اليمن في معركة الوعي: من الوصاية إلى كسر الهيمنة وإسقاطها
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
3 أغسطس 2026مـ – 20 صفر 1448هـ
يقف الشعب اليمن اليوم في قلب معركة الوعي كأنصع مثالٍ على شعبٍ استُهدف بشتى أشكال الحرب والعدوان والحصار بهدف إخضاعه، غير أنه استطاع، بفضل قيادته الحكيمة وموروثه التاريخي، ووعيه الشعبي، أن يحوّل مخططات الحصار إلى نقاط انطلاق لصناعة معادلات ردع جديدة غيرت موازين القوى الإقليمية والدولية، وكيف تحول اليمن من بلدٍ أريد له أن يبقى مجرد ملف في أدراج الوصاية السعودية، إلى رقم صعب يكسر الهيبة الاستعمارية ويعيد رسم خارطة الأمل للأمة.
وفي لحظات التحول التاريخي الكبرى، يكتسب اليمن أهميته من موقعه الاستراتيجي، ومما حققه أبناؤه من إنجازات حضارية، ستظل بلا شك علامات مميزة في مسيرة التاريخ الإنساني، حيث يثبت اليمنيون جيلاً بعد آخر مدى ارتباطهم بموروثهم الحضاري، وبأرضهم المعطاء، وتقاليدهم الأصيلة، ما جعل بلادهم محل أطماع القوى الخارجية، فيما توثق شهادات مختلفة صورًا متنوعة لشدة بأس اليمنيين في القتال، واستماتتهم في الدفاع عن أرضهم، حتى سُمي اليمن قديمًا”مقبرة الغزاة”.
يجدر بنا في معركة الوعي، أن نتوقف أمام ثروات اليمن وإمكاناته ومكنوناته التاريخية والجغرافية؛ هذا البلد الذي أُصيب بالنكبة جراء سياسات متناحرة وتكالبٍ إقليمي ودولي، حتى وصل إلى أصبح تابع للدول الهيمنة.
يمر عالمنا العربي بمرحلة من الوهن والهوان، مرحلة مكنت العدو من افتراش بلداننا واحداً تلو الآخر في ظل حالة من الاستسلام المؤسف، لكن اليمن ليس شعبًا بسيطاً كما قد يخيّل للبعض؛ فالأرقام والحقائق تعكس واقعاً مختلفاً تماماً، من حيث المساحة والموقع الاستراتيجي والعادات والتقاليد والأعراف اليمنية الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، بالإضافة إلى أن اليمنمهد الحضارات الإنسانية مثل سبأ وحضرموت وقتبان، ومنه انطلقت أصول اللغة العربية وشعراؤها الأوائل.
ولهذا، اليمن ليس بلداً فقيراً كما يُصوَّر البعض، وإنّما هو بلد غني بموارده الطبيعية المتنوعة؛ من مخزونات النفط والغاز الطبيعي، إلى الثروات المعدنية، والشرائط الساحلية الغنية، والأراضي الزراعية الخصبة، لذا، إن استعادة الوعي بقيمة اليمن ومكانته هي الخطوة الأولى لتجاوز حالة الضعف والنهوض بالمنطقة من جديد.
وفي كثير من الأحيان، قد يدرك الآخرون أو المتابعون الأجانب عن اليمن وشعبه ما نغفل عنه نحن في الداخل، إنها مفارقة إنسانية شهيرة؛ حين يجهل المرء قيمة نفسه، أو يغفل عن النعم والمزايا والفرص والإمكانات الهائلة التي حباه الله بها، في حين يراها الملاحظُ الخارجي بكل وضوح.
فالمتأمل والمتابع عن بُعد، قد يقف على حقائق القوة ومكمن الثروة والقدرات بشكّلٍ أقرب إلى الصواب من أصحاب الشأن أنفسهم، الذين أغرقتهم التفاصيل والظروف الاستثنائية عن رؤية صورتهم الكلية الشاملة.
