الشهيد العظيم إسماعيل هنية ويمن الأنصار.. حكاية وفاء متبادل كتبتها ميادين الجهاد

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

2 أغسطس 2026مـ – 19 صفر 1448هـ

تقرير || نوح جلاس

من قلب أكناف بيت المقدس، ومن صمود غزة العزة وبسالة القسام، كُتِبت سِفْرٌ من أنصع أسفار الوفاء العظيم، خطت حروفه دماء الشهداء الطاهرة، وصيحات المجاهدين الأحرار، وجسدته أروع ملاحم الأخوة والتلاحم الإيماني بين شعبين لم تفصل بين قلوبهما جغرافيا، ولم توهن عزمتهما بعد المسافات: فلسطين واليمن.

وحين تتشابك دروب التضحية وتتوحد بوصلة الكفاح نحو الغاية الكبرى، تتجلى أعظم صور التضامن الإنساني والإيماني لتسطر صفحات خالدة في تاريخ الأمة المعاصر. وفي غمرة هذه الملاحم البطولية التي تخطها دماء الأحرار على امتداد ساحات المواجهة، تبرز العلاقة الاستثنائية بين أحرار اليمن وقضية الأمة المركزية كنموذج فريد للصدق والثبات، وهو ما يتجسد بوضوح في موقف اليمن من جهة، ومسيرة ومواقف قادة المقاومة الأبطال، على رأسهم الشهيد المجاهد الكبير إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، من جهةٍ أخرى.

وفي الذكرى السنوية لاستشهاده، يسلط موقع “المسيرة نت” الضوء على أبرز المحطات التاريخية والمواقف الخالدة التي جمعت بين اليمن -شعبا وقيادة- وبين القائد الشهيد “أبو العبد”، حيث كان يرى في اليمن عمقا إستراتيجيا، و”مددا جديدا، وإضافة نوعية هامة لم يكن يتوقعها العدو أو يحسب لها أي حساب”.

وبين ثبات صنعاء وعنفوان غزة، نسجت حكاية وفاء متبادل ناطقة بالحق، ومضروبة بأوتاد الصبر واليقين، حتى معراج القائد شهيدا على طريق القدس.

العديد من المواقف على لسان الشهيد القائد هنية لا تكفي السطور لسردها، لكنها كافية ليدرك الجميع أن يمن الأنصار بقيادة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي قد حجز موقعه المتقدم في معركة الأمة، وترجم مصاديق النبوءات المحمدية عن أهل اليمن.

 

بداية صدى النداء.. “القدس في قلب صنعاء” (2022)

في التاسع والعشرين من أبريل عام 2022م، وفي مسيرة جماهيرية مليونية مهيبة شهدتها العاصمة صنعاء إحياء ليوم القدس العالمي، أطل الشهيد القائد إسماعيل هنية بكلمة تجسد هذا الوفاء، موجها تحية الفخر والاعتزاز، ومخاطبا السيول البشرية اليمانية المتدفقة:

“أهلنا في اليمن المجاهد الصابر يسجلون اليوم هذا الحضور المبارك بهذه الكثافة الشعبية الجماهيرية، تؤكدون في يوم القدس العالمي أن القدس في قلب صنعاء وأن اليمن الذي كان وما يزال مصدر العروبة وحاضنة الإسلام عاشقا للقدس ولفلسطين.. وعلى عتبات المسجد الأقصى شهداء ومجاهدين من أهل اليمن، أهل المدد والعمق والعطاء والتضحية”.

وأكد الشهيد هنية حينها، في ظل الأحداث المتسارعة بالقدس والأقصى، أن المشروع الصهيوني قائم على احتلال الأرض وضرب الهوية وتفريغ الأرض من شعبها، مشددا على أنها معركة أمة بكاملها، وأن المعادلة المركزية للمواجهة تتشكل من (الشعب، المقاومة، الهوية) امتدادا لمعركة “سيف القدس”، وأن هذا الثلاثي مرتبط بعمقه الإستراتيجي في الأمة.

