“الحصار بالحصار” معادلة اليمن الجديدة التي أربكت الرياض وأسواق النفط العالمية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
2 أغسطس 2026مـ – 19 صفر 1448هـ

في تحول استراتيجي لافت، نقلت القوات المسلحة اليمنية معركتها مع العدو السعودي إلى مستوى جديد تمامًا، معلنةً فرض حظر بحري على الملاحة السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في إطار معادلة “الحصار مقابل الحصار”. وجاء هذا التصعيد ردًا على استمرار الحصار الجوي والبحري الذي تفرضه الرياض على اليمن منذ اثني عشر عامًا، وعلى رأسها استهداف مطار صنعاء الدولي ومنع الرحلات الجوية الإنسانية.
خلال أسابيع قليلة، نفذت القوات المسلحة اليمنية سلسلة عمليات نوعية شملت استهداف مطار أبها، ومصافي أرامكو في جيزان وينبع وبقيق، إلى جانب استهداف ثلاث سفن نفطية سعودية، وإجبار 16 سفينة سعودية على التراجع وعدم المرور عبر باب المندب. هذه العمليات كشفت عن تحول جوهري في ميزان القوى الإقليمي، وأعادت رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية.

الحظر البحري: استجابة فورية من شركات الشحن
لم تحتج شركات الملاحة الدولية لاختبار قدرة القوات المسلحة اليمنية على تنفيذ تهديداتها، فالتجارب السابقة خلال معركة إسناد غزة وما بعدها أكدت قناعة راسخة لدى أوساط الشحن العالمية بأن ما يصدر عن صنعاء سيُنفذ بلا تردد، وقد تجسد ذلك في الاستجابة السريعة للحظر على الملاحة السعودية. فقد أكدت وكالة رويترز أن ناقلتي نفط تحملان خامًا سعوديًا ومتجهتين إلى آسيا غيّرتا مسارهما عن البحر الأحمر بعد أقل من 48 ساعة فقط من التحذير اليمني، فيما أعلنت القوات المسلحة عودة ست سفن خلال 24 ساعة بعد إعلان الحظر. في المقابل، رصدت شركات مراقبة الملاحة تجاهلًا تامًا للبيان العسكري السعودي الذي توعد بحماية الملاحة، لإدراكها أن الوعود السعودية لا تصمد أمام القدرات اليمنية المثبتة.
أما المفاجأة الكبرى فجاءت من مجلة “لويدز ليست” البحرية المتخصصة، التي جزمت بأن حركة ناقلات النفط الخام السعودية في البحر الأحمر أصبحت شبه معدومة، إذ لم يُسجل عبور أي ناقلة نفط خام سعودية منذ 23 يوليو، وأضافت أن ما لا يقل عن 11 ناقلة أوقفت بث إشارات نظام التتبع قبالة ميناء ينبع، في محاولة يائسة للحد من تعرضها للمخاطر.

ميناء ينبع: الشريان البديل يتحول إلى هدف
قبل التصعيد الأخير، كانت السعودية قد اعتمدت بشكل متزايد على ميناء ينبع على البحر الأحمر كمنفذ بديل لصادراتها النفطية، بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز على خلفية العدوان الأمريكي على إيران، لكن الحظر اليمني قلب هذه الاستراتيجية رأسًا على عقب.
موقع “ديفينس سيكوريتي آسيا” المتخصص في الشؤون العسكرية وصف الوضع بأنه “كابوس استراتيجي” يتمثل في سيناريو “نقطة الاختناق المزدوجة”، حيث بات مضيقا هرمز وباب المندب معًا مصدر تهديد لمسارات تصدير النفط السعودي، وأكد التقرير أن توقيت القرار اليمني اتسم بدقة بالغة، إذ جاء في المرحلة التي رفعت فيها السعودية معدلات تحميل النفط عبر ينبع إلى مستويات قياسية تجاوزت سبعة ملايين برميل يوميًا، ما جعل الجزء الأكبر من حركة الناقلات السعودية يدخل ضمن نطاق التهديد المباشر للقدرات العسكرية اليمنية.
بلومبرغ بدورها أوضحت أن أي انقطاع لحركة الإمدادات عبر البحر الأحمر سيؤدي إلى تفاقم تداعيات الحرب على تجارة النفط الدولية، خصوصًا أن السعودية أصبحت تعتمد بصورة رئيسية على هذا المسار بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. وأشارت إلى أن صادرات النفط السعودية عبر ينبع بلغت مستوى قياسيًا وصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا خلال الشهر السابق للتصعيد، ما ساعد في الحد من اضطراب الإمدادات العالمية، غير أن هذا المسار أصبح اليوم في مرمى النيران اليمنية.