وتطل اليمن على واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق باب المندب ، ولهذا السبب، كان من الطبيعي تاريخياً أن تسعى إمبراطوريات كبرى كبريطانيا لاحتلال الجزء الجنوبي من اليمن، بهدف التحكم في المسار البحري المؤدي إلى قناة السويس التي كانت تحتلها في مصر؛ وبذلك أحكمت سيطرتها على هذا الشريان التجاري من شماله وجنوبه.
وعلى مر التاريخ، ظل الشعب اليمني نموذجاً للسلام والترحم والمودة؛ فلا تقابل أحداً من أبناء اليمن إلا وتجده رقيقاً، مهذباً، وتجمعه قيم هادئة وجميلة، فهو شعب جبار وعظيم على مدار تاريخه.
وهذا ما يؤكده الباحث المصري السابق، الذي تحدث بإنصاف عن اليمن وعن الإنسان اليمني، متناولاً تاريخ هذا البلد وشعبه في الماضي والحاضر، لا سيما في هذه الأيام التي أصبح فيها اليمن محط أنظار العالم.
إن اليمن اليوم يلهم الأحرار، ويفجر مشاعر الكرامة والعزة في وجدان شعوب الأمة العربية والإسلامية، معيداً إليها الأمل وهي تتوق إلى الحرية والكرامة، يبحث الجميع عن النموذج والقدوة الذي يكسر حاجز الخوف من الأعداء، ويفتح أمام الأمة آفاقاً من الأمل والضوء في نهاية النفق المظلم والواقع الهزيل.
يدرك الإنسان في أي نهوض أو تقدم في مختلف المجالات والميادين، قيمة ما يمتلكه بلده من ثروات، وكذلك يدرك المكانة والأهمية التي تحتلها أرضه وحضارته وتاريخه وهويته.
فعندما يجهل الناس قيمة وطنهم، ولا يعون حجم الحضارة والتاريخ والهوية التي نشأت على أرضهم، وتغيب عنهم معرفة الفرص المتاحة أمامهم لإعادة الانطلاق واقتفاء آثار الآباء والأجداد؛ يحدث ما وصفه الأديب العراقي محمد مهدي الجواهري عندما زار اليمن في عشرينيات أو ثلاثينيات القرن الماضي؛ إذ حين سُئل كيف وجد اليمن، قال: “وجدتها جوهرة ولكن في يد فحّام”، قصداً منه أن اليمن جوهرة ثمينة لكن حكامها لا يعرفون قيمتها ولا أهميتها.
ولهذا الشأن يتحدث الباحث المصري عن اليمن -أرضاً وإنساناً- بحالة من الدهشة والإعزاز والإعجاب والمحبة، وهو ما يعكس أيضاً مكانة اليمن اليوم لدى أحرار الأمة وشعوبها، فالإخفاق والفشل والأزمات والواقع البائس الذي تعيشه المجتمعات غالباً ما يكون ناتجاً عن قصور في معرفة الذات، وضعف تقدير النفس، وغياب التوحد والتعاون للنهوض بأرضٍ ذات تاريخ وحضارة وجغرافيا وثروات وفرص واعدة للمستقبل.
وطوال تاريخ هذا البلد، لم يكن الإنسان اليمني فقيراً ولا مستجدياً خارج أرضه؛ بل كان يمثل قيمة حضارية يأتيه الآخرون ولا يذهب إليهم، يُعطي ولا يستجدي، وهو من قام بنشر قيم ورسالة الإسلام في أنحاء الأرض شرقاً وغرباً، ولم ينتظر أحداً ليأتيه ليعلمه، كان اليمني دوماً هو من ينجز ويبتكر ويصنع الحضارات، لا يقف عاجزاً ولا منتظراً لعطف الآخرين ومساعداتهم.
