بنيان تقود التحول الرقمي للجمعيات التعاونية.. أتمتة 52 جمعية لتعزيز الحوكمة والشفافية
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
1 أعسطس 2026مـ – 18 صفر 1448هـ
تجسيداً للتوجهات الوطنية نحو إرساء قواعد السيادة الرقمية وتحديث البناء المؤسسي، أطلقت مؤسسة بنيان التنموية مشروع الأتمتة الرقمية للجمعيات التعاونية باستخدام نظام إدارة الموارد المؤسسية (ERPNext)، بالشراكة مع السلطات المحلية والاتحاد التعاوني الزراعي، وبتمويل من وحدات تمويل المشاريع والمبادرات المجتمعية. ويرتكز هذا التدخل الاستراتيجي على تمكين الجمعيات ذات الأبعاد التنموية باعتبارها المحرك الأساسي للتنمية المحلية والشريك الأبرز في إدارة الموارد.
وتستهدف المرحلة الأولى للمشروع خلال العام 1448هـ تحقيق نقلة نوعية في كفاءة وشفافية العمل المؤسسي لـ 52 جمعيات تعاونية موزعة على المديريات النموذجية بمحافظات (الحديدة ،تعز، إب، والضالع)، من خلال حزمة متكاملة تتدرج من تقييم الوضع المؤسسي، وتجهيز بيئة الاستضافة، وتثبيت وتخصيص النظام، وصولاً إلى تنفيذ برنامج تدريبي مكثف يتبعه تقديم الدعم الفني والاستشارات لمدة عام كامل.
الرؤية الاستراتيجية ومسار التطبيق التقني
وفي إطار تسليط الضوء على الأبعاد الاستراتيجية لهذا التوجه، أوضح المهندس عبدالمجيد ، ضابط مشروع مساندة الجمعيات التعاونية بالمؤسسة، أن المشروع يأتي امتداداً للجهود الوطنية الرامية إلى إرساء العمل التعاوني على قواعد الحوكمة الحديثة، وذلك من خلال إكساب المشاركين المهارات التشغيلية المباشرة للتعامل مع الواجهة البرمجية وإدخال البيانات، وإدارة آليات الوحدات الأساسية: (الحسابات، الموارد البشرية، المشاريع، المشتريات، والمخزون).
وبيّن المهندس عبدالمجيد أن اعتماد نظام رقمي موحد يأتي لمعالجة حالة التشتت وغياب الربط الآلي بين الوحدات الإدارية، وإرساء قيم الشفافية المالية والرقابة التقييمية. وأشار إلى أن اختيار نظام (ERPNext) يرتبط بما يتمتع به من مرونة تشغيلية عالية، وكلفة اقتصادية مناسبة، وقدرة على تلبية الاحتياجات التشغيلية للجمعيات وتعزيز ثقة الشركاء والمجتمع المحلي بكفاءة هذه المؤسسات.
وأكد أن مؤسسة بنيان التنموية تسخر فريقها التقني وخبراتها الإدارية التراكمية لقيادة جميع مراحل المشروع، مستندة إلى معرفتها العميقة بطبيعة عمل الجمعيات منذ نشأتها. ويهدف هذا التدخل إلى تسريع وتيرة التنفيذ، وتفادي المعوقات الفنية، وتوفير بيئة تطبيقية تضمن تمكين الكوادر المحلية، بما يعزز حضور القطاع التعاوني كشريك مؤسسي في خارطة العمل التنموي.
ولفت المهندس عبدالمجيد إلى أن المرحلة الأولى تتركز على تفعيل الخصائص الأساسية للنظام (Core ERP) باستعمال النسخة مفتوحة المصدر، لضمان حصول الجمعيات العشر المستهدفة على الوظائف التقنية الرئيسية بشكل سريع ومستقر خلال العام 1448هـ. وتتولى المؤسسة توفير خوادم آمنة لإعداد واستضافة الأنظمة لضمان حماية البيانات واستمرارية الخدمة، يرافقها برنامج تدريبي لبناء قدرات الكوادر البشرية عبر تأهيل ما بين (مستخدمَيْن إلى أربعة مستخدمين) من كل جمعية لإدارة العمليات اليومية.