شركات التأمين تضرب اقتصاد النفط السعودي
لم تكن الضربات العسكرية وحدها من تعمل على شل حركة النفط السعودي، فقد جاءت الضربة الاقتصادية الموازية من سوق التأمين العالمية في لندن، التي تحكمت فعليًا في قدرة الناقلات على الإبحار.
صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية كشفت أن عددًا من أكبر شركات تأمين السفن في سوق لويدز بلندن بدأ استبعاد السفن المرتبطة بالسعودية من تغطية مخاطر الحرب في البحر الأحمر. وأبلغت شركاتٌ كبرى (من بينها أسكوت ونافيوم) الوسطاء بوقف تغطية مخاطر الحرب للسفن المرتبطة بالسعودية أو المتجهة إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر، مع إلغاء عدد من وثائق التأمين السارية.
وأكدت تقارير أخرى أن شركات التأمين رفضت قبول طلبات التأمين الخاصة بمخاطر الحرب للسفن المرتبطة بالسعودية، ليشمل القرار أيضًا السفن التي تحمل علم أي دولة لكنها رست في الموانئ السعودية قبل أن تواصل طريقها في البحر الأحمر. وكالة “أسوشيتد برس” نقلت عن مصادر في قطاع التأمين البحري أن أقساط مخاطر الحرب على السفن العابرة للبحر الأحمر ارتفعت إلى نحو 0.75% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 0.3% قبل إعلان الحصار.

استخبارات بحرية متطورة: اليمنيون يعرفون أهدافهم
صحيفة “ذا ماريتايم إكزكيوتيف” المتخصصة في شؤون الملاحة والنقل البحري سلطت الضوء على مستوى متطور من القدرات اليمنية، وأشارت إلى أن العمليات لا تتوقف ولا يتم الإعلان الرسمي إلا عن بعضها، مرجحة أن الهجمات مصممة لرفع الحصار عن اليمن وتجنب تصعيد الصراع، بدلًا من مجرد خطة لإغلاق باب المندب بالكامل.
وأكدت الصحيفة أن اليمنيين يثقون بقدراتهم الاستخباراتية البحرية المتطورة، ويملكون إمكانية الوصول، ما يمكنهم من تحديد السفن التي تتوافق مع معايير هجومهم بدقة متناهية. وأضافت أن اليمنيين ينسقون باستخدام أنظمة ضربات متعددة في آن واحد لمهاجمة أهداف محددة، في خطوة تنذر بالخطر، مشيرة إلى أن هذه الميزات الجديدة تؤكد أن الاستعدادات كانت جارية منذ فترة طويلة.