إن المهم في المرحلة الراهنة هو أن نعرف قيمة بلدنا وهويتنا وتاريخنا والفرص العظيمة التي تحتويها أرضنا، ولو تحقق ذلك، فإن الطريق إلى الحياة الكريمة والاستفادة من المقدرات يتطلب توحد الناس وتآخيهم وتعاونهم وتصديهم لأي غازٍ أو طامع أجنبي، والوصول إلى يقين تام بأن أرضنا تحمل الخير والفرص والأهمية ذاتها.
وهذه الأهمية بالذات هي ما جعلت القوى الخارجية تتكالب على اليمن وتسعى للسيطرة عليه، مع عملها على إبقاء الشعب في حالة من الجهل والتخلف والتناحر والثارات؛ كي لا يعي قيمة بلده والفرص المتاحة أمامه لاستعادة دوره الحضاري الذي سار عليه الأجداد.
وفي هذه المرحلة تحديداً، تتجلى أسباب المواجهة مع النظام العدو السعودي باعتباره آخر أدوات الهيمنة والسيطرة الأجنبية المدعومة أمريكياً وبريطانياً، إن المواجهة الحالية مع السعودي لا تعود إلى مطالبتنا بفيض ثروات نفطية في “أرامكو”، كما أنها لا تتصل حالياً بملف استعادة مناطق نجران وعسير وجيزان باعتبارها قضايا مؤجلة؛ بل إن المشكلة الأساسية هي إصرارنا على أن يرفع يده عن بلدنا.
فالنظام السعودي يصر على التحكم في كل مدينة وقرية، والسيطرة على ثروات اليمن وأمنه ومستقبل أبنائه، ويتعامل مع اليمن كحديقة خلفية يتصرف فيها كيف يشاء وينصب لحكمها من يشاء، وعندما يرفض اليمنيون ذلك ويطالبونه بالرحيل، يمارس بحقهم الحرب والقتل والحصار والتجويع؛ إذ لا يستطيع حتى الآن تصور خروج اليمن من تحت سيطرته ليصبح بلداً حراً ومستقلاً في جواره.
إن قضية اليمنيين كافة، شمالاً وجنوباً، تتلخص في رفض هذه الوصاية السعودية التي تمثل ذراع الاستعمار الأمريكي والبريطاني، ولو لم يكن اليمن يمتلك هذه القيمة الكبيرة بتاريخه وثرواته وشعبه، لما خاض السعودي هذه المعركة وواصل العناد لمسك زمام السيطرة، ومن هذا الإصرار الأجنبي على الاحتلال والتجويع والإذلال، يتوجب علينا إدراك قيمة بلدنا والفرص المتاحة أمامنا لانتزاع الاستقلال والحرية الكاملة ودحر الغزاة.
تبدأ قصة “اليمن مقبرة الغزاة” عندما ابتلعت صحراء الجوف ومأرب الحملة العسكرية الرومانية في فترة ما قبل الميلاد؛ حيث كانت الإمبراطورية الرومانية، أكبر إمبراطورية في ذلك العصر، قد قررت غزو جنوب شبه الجزيرة العربية للسيطرة عليها والاستفادة من موقعها الاستراتيجي وثرواتها المتنوعة.
وفضلاً عن ذلك، في العام 25 قبل الميلاد، تحرك الجيش الروماني بقيادة “أيليوس غالوس” قاطعاً البحر والصحراء باتجاه اليمن، ولم يكن قائد الحملة يدرك ما ينتظره من هزيمة ساحقة على أيدي اليمنيين؛ حيث لم يعد سوى ببضع مئات من جنوده الناجين، بينما قضى بقية الجيش في المعارك.
ولهذا يؤكد السيد القائد أنه إذا أتت أي جيوش لاحتلال بلدنا، فسيثبت شعبنا اليمني العظيم من جديد أن اليمن مقبرة الغزاة، كما أثبت ذلك في الماضي، وبالتالي؛ فإن مقولة “اليمن مقبرة الغزاة” لم تأتِ من فراغ، وليست مجرد وصف بهدف المجاملة أو امتداح الذات وادعاء الأمجاد كما يفعل الكثيرون؛ بل كانت حصيلة تجارب حية للعديد من الإمبراطوريات التي جاءت إلى هذا البلد طامعة وغازية، فكان مصيرها ومصير جيوشها الهلاك والإبادة، سواء في تاريخ اليمن القديم أو في التاريخ الحديث والمعاصر.