واستطرد بالقول: “فلسطين والقدس ليست للفلسطينيين وحدهم بل هي لكل أبناء الأمة ولأحرار العالم الذين يرفضون هذا الظلم التاريخي والعدوان السافر على شعبنا ومقدساتنا.. لذلك نحن نحيي اليوم أهلنا في اليمن وهم يخرجون في هذه المليونية يرفعون قبضات أيديهم ويعلنون بحناجرهم هذه الهتافات والشعارات، يؤكدون مجددا أن القدس كما كانت القبلة الأولى في الصلاة، هي اليوم قبلة المجاهدين والمقاومين، وقبلة الأحرار ومهوى أفئدة المؤمنين والمؤمنات”.

ووجه هنية رسالته الحازمة للإقليم والعالم بأن المسجد الأقصى خط أحمر والقدس دونها الرقاب، محذرا من أن اللعب بالنار وتحويل الصراع قد يمتد ليكون صراعا إقليميا وأوسع من ذلك، مؤكدا:

“لن نسمح به على الإطلاق ولن تسمح به هذه الجموع المحتشدة في صنعاء الخير ويمن المدد والأمن والإيمان ولن تسمح به كل الشعوب المنتفضة اليوم في معظم عواصم عالمنا العربي والإسلامي إحياء ليوم القدس العالمي.. وأطمئن الجميع أننا سنظل على عهد المقدسات، والشهداء وعهد الرجال، ولن نعترف بإسرائيل، ولن نلقي السلاح ولن نقر لهذا المحتل بوجود على أي شبر من أرض فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها وشعبنا منتصر وأمتنا هي المنتصرة في معركة القدس بإذن الله سبحانه وتعالى”.

طوفان الأقصى ورسالة الوفاء والدم.. من القائد إلى القائد (2024)

وبعد مرور عام ونيف تقريباً، اندلعت معركة “طوفان الأقصى” المباركة، فتجلى اليمن حاضرا بدمه وسلاحه ورساله الجهادية إلى جانب فلسطين ومقاومته، فتعمقت العلاقة بين اليمن شعبا وقيادة، وبين المجاهدين أبطالا وقادة، فيما برزت رسائل القائد هنية مجددا لتتحدث عن دور اليمن في معركة الإسناد، وأهميتها في مسار الصراع مع العدو الصهيوني، فكان اليمنيون وأنصار الله الحاضر الأبرز في كل كلمة من كلماته الخالدة.

وفي يوم الجمعة الثاني عشر من يناير 2024م، بعث الشهيد إسماعيل هنية رسالة تاريخية إلى السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، جاء فيها:

سماحة السيد عبد الملك الحوثي -حفظه الله-

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أبرق لكم بالتحية الجهادية الواجبة لكم ولشعبنا اليمني العظيم والقوات المسلحة نيابة عن إخواني المجاهدين في ميادين القتال. وشعبنا الصابر المحتسب. وذلك على جهدكم الكبير في إسناد معركة “طوفان الأقصى” عبر خوضكم لمعركة البحر الأحمر، ومعركة المسيرات والصواريخ ضد الأهداف الإسرائيلية.

نعزيكم ونعزي الشعب اليمني الشقيق بالشهداء العظام الذين ارتقوا دعما لغزة وعلى طريق القدس خمسة عشر شهيدا من القوات المسلحة مضوا على الطريق فكانوا خمسة عشر وساما على طريق التحرير والتمكين.

وأنقل لكم تضامننا معكم ومع شعبنا اليمني الشقيق في مواجهة العدوان الأمريكي البريطاني، الذي جاء كتعبير حقيقي عن الأزمة التي يعيشها الكيان الصهيوني وحلفاؤه من عدم قدرتهم على تحقيق أي من أهدافهم في غزة رغم مضي مئة يوم على العدوان.