خسائر بمليارات الدولارات ومسارات بديلة مكلفة
شركة “ويندوارد” المتخصصة في الاستخبارات البحرية أبدت دهشتها من حجم الخسائر السعودية، فرصدت إصابة أربع سفن خلال فترة يسيرة، وتعرض مصفاة أرامكو في جيزان لضربات صاروخية، مع رصد خمس بؤر حرارية داخل المجمع، بالإضافة إلى ضربات على ينبع. وأكدت أن أحجام تحميل النفط في ينبع انخفضت بنحو 40% بعد 19 يوليو، من حوالي 5.16 مليون برميل يوميًا إلى حوالي 3.09 مليون برميل يوميًا.
ولجأت السعودية إلى اعتماد مسار سوميد عبر مصر ثم رأس الرجاء الصالح، ما أضاف وقتًا وتكاليف كبيرة إلى الرحلات، قدرت بنحو 9 دولارات للبرميل. صحيفة “ذا ناشيونال” أوضحت أن شحنة النفط من ينبع إلى كوريا الجنوبية تستغرق نحو 24 يومًا عبر باب المندب، مقابل 54 يومًا عبر قناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، أي بزيادة تتجاوز أربعة أسابيع، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل بنحو مليوني دولار لكل شحنة.
“وول ستريت جورنال” أشارت إلى أن أربع ناقلات نفط خام سعودية على الأقل غيرت مسارها قبل الوصول إلى مضيق باب المندب واتجهت شمالًا، فيما تحاول السعودية التعويض عن الخسائر برفع كميات النفط المعروضة للتحميل من موانئ مصر على البحر المتوسط. لكن الخبراء شككوا في جدوى هذا المسار البديل، مؤكدين أن خط أنابيب سوميد قادر على نقل أقل من 500 ألف برميل يوميًا فقط، فيما تصدر السعودية عبر ينبع أكثر من 6 ملايين برميل يوميًا.

واشنطن تتردد: تجربة مريرة تمنع التصعيد
الموقف الأمريكي من التصعيد اليمني كان محفوفًا بالحذر، وهو ما عكسته تصريحات ترامب نفسه، فعلى غير عادته في التهديد والوعيد قال ترامب على منصته “تروث سوشيال”: “منذ معركتنا الأخيرة قبل عام مع “الحوثيين” تصرفوا حتى الآن بمسؤولية بالغة… أشعر بخيبة أمل كبيرة تجاههم، لأنهم حتى الآن تصرفوا باحترافية وحكمة”.
وبدلًا من مهاجمة اليمنيين، وجه ترامب تهديداته نحو إيران، في محاولة لتجنب فتح جبهة جديدة مع صنعاء. شبكة “إم إس ناو” الأمريكية علقت على هذا الموقف بالقول إن لدى ترامب أسبابًا تدعوه للخوف والقلق، بالنظر إلى التجارب السالفة مع اليمنيين، مشيرة إلى أن الحملة الجوية الأمريكية عام 2025، التي تجاوزت تكلفتها مليار دولار خلال أقل من شهرين، لم تنجح في وقف العمليات اليمنية، بل انتهت باتفاق عسكري هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية.
“وول ستريت جورنال” نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن واشنطن لا ترغب في الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة مع اليمن. وأضافت أن الوجود البحري الأمريكي في البحر الأحمر محدود، بينما تواصل قوات أمريكية أخرى عملياتها في بحر العرب، بالتزامن مع التحديات التي تواجهها واشنطن في التعامل مع إغلاق مضيق هرمز.
أما نيويورك تايمز فقد كشفت أن أمريكا ودولًا أوروبية أبدت عدم رغبة في الانضمام إلى التحالف البحري الذي دعت إليه السعودية، في الوقت الذي لم تلتحق به سوى 14 دولة من أصل 51 دولة تم دعوتها. وأكد مسؤولون غربيون أن الوضع القائم في بحور المنطقة لا يحتمل المزيد من التعقيد.