وكان آخر هذه القوى أمريكا والعدو الإسرائيلي؛ حيث عاش الجميع هذه التجربة عندما حشدوا أساطيلهم التي يُرعبون بها العالم والتي أسقطوا بها الكثير من البلدان والشعوب، فحشدوها على حدود اليمن البحرية وشكلوا التحالفات الدولية لإسقاط هذا البلد وإرهاب شعبه، فكانت النتيجة مفاجأة للعالم وأعادت للأذهان تاريخ وأمجاد اليمانيين على مر العصور.
اليمن؛ بدرٌ مضيء في سماء الأمة، وشعبٌ وحضارة ضاربة في جذور التاريخ الأصيل للأمة العربية والإسلامية، غير أن دور اليمن ومكانته تراجعا خلال العقود الماضية، لا سيما بعد أن استطاع النظام السعودي اختطاف منظومة الحكم في صنعاء عقب عام 1962م. ومن خلال السيطرة على نظام حكم فاسد وضعيف، عملت السعودية بشكل مكثف على تدمير كل مقومات الحياة في اليمن، بما في ذلك إرادة الإنسان اليمني وثقته بنفسه؛ فحولت اليمني إلى فرد محبط وفقير، وعبثت بمنظومة القيم، ونهبت ثروات البلاد وإمكاناتها.
كما أعلت من شأن الفاسدين وجعلتهم حكاماً وأصحاب امتيازات واعتمادات، وقضت على الزراعة وحاربتها، وأشعلت الثارات بين القبائل، وأخضعت كثيراً من مشايخها بالمال والمرتبات، واغتالت الشرفاء والقادة الوطنيين ليكونوا عبرة لكل من يرفض أو يعارض سياسة التدمير والانتقام السعودية بحق هذا البلد وشعبه وتاريخه.
وفضلاً عن ذلك، نشروا الفكر التكفيري وحاربوا الفكر والانتماء الأصيل لليمنيين في مختلف المناطق، وصنعوا العناصر التكفيرية “القاعدة” و”داعش” ونشروها كالوباء في عدد من المحافظات، قبل أن تتخذ أمريكا من ذلك ذريعة للتدخل وقتل الأبرياء والأطفال والنساء بحجة محاربة الإرهاب.
كما سُرقت ثروات البلد وتقاسمها النافذون والفاسدون، لدرجة أن حكام الأنظمة السابقة تقاسموا آبار وحقول النفط وكأنها تركة خاصة، ودُمِّر التعليم وأصبح عسيراً إلا للنافذين وأتباع “اللجنة الخاصة” السعودية، وأصبح اليمن شأناً سعودياً خالصاً، وبات كما وصف السيد القائد، مجرد ملف من ملفات اللجنة الخاصة.
هكذا غُيِّب اليمن حتى فجَّر الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي –رضوان الله عليه- الثورة والنهضة القرآنية المباركة، التي كانت بمثابة الروح للجسد اليمني بعد أن نجح الأعداء في إفراغه من مضمونه، فجاءت هذه المسيرة لتعيد الحياة والفاعلية إلى الجسد اليمني، وفي غضون أسابيع من التحرك الشعبي في ثورة 21 سبتمبر، أطاح الشعب اليمني بسلطة الوصاية السعودية-الأمريكية، وفر الأدوات والعملاء إلى أسيادهم خارج الحدود.
