلى تحالف يضم ثلاث دول، مشيرًا إلى أن حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن السعودية يأتي في سياق «الحلابين الجدد» للنظام السعودي.
وخلص إلى أن التحالفات التي تشكلها السعودية لا تعكس قوة أو نفوذًا، بقدر ما تكشف عن تراجع تأثيرها الإقليمي، معتبرًا أن استدعاء دول إسلامية إلى هذه التحالفات لا يمنحها قيمة حقيقية.
ومن منظور عضو المكتب السياسي لأنصار الله حزام الأسد، فإن الشعب اليمني، الذي صمد وواجه العدوان السعودي وتحالفه الدولي منذ 26 مارس 2015م، قادر، بعون الله، على إنزال أقسى الضربات بالعدو وترسيخ معادلات «الحصار بالحصار» و«التصعيد بالتصعيد»، حتى انتزاع حقوقه وكسر الحصار المفروض عليه وقطع التدخل السعودي في شؤونه الداخلية.
ويوضح في تغريدة له على منصة أكس أن تعلق السعودية بالتحالفات الدولية أو رهانها على المرتزقة المحليين لن يغنيها عن الاستجابة لحقوق الشعب اليمني، ورفع الحصار عنه، والتعهد بعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
تناقض سعودي.. تركيا من خصم إلى حليف
وتعاني السعودية من تناقض صريح في السرديات التي تتبناها بين الحين والآخر؛ ففي الوقت الذي تزعم فيه أنها تواجه ما تسميه «المشروع الإخواني» ممثلًا بتركيا، تعلن اليوم عن تحالف دفاعي مشترك معها، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة التناقضات في الموقف السعودي والدوافع الكامنة وراء هذا التحول.
وحول هذا الشأن، يقول الناشط السياسي والإعلامي عبدالعزيز القدمي: «إن السردية السعودية كانت تقوم على القول بأنها تواجه ثلاثة مشاريع معادية، هي «المشروع الإيراني الشيعي، والمشروع التركي الإخواني، والمشروع الصهيوني»»، متسائلًا عن مصير الحديث عن مواجهة «المشروع التركي» بعد اتفاق مكة للدفاع المشترك.
وفي تغريدة له على منصة أكس، يؤكد القدمي أن اتفاقات السعودية وتحالفاتها الجديدة لا تحمل جديدًا سوى إسقاط السرديات التي تبنتها الرياض لعقود، متسائلًا: «أيش أخبار مواجهة المشروع التركي؟».
ويفيد أن التحالفات الجديدة تكشف تناقضًا بين الخطاب السعودي السابق والمواقف والتحالفات الراهنة، معتبرًا أن أبرز ما نتج عنها هو سقوط تلك السرديات التي ظلت السعودية تروّج لها لسنوات.
السعودية.. أين ذهب حلفاء الخليج والعرب؟
ويثير إعلان السعودية عن تحالف تركي باكستاني تساؤلات بشأن موقع التحالفات الخليجية والعربية في حسابات الرياض الأمنية؛ إذ يرى متابعون أن لجوء السعودية إلى تركيا وباكستان، رغم عضويتها في مجلس التعاون الخليجي وارتباطها بإطار جامعة الدول العربية، يثبت ضعفًا في فاعلية تلك الأطر، التي تتضمن بدورها ترتيبات ومبادئ للدفاع المشترك، ليبرز التساؤل: أين تقف هذه التحالفات، ولماذا لم تظهر في المشهد عندما احتاجت السعودية إلى تحالف دفاعي جديد؟
وحول هذه السردية، يقول الباحث السياسي والعسكري المصري سامح عسكر: «إن اتفاقية الدفاع الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان تمثل «إعلان وفاة رسمي» لجامعة الدول العربية وما تمثله من دفاع قومي مشترك، و«إعلان وفاة» لمجلس التعاون الخليجي»، معتبرًا أن الدول الثلاث سبق أن أقامت ترتيبات دفاعية مشتركة، دون أن يعني ذلك بالضرورة قدرتها على خوض حروب مشتركة.
وفي منشور له على حسابه في منصة أكس، يؤكد عسكر أن تعدد التحالفات التي أعلنتها السعودية، ومنها «عاصفة الحزم» عام 2015، والتحالف الإسلامي المكون من 41 دولة، وتحالف البحر الأحمر عام 2026، معظمها لم يُفعّل بصورة جماعية، وأن بعضها انتهى بانسحاب دول مشاركة.
ويرى أن مثل هذه التحالفات قد تواجه صعوبات بسبب تداخل المصالح، مشيرًا إلى أن تركيا وباكستان لا يمكنهما بسهولة الدخول في مواجهة مع إيران، وأن السعودية وتركيا تربطهما مصالح تحول دون حرب بينهما وبين الهند، فضلًا عن صعوبة استهداف فصائل محور المقاومة بما قد يُفسر اصطفافًا عمليًا مع الكيان الصهيوني.
ويفيد أن مصالح تركيا وباكستان مع اليمن تختلف عن مصلحة السعودية، كما أن عضوية تركيا في حلف الناتو تجعل قراراتها العسكرية محكومة بحسابات وتحالفات أوسع، لافتًا إلى أن أي اتفاق دفاع مشترك يحتاج إلى تحديد حسابات التدخل ونوع الخطر وأهدافه ووسائله وحجم التهديد، وضمان عدم تضرر مصالح أي عضو، معتبرًا أن الإعلان السريع والمفاجئ عن الاتفاق يشير إلى أن حساباته مالية، وقد تعترضه عراقيل عديدة، مؤكدًا ضرورة تجريد التحليل السياسي من العواطف.
أما الناشط العراقي عصام حسين، فيرى أن باكستان لا تستطيع المشاركة في أي حرب من دون موافقة البرلمان، مستشهدًا برفض البرلمان الباكستاني عام 2015 المشاركة عسكريًا في تحالف دعم الشرعية في اليمن، والاكتفاء بالدعم السياسي.
ويستبعد دخول تركيا أي حرب، نظرًا لعلاقاتها الجيدة مع إيران والتزاماتها وتحالفاتها الدولية، خصوصًا عضويتها في حلف الناتو.
وبحسب حسين، فإن التحالف الثلاثي قد يكون ذا طابع معنوي أكثر منه عسكريًا، وهو ما تحتاجه السعودية، بحسب تقديره، في ظل تطور قدرات القوات المسلحة اليمنية وقدرتها على استهداف المصالح الاقتصادية السعودية، مقابل استثمارات قد تمنحها الرياض لتركيا وباكستان.
وخلص إلى أن البلدين وقّعا ورقة دفاع لتكونا بمثابة «بودي غارد» للسعودية في محنتها الإقليمية، التي يرى أنها جاءت نتيجة ارتهان القرار السعودي للإرادة الأمريكية.
من جهته، يؤكد الناشط العراقي زهير قاسم أن التحالف السعودي التركي الباكستاني يأتي بعد تراجع الحماية الأمريكية والبريطانية وحلف الناتو للسعودية، معتبرًا أن حكام المملكة يتجهون إلى تركيا وباكستان طلبًا للحماية في ظل ما وصفه بتعرضهم للضغط الإيراني واليمني.