ويعود ذلك لقوة فعل المقاومة في غزة، وصمود شعبنا الأسطوري، والتدخل الفعال لقوى المقاومة في المنطقة، وفي مقدمتها تدخل الإخوة في أنصار الله، وكذلك المقاومة الإسلامية في لبنان والذي زاد من عجز الصهاينة في التعامل مع تطورات المعركة، إلى جانب تأثير الحراكات الشعبية في أوساط الأمة وأحرار العالم؛ وصولا إلى محاكمة العدو أمام محكمة العدالة الدولية؛ بفعل الدعوى التي قدمتها دولة جنوب إفريقيا المبدئية.

سماحة السيد:

إننا وإذ نعلن تضامننا الكامل مع شعبنا اليمني، فإننا نؤكد أن ما حصل من اعتداء، وردكم الفوري والجريء، وإعلانكم باستمرار سياستكم بمنع السفن الإسرائيلية وتلك المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة سيجعل نهاية العدوان وإعلان انتصار المقاومة أمرا حتميا، وما ذلك على الله بعزيز.

سماحة السيد:

إن أحد أكبر إنجازات هذه المعركة العظيمة هو تجسد وحدة جبهات المقاومة عمليا في معركة فلسطين على امتداد جغرافيا هذه الجبهات التي تبدأ من الجمهورية الإسلامية في إيران وجهدها الحيوي في هذه المعركة مرورا بالعراق وسوريا ولبنان وليس انتهاء باليمن.

إن الانتصار في معركة “طوفان الأقصى” جعل من فكرة مشاركة الأمة في معركة التحرير الكامل لفلسطين حقيقة وواقعا عمليا وليس حلما أو مستحيلا، وهذا ما يجعل من هذه القضية على رأس الأولويات في المرحلة القادمة.

تقبل الله الشهداء، حفظ الله اليمن، وبارك الله في جيش اليمن.

شهادة الحق قبل الاستشهاد.. “أنصار الله هم أنصار الحق” (2024)

وقبل استشهاده بفترة وجيزة، ختمت هذه الملحمة بلقاء وجداني إيماني جمع الشهيد إسماعيل هنية بوفد ممثل لأنصار الله، حيث تحدث بكلمات نابعة من أعماق القلب، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

وقال لهم موثقا شهادة التاريخ: “سعيد جدا بلقائكم جميعا. اسمكم أنصار الله، وهذا الاسم هو اسم على مسمّى؛ فأنتم فعلا أنصار الله وأنصار الحق، والله اصطفاكم وادخركم لهذه المعركة.. أنصار الله هم أنصار الحق، وقد أبلغت الإمام الخامنئي عندما التقيته بذلك”.

واستحضر الشهيد هنية التحول الإستراتيجي التاريخي الذي صنعه موقف اليمن، معبرا عن اهتمامه بمتابعة الموقف اليمني العسكري والشعبي، حيث قال: “كنا سابقا نتمنى وجودكم على حدودنا، ولكن تدبير الله جعلكم في موقع استراتيجي، وموقفكم من العدو لم يكن في الحسبان، حتى أصبح الموقف اليمني هو الأبرز والأكثر ضغطا على المستوى الاستراتيجي. السيد عبد الملك -حفظه الله- يطل أسبوعيا بكلمات قوية ومؤثرة، وكذلك المسيرات والمظاهرات في الساحات بذلك الحضور والزخم الذي لم يحدث مثله في التاريخ، بهذا الانتظام الأسبوعي، دون كلل أو ملل، وحتى دون أن تنقص تلك الجماهير، وأنا أتابعها أسبوعيا”.

وعن سنن النصر والإيمان، استشهد القائد هنية بقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.

ولفت إلى أن الذي يقود الجهاد اليوم هو التيار الإسلامي والمستضعفون الذين يغيرون التاريخ حين تتوفر لديهم الإرادة، وأن المجتمع مرتقٍ من مرتبتي الصبر والرضا إلى مرتبة “الحمد والشكر” على كل ما ابتلي به وأن اتخذ الله منهم شهداء.