لكن الأطراف الأمريكية والبريطانية والسعودية استصعبت الاعتراف بالخسارة والإقرار بخروج اليمن من قبضتها وهيمنتها؛ فدفعت بالسعودية لتشكيل تحالف شن عدواناً عسكرياً شاملاً وعنيفاً عام 2015م، بهدف تحطيم إرادة اليمنيين وسحق تطلعاتهم نحو الحرية والاستقلال، ولكن لأن الشعب اليمني قد عرف ووعى حقيقة أهداف الأعداء، تحرك مستعيناً بالله وخاض مواجهة استمرت ثماني سنوات، استطاع خلالها قهر الغزاة والمجرمين، وأجبرهم على التسليم بالفشل واليأس من إمكانية هزيمة اليمنيين أو فرض الوصاية عليهم من جديد.
تفاجأ النظام السعودي بأن اليمن قلب الطاولة عليه وأعاد الكرة إلى مرماه؛ فقد عملت السعودية باعتبارها جزءاً من المشروع الأمريكي-الإسرائيلي وفق استراتيجيات وخطط محددة لإسقاط الشعوب والبلدان العربية والإسلامية، وهي خطط نجحت في كل تجاربهم السابقة.
فما من بلدٍ عربي أو إسلامي توجهت أمريكا لإسقاطه واحتلاله بمعاونة النظام السعودي والأنظمة التابعة إلا وحققوا هدفهم ببساطة وفي وقت قياسي؛ فعلى سبيل المثال، استغرق إسقاط النظام واحتلال العراق ثلاثة أسابيع فقط، بعد إنهاكه بحصار مميت سبق الغزو المباشر، وكان للسعودية دور أساسي في ذلك.
وفي سوريا، فشلوا في إسقاطها عسكرياً منذ ما بعد عام 2011م وحتى مرحلة “طوفان الأقصى”. حيث بدأوا بالخطة (أ) القائمة على استخدام القوة العسكرية، عبر الدفع بمجاميع الجماعات التكفيرية والمرتزقة وتسليحهم وتمويلهم لإشعال الحرب من الداخل، واستمر ذلك لسنوات تسببت في إلحاق أضرار فادحة بالنسيج المجتمعي والتعايش السوري؛ غير أن تدخل حلفاء سوريا ومساندتهم للشعب والنظام حال دون إسقاطها عسكرياً.
حينها انتقل الأعداء إلى الخطة (ب)، وهي خيار الخنق والحصار لإضعاف الدولة وإنهاكها تمهيداً لإسقاطها السريع، وهذا ما حدث بالفعل، لا سيما بعد استشهاد السيد حسن نصر الله –رضوان الله عليه- ورهان بشار الأسد الخاسر على التقرب من السعودي والإماراتي؛ حيث سرعان ما انهار الجيش وتفكك، وتحركت الجماعات الاستخباراتية والقاعدة لتصبح هي الحاكمة في دمشق.
وعندما جاءوا إلى اليمن، دخلوا وهم مستهينون بأبناء هذا البلد؛ فكانت الطائرات تقصف المنازل والمدن لبث الرعب والذعر ولإجبار الناس على الفرار إلى الجبال لتتدخل السعودية وتسيطر بسهولة، تماماً كما فعلوا مع المجلس الانتقالي قبل أشهر قليلة خلال ليلة واحدة، ظانين أن السيناريو نفسه سيتحقق في صنعاء، ولهذا أطلقوا ما سموه “عاصفة الحزم”، لكن الشهور الأولى مرت، ثم السنة الأولى والثانية والثالثة، وتوالت السنوات الخمس والست والسبع والثماني، حتى أدركوا أن ما ينطلي على غير اليمن غير واردٍ هنا.
وأمام هذه الصلابة، راهنوا على الخطة (ب)؛ فكان لسان حال النظام السعودي ومن خلفه الأمريكي والبريطاني يقول: طالما أن اليمنيين رجال حرب وشجعان ومجاهدون لا يعرفون الخوف ولا الاستكانة ومتوكلون على الله، فعلينا بإحكام الحصار وإغلاق المنافذ والموانئ والمطارات، وقتل الشعب اليمني بالجوع ومضاعفة الخناق عليه حتى الموت، وفي المقابل كانت المفاجأة التي لم يتوقعوها بعد أريع سنوات من الحصار.