واستكمالاً لضمان الجاهزية الذاتية، تقدم المؤسسة دعماً فنياً مستمراً لمدة عام كامل، يتزامن مع تأهيل متخصصَيْن اثنين على مستوى كل محافظة لتولي أعمال الصيانة الأولية والدعم الفني تمهيداً لوصول الجمعيات إلى مرحلة الاعتماد على الذات. وأوضح المهندس عبدالمجيد أن هذه المرحلة التأسيسية تركز على تطبيق المعايير القياسية للبرنامج وضمان استقرار الوظائف الحيوية، مع تأجيل التعديلات البرمجية الموسعة والربط مع الأنظمة الخارجية إلى مرحلة ثانية لاحقة، بناءً على الخبرة الميدانية الواقعية ونضج الكادر البشري في التعامل مع النظام.
نظام ERPNext.. نقلة نوعية في الميدان
وفيما يتعلق بالأثر الملموس للتحول الرقمي، أكد أحمد مطهر الهادي، منسق البرامج التنموية بمديرية الجراحي بمحافظة الحديدة ومنسق جمعية الجراحي التعاونية، أن تطبيق نظام (ERPNext) أحدث نقلة نوعية في تنظيم وتطوير العمل الميداني والمالي داخل الجمعية. وأوضح أن الانتقال من الأساليب التقليدية إلى الأتمتة الرقمية أدى إلى إعادة ترتيب التعاملات الإدارية والمالية بدقة عالية، وإيجاد بيئة عمل موحدة تربط بين مختلف القطاعات التشغيلية.
وأشار الهادي إلى تحقيق الاستفادة الكاملة في الجانب المالي، حيث أتاح النظام إحكام الرقابة على الحسابات، وتتبع تكاليف المشاريع والأرباح، وإدارة المخزون وتنظيم النفقات وترشيدها بكفاءة وسرعة. وأكد أن أهمية هذا التحول تتجلى في تعزيز الشفافية، وحماية رأس المال، وضمان حقوق المساهمين، وتتبع حركة القروض التنموية، بما يعمق الثقة بين أعضاء الجمعية والفرق الميدانية والمجتمع المحلي.
كما تطرق منسق البرامج التنموية بالجراحي إلى دور النظام في بناء قاعدة بيانات شاملة ومستدامة للمزارعين والمقترضين والمدخلات والمنتجات الزراعية، موضحاً أن هذه القاعدة الموحدة تسهم في تسهيل التخطيط والتواصل، وتنظيم عمليات التسويق، ودعم جهود التقييم والمتابعة المستمرة. وأوضح الهادي استمرار الجهود بالتعاون مع مؤسسة بنيان التنموية لتطوير قدرات الكوادر الإدارية، وصولاً إلى التشغيل الرقمي الشامل والتكامل المؤسسي التام.
وفي السياق ذاته، أكد محاسب جمعية مديرية باجل التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، قيس محمد سليمان عبده، أن الانتقال من الإدارة الورقية والعمليات الميدانية إلى نظام رقمي موحد (ERPNext) يمثل محطة تحول محورية في أداء الجمعيات الزراعية.