وحول الأثر الميداني والإستراتيجي المباشر للضربات اليمنية، اختزل القائد إسماعيل هنية حديثه في هذه الكلمات: “لا أريد الحديث عن محور المقاومة، فهو معروف من قبل، ولكن هناك المدد الجديد، والإضافة النوعية والهامة، التي لم يكن يتوقعها العدو أو يحسب لها أي حساب، وهذه الإضافة هي ما جاء من اليمن إلى ساحة الصراع مع العدو.. هذا مدد استراتيجي، وليس محدودا. اليمن يمتلك ممرا في البحر، ويحاصر العدو من خلاله اقتصاديا، حتى أصبح العدو مخنوقا، وأعلن إفلاس الميناء. الطائرة المسيّرة التي استهدفت يافا، بعدها الاستراتيجي على العدو هو أن قلب الكيان أصبح مهددا من قبل المقاومة في اليمن، وأصبحت حسابات العدو صعبة جدا”.

واختتم حديثه للوفد بنقل نبض غزة وفلسطين بشأن ما يسطره اليمن: “نحن نشكر أنصار الله على ما قاموا به، فأنتم أنصار الحق.. أنتم لا تعلمون حجم المعنويات في الشارع الفلسطيني عندما يحدث أي استهداف من أنصار الله للعدو، وعندما يتابع الناس خطابات السيد عبد الملك، ويشاهدون المظاهرات بهذا الزخم والحماس، ترتفع معنوياتهم كثيرا ويشعرون بالأمل. لذلك، نحن فصائل المقاومة الفلسطينية، ونيابة عن كل محور المقاومة، وعن الشعب الفلسطيني، نحيي السيد عبد الملك الحوثي وأنصار الله، ونسأل الله أن يؤيدكم وينصركم ويكتب أجركم، وأن يجزيكم عنا خير الجزاء. شكرا لكم، وتحياتنا الحارة وسلامنا للسيد عبد الملك الحوثي، ولكل الإخوة في أنصار الله”.

 

البلاغ الأخير.. قبل الاستشهاد بيوم (30 يوليو 2024)

وفي آخر مشاهد عمره المبارك والمضمخ بالجهاد، وقبل استشهاده بيوم واحد فقط خلال تواجده في طهران على هامش مشاركته في مراسيم تنصيب الرئيس مسعود بزشكيان، وتحديدا في لقائه الأخير بالإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، كرر الشهيد إسماعيل هنية هذه الشهادة الاستراتيجية بحق اليمن وشعبه، مؤكدا حيويّة الأمة وتجددها:

“هذه الأمة متجددة، ورأينا كيف قام الإخوة أنصار الله في اليمن الذين هم أنصار الحق، حيث يقومون بضرب العدو الصهيوني على بعد 2000 كيلومتر، ومؤخرا قاموا بإرسال طائرة مسيرة على بعد أكثر من 2000 كيلومتر واستهدفوا قلب ‘إسرائيل’ وهذه الضربة تمثل إضافة قوية في مسار الصراع مع هذا العدو”.

وبعد هذه الكلمات، التي تختزل مواقف عديدة ومحطات متسارعة لا تكفي المساحات لوصفها أو الحديث عنها، رحل القائد المجاهد الكبير إسماعيل هنية شهيدا على طريق القدس، مضمخا بدمائه التي التقت مع دماء شهداء اليمن ولبنان والعراق، وكل أحرار الأمة.

ففي فجر الـ31 من يوليو 2024، طالت أيادي الغدر والإجرام الصهيونية مقر إقامته في العاصمة الإيرانية طهران، بعد مسيرة جهادية عظيمة، فكانت تلك الشهادة هي الوسام الذي يليق بأبي العبد، ليرحل القائد جسدا، وتبقى كلماته ووثائق وفائه شواهد تاريخية خالدة كتبتها الميادين، وأعلنت للعالم أجمع: أن اليمن وفلسطين جبهة واحدة، وخندق واحد، ودم يتجدد، وعهد صلب لا ينكث حتى يتوج هذا المسار بالنصر الموعود والتحرير الكامل لكل شبر من أرض فلسطين.