يصر النظام السعودي ويمتنع عن التعقل حتى الآن في إنهاء الحصار، لأنه لا يمتلك هو ومن خلفه الأمريكي والعدو الإسرائيلي، خياراً بديلاً عن الحصار، الذي يعتبر بالنسبة له بمثابة الحرب البديلة والخطة (ب)؛ فالعدو السعودي يعتبر فك الحصار عن اليمن، الفشل والهزيمة في إسقاط هذا البلد، وهو أمر تترتب عليه نتائج وتبعات كبرى عليهم، ولا سيما على النظام السعودي؛ ولذا هم يمرون بمأزق حقيقي.
لقد فاجأهم اليمن بشكل غير متوقع؛ إذ كانت حساباتهم تراهن على أن هذا البلد، المحاصر والمنهك بكلفة العدوان والحرب الباهظة والكبيرة، لن يفكر في خوض معركة لفك الحصار، وسيخضع للأمر الواقع حتى يسقط تدريجياً.
أما العامل الآخر الذي جعلهم يستبعدون تحرك اليمنيين لفك الحصار، فهو رهانهم على ضرب الجبهة الداخلية؛ فمنذ اليوم الأول لتطبيق الخطة (ب) القائمة على “الإسقاط بالتجويع”، ضخوا وما زالوا يضخون، أموالاً ضخمة لشراء الذمم وتجنيد العملاء والمرتزقة، بهدف إضعاف الداخل وإشغاله لمنعه من النهوض والتحرك لفك الحصار.
وكان العامل الثالث هو اطمئنانهم إلى نجاح استراتيجية “الإسقاط بالحصار والتجويع”، باعتبارها تجربة محكمة ومجربة في دول وبلدان أخرى، وكان ظنهم أن اليمن سيكون أسهل في الانكسار أمامها مقارنة بتلك البلدان.
هكذا أرادوا لليمن ولليمنيين هذا المصير؛ فبعد أن فشلوا عسكرياً، لجأوا إلى الخطة (ب)، وهي الخطة الأكثر توحشاً وإجراماً، ومن الوهم الرهان على قدرة الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية أو المناشدات والدموع في الضغط على أمريكا أو النظام السعودي لفك الحصار عن اليمن؛ فلو بكت الأمة وتضرعت، لن يرحم النظام السعودي الشعب اليمني، ولو مات الملايين من الجوع فلن يرفعوا الحصار ولن يتركوا هذا البلد، لأن لديهم أهدافاً استراتيجية يسعون لتحقيقها.
ولذلك، تتجلى هنا قيمة القيادة في اليمن، التي كانت تسابق الزمن وتسير وفق خطط متوازنة؛ حيث خاضت المواجهة على ثلاث جبهات رئيسية بالتزامن، كانت الأولى: جبهة المواجهة العسكرية المباشرة والتصدي للعدوان والغزو، حيث عملت الليل والنهار لامتلاك أسباب القوة وعوامل الردع، وبفضل الله أمكن كسر هذا العدو وإفشال مخططاته.
الجبهة الثانية: الجبهة الداخلية، والتي ركزت على الحفاظ على استقرار الداخل وتوفير الحد الأدنى من الغذاء والدواء لتأمين حياة الناس بالقدر الممكن برغم الحصار والحرب والصعاب، وبفضل الله والجهود الكبيرة، تفادينا السيناريو الأفظع والأشد سوءاً الذي كان مرسوماً لنا، لتبدو جبهتنا الداخلية اليوم أفضل حالاً مما لدى المرتزقة، بل وأفضل من دولٍ لا تتعرض لحرب ولا حصار.