قلق إسرائيلي من عدو لا يمكن هزيمته
في الكيان الإسرائيلي بدا القلق واضحًا من تداعيات التصعيد اليمني. صحيفة “كالكاليست” الاقتصادية العبرية لفتت إلى امتلاك “الحوثيين” القدرة على التأثير الفوري على أسعار النفط في الأسواق العالمية من خلال الحظر على الملاحة السعودية. ونقلت عن المعلق الصهيوني دورون بيسكين قوله إن الخشية في “إسرائيل” تتمحور حول عقيدة أنصارالله الذين يرون في اليهود العدو الأول، وبالتالي فإن من أولوياتهم استهداف كل ما هو “إسرائيلي”.
واعترف قائد “البحرية الإسرائيلية” السابق، الصهيوني “إليعازر ماروم”، في تصريحات لصحيفة “معاريف”، بالفشل في المعركة مع اليمنيين، قائلًا: “نحن ندرك ما يدور حولنا، ومن الصعب للغاية هزيمة هؤلاء أو كسب المعركة ضدهم”. وأضاف أن “اليمنيين أخضعوا الأساطيل الأوروبية في البحر الأحمر، وأن الأمريكيين غير راغبين في مواجهتهم”، معترفًا بأنه “في الوقت الراهن، لا يوجد حل لهذه القضية”.

الاقتصاد السعودي ينكمش: الأرقام تتحدث
لم تقتصر التداعيات على قطاع النفط وحده. صحيفة “فاينانشال تايمز” كشفت أن الناتج المحلي الإجمالي للسعودية سجل انكماشًا بنسبة 4.8% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهو أشد تراجع فصلي منذ جائحة كورونا، مدفوعًا بهبوط حاد في قطاع النفط بنسبة 24.7% نتيجة تعطل حركة الشحن. ويتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو الاقتصاد السعودي إلى 1.7% خلال عام 2026.
أما أسعار النفط العالمية فقد تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ شهرين، وسط تقديرات بعض المؤسسات المالية بإمكانية بلوغها 120 دولارًا إذا استمر التصعيد. شبكة “سي بي نيوز” الأمريكية قرعت جرس الخطر من أن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب قد يؤدي إلى خفض إمدادات النفط العالمية بنسبة 7%، في وقت تعاني فيه الأسواق أصلًا من تراجع الإمدادات نتيجة تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

خيارات سعودية محدودة
“ميدل إيست آي” أكد أن خيارات السعودية أصبحت أكثر ضيقًا، بعدما أثبتت التجارب السابقة أن الضربات الجوية لم تنجح في إخضاع اليمن أو عزله. وأوضح أن الهدف الحالي لصنعاء لا يبدو إغلاق باب المندب بالكامل، بل إظهار قدرتها على رفع الكلفة الاقتصادية على الرياض متى شاءت بغية نيل المطالب اليمنية، وفي مقدمتها رفع الحصار وفتح مطار صنعاء وصرف رواتب الموظفين.
معهد “دراسات الحرب” الأمريكي رجح أن حسابات اليمنيين الاستراتيجية قد تتغير إذا رأت صنعاء أن توسيع نطاق العمليات يوصِل إلى انتزاع ثرواتهم وكسر الحصار. ونقل المعهد عن محللين مؤشرات على تفضيل السعودية توسيع عملياتها العسكرية على رفع حصارها الطويل، في مقامرة قد تكلفها غاليًا.

معادلة جديدة في المنطقة
بعد اثني عشر عامًا من الحصار، تجد السعودية نفسها أمام واقع مختلف تمامًا. فإما أن ترفع حصارها عن اليمن، أو تتحمل تبعات حصار بحري لا يشك أحد في قدرة اليمنيين على فرضه في أحد أهم مضايق الملاحة البحرية في العالم. لقد أثبتت العمليات اليمنية الأخيرة أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن الأوراق التي كانت الرياض تظن أنها بيدها وحدها، أصبحت اليوم بيد صنعاء فقط.
صحيفة “الإيكونوميست” نقلت عن المحلل مايكل نايتس قوله: “لا يمكنك تقليص قدرات اليمنيين المضادة للسفن إلى الحد الذي يجعلهم غير قادرين على ضرب وإغراق سفينة أو سفينتين شهريًا، وهذا رادع كافٍ لشركات الشحن للتوقف ببساطة عن العبور”. ويبدو أن اليمنيين يدركون ذلك تمامًا، ويراهنون عليه لانتزاع حقوقهم بعد أكثر من عقد من الحصار والعدوان.