وأوضح أن النظام الجديد يسهم في حماية البيانات من الضياع والتلف عبر حفظها في بيئة آمنة ومنظمة مع تحديد صلاحيات الوصول، فضلاً عن تسهيل استخراج التقارير المالية والإدارية بدقة وسرعة في أي وقت. كما أشار إلى دور النظام في تعزيز الحوكمة والشفافية المالية، ودعم اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الأداء وتفادي الأخطاء اليدوية، مشيراً إلى أنه يتيح متابعة المشاريع والموارد لحظياً عبر “مراكز التكلفة”، بما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
تجاوز العقبات التقنية وتعزيز الثقة المؤسسية
وفي استطلاع أوسع يعكس تطلعات الكوادر الميدانية، أكد أعضاء الهيئات الإدارية في جمعيتي الدريهمي والتحيتا وممثلون عن الجمعيات المشاركة من محافظتي تعز وإب، أن مشروع التحول الرقمي جاء ليعالج الفجوة المتسارعة بين نمو الأنشطة والموارد التقنية المتاحة، وينهي مرحلة الاعتماد على الوسائل التقليدية في إدارة العمل التعاوني.
وبيّن مسؤولو الجمعيات أن ارتجاح كفة التكاليف المادية لاقتناء الأنظمة الإلكترونية الشاملة، إلى جانب احتياج الجمعيات الناشئة لكوادر متخصصة في أنظمة تخطيط الموارد وغياب الشريك التقني المتخصص في التهيئة والاستضافة والدعم الفني المستمر، دفع هذه الجمعيات في مراحلها الأولى إلى تركيز جهودها على تقديم الخدمات المباشرة وإثبات الوجود الميداني. وأدى التوسع المتزايد لقواعد البيانات مع الاستمرار في استخدام الأدوات المكتبية البسيطة والمهارات الفردية إلى تشتت البيانات وصعوبة الربط التشغيلي بين الإدارات.
وأوضح ممثلو الجمعيات أن مشروع التدخل يمثل انطلاقة حقيقية نحو أتمتة العمليات وحوكمة الموارد عبر الاعتماد على نظام رقمي موحد يربط الإدارات المالية والمخازن والمشتريات والمشاريع، بما يضمن دقة البيانات ويمنع تضاربها. كما يعمل المشروع على تأهيل الكوادر البشرية وتحويلها إلى طاقات قادرة على التعامل مع أنظمة تخطيط الموارد العالمية (ERPNext)، مما يتيح إصدار تقارير مالية وإدارية لحظية ودقيقة، ويُسهّل مهام المتابعة والرقابة المباشرة من قبل إدارة الجمعية ومؤسسة بنيان التنموية.
وأضاف المشاركون أن امتلاك الجمعيات لبياناتها بالكامل عبر نظام مفتوح المصدر يكرس مفهوم الرشد التنموي من خلال اتخاذ قرارات دقيقة مستندة إلى أرقام وحقائق ميدانية موثقة. ويحفظ النظام التاريخ المالي والإداري للجمعيات كذاكرة مؤسسية مستدامة ضمن قواعد بيانات آمنة تضمن استمرارية الأداء بكفاءة عالية حتى مع تغير الأفراد والإدارات، وتضمن توجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر أثراً ونفعاً للمجتمع، فضلاً عن تعزيز الثقة المؤسسية وتقديم صورة احترافية للجمعيات أمام الشركاء والمانحين والجهات الرسمية، بما يفتح آفاقاً واسعة لاستقطاب التمويلات للمشاريع التنموية الكبرى.
الخلاصة
يمثل مشروع الأتمتة الرقمية عبر نظام (ERPNext) خياراً استراتيجياً يتجاوز مجرد تحديث أدوات العمل الإداري ليكون ركيزة أساسية في حوكمة القطاع التعاوني وتنميته المستدامة. فمن خلال الجمع بين التهيئة التقنية، والبنية التحتية الآمنة، والتدريب التخصصي والدعم الفني المستمر، يضع المشروع حجر الأساس لبناء جمعيات تعاونية نموذجية تمتلك زمام بياناتها، وتدير مواردها بكفاءة عالية، وتتمتع بالشفافية اللازمة لتعزيز ثقة المجتمع والشركاء، بما يعزز حضور القطاع التعاوني كقاطرة رئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية المحلية في اليمن.