الجبهة الثالثة: جبهة التصنيع العسكري وتطوير مجالات السلاح بالتزامن مع المعركة الميدانية؛ وهو الخيار الكفيل بفك الحصار عن البلد وفرض معادلات جديدة، وصولاً إلى هذه اللحظة التي نعيشها اليوم، تفاجأ الأعداء من جديد بأن اليمن، بعون الله، وبوعي الشعب، وحكمة وإيمان القيادة، قد امتلك القدرة الكافية لتأديب هؤلاء الأعداء وردع الواهمين وإعادتهم إلى جادة الصواب.
يقول السيد القائد في المقطع السابق: إذا كانت مشكلة النظام السعودي معنا هي حريتنا، ومطاراتنا، وموانئنا، وثرواتنا، وأرضنا، وبضائعنا، وحركة مواطنينا وخروج مرضانا للعلاج، وعلاقاتنا في إطار عالمنا الإسلامي، ومواقفنا المناهضة لأمريكا والعدو الإسرائيلي؛ فهو بذلك يضع نفسه في موقع الباغي الظالم والمدعي المتكبر الذي يورط نفسه بكل ما يترتب على ذلك من نتائج وتداعيات.
ولا ينبغي أن يتصور الأعداء أن المسألة مجرد نزهة، بل هي مختلفة تماماً؛ فبإصراره على الحصار واتجاهه نحو التصعيد والعدوان الشامل، لن نألُ جهداً في التصدي له بكل ما نملكه وما سنملكه، مستعينين بالله ومتوكلين عليه، وهو خير الناصرين ونعم المولى ونعم النصير.
إن كل المنشآت النفطية السعودية والمرافق الحيوية تُعد أهدافاً مباشرة لصواريخنا وطائراتنا المسيرة إذا ما ورّط نفسه في عدوان شامل على بلدنا واتجه للتصعيد بدلاً من أن يكف عن حصارنا ويتوقف عن هذا التدخل الدنيء والوقح، ونحن بطيبة نفس على أتم الاستعداد لتقديم أي مستوى من التضحيات وتحمل أي كلفة لهذا الخيار، رفضا لاستمرار الحصار واستعدادا للتصدي للعدوان الشامل الذي يسعى إليه السعودي.
وقد أثبت شعبنا العزيز عبر وقفات قبائله الكبيرة والحاشدة والعظيمة أن هذا هو خياره الثابت؛ فلا خيار لشعبنا إلا الحرية والكرامة والتمسك بالحقوق المشروعة والجهاد في سبيل الله من أجلها، كما أن الموقف الرسمي لشعبنا واضح وجلي؛ فنفوسنا طيبة للتضحية، ومهما بلغت التكاليف فلن يتمكن السعودي ولا سيده الأمريكي ولا البريطاني ولا العدو الإسرائيلي ولا أي قوة في هذا العالم من استعبادنا أو مصادرة حريتنا وكرامتنا.
وبالتالي، من النعم الكبيرة نعمة القيادة التي تسبق الأعداء دائماً وتفاجئهم وتجهض خططهم، معيدةً إياهم إلى نقطة الصفر في كل جولة من جولات المواجهة، إن كلفة التحرك لفك الحصار، ولو عبر الحرب والمواجهة المباشرة من جديد مع النظام السعودي، هي كلفة أقل بكثير من كلفة الاستسلام والبقاء تحت وطأة الحصار الذي يسعى الأعداء من خلاله لقتلنا كيمنيين بالفقر والجوع وإبادتنا بالملايين، تماماً كما أُبيد الهنود الحمر أو كما تُباد الكائنات غير البشرية.
وبفضل الله سبحانه وتعالى، والقيادة العظيمة والحكيمة ممثلة بالسيد القائد يحفظه الله، وبوعي وإيمان وثبات أبناء الشعب اليمني العظيم، استطاع اليمن وقواته المسلحةأن يقلب الطاولة على أولئك المجرمين، القتلة، الوحوش، الأنذال، انقلب السحر على الساحر، أصبح الحصار السعودي على اليمن حبل مشنقة يلتف حول عنق بن سعود ويكاد يقتله ان شاء الله ويطيح به إن لم يراجع نفسه.
