بعد عقد من الخَنْق.. الحصار يرتد على العدو السعودي

4

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 يوليو 2026مـ – 7 صفر 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

خلال أكثر من عقد من الزمن، شكّل الحصار المفروض على المطارات والموانئ اليمنية عنوانًا بارزًا في خلفية الأزمة الإنسانية، التي عاشها اليمنيون ودفعتهم إلى المرور بمراحل قاسية من تدهور الواقع المعيشي والاقتصادي.

وفي العام الثاني عشر، لم يعد يُنظر إلى الحصار الجائر بوصفه إجراءً مؤقتًا ارتبط بظروف الحرب، بل تحوَّل إلى أداة وعامل ضغط لإنهاك اليمنيين وانتهاك حقوقهم، ودفعهم للاستسلام للإرادة السعودية.

لم ينجح الحصار في تحقيق أي هدف، وبدلا عن ذلك فقدَ تحالف العدوان بوصلة إدارة هذا الحصار، ليصير بلا رؤية وبلا أفق، انتهاك طويل الأمد لواقع اليمنيين ألقى بآثاره على مختلف جوانب الحياة، وأصبح عاملًا رئيسيًا في تعميق الأزمة الإنسانية التي يعاني منها الملايين. ومع غياب مظاهر الاستقرار في مختلف جوانب الحياة اليومية، حيث كان كل شيء لا يتجاوز المستوى الصفري من القدرة على الوفاء باحتياجات عشرات الملايين من الناس، تتابعت الأزمات لتشكّل واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة، وتحولت التفاصيل المؤلمة إلى محور رئيسي في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، التي وثقت واقعًا تجاوز فيه العجز قدرة الملايين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

انتشار الجوع وسوء التغذية
وخلال السنوات الماضية، حذرت جهات أممية ومنظمات إنسانية من أن استمرار القيود والحصار على المنافذ اليمنية يفاقم من صعوبة وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، ويضاعف من معاناة المدنيين، خصوصًا في ظل اعتماد الملايين على المساعدات لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بشكل متسارع، وتصدرت أزمة الغذاء مشهد المعاناة بفعل تعطيل حركة الواردات، وارتفاع تكاليف النقل، وما نتج عن ذلك من نقص في السلع الأساسية وارتفاع كبير في أسعارها. وأصبح الحصول على الغذاء الكافي أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لعدد كبير من الأسر، ما أسهم في انتشار الجوع وسوء التغذية، ودفع أعدادًا واسعة من اليمنيين إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

منع المرضى من العلاج
ولم تقتصر آثار الحصار على الجانب الغذائي، بل امتدت إلى مختلف القطاعات الحيوية. إذ تدهور الاقتصاد، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة نتيجة تعطُل الأنشطة التجارية وتراجُع فرص العمل وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين. كما تسبب إغلاق المطارات والموانئ في فرض قيود كبيرة على حركة السفر والتنقل، الأمر الذي حرم كثيرًا من المرضى من الوصول إلى العلاج خارج البلاد، وأعاق حركة الطلاب والمسافرين، وأثّر في لمّ شمل الأسر اليمنية العالقة في مختلف دول العالم.

تعقيد ظروف الحياة
وفي قطاع الخدمات، تسببت أزمات الوقود المتكررة في تعقيد حياة المواطنين، وتراجعت إمدادات المياه والكهرباء وخدمات الصرف الصحي، ما انعكس بصورة مباشرة على الظروف الصحية والمعيشية، وزاد من مخاطر انتشار الأمراض. ولم تتوقف آثار الحصار عند الأبعاد المادية، بل امتدت إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث عاش اليمنيون تحت ضغط مستمر نتيجة القلق من فقدان مصادر الدخل، وعدم القدرة على تأمين احتياجات أسرهم، واستمرار حالة عدم الاستقرار.

حصار عبثي يقتل الملايين
وبعد أكثر من أحد عشر عامًا على استمرار القيود، بات المسلَّم به هو أن إطالة أمده ليس إلا إجراء عبثياً لا معنى له ولا جدوى منه، أكثر من قتل اليمنيين بشكل بطيء. فضلا عن أن استمرار ربط حركة الموانئ والمطارات اليمنية بقرارات خارجية أمر يتعارض -من منظور القانون الدولي- مع مبدأ سيادة الدولة وحقها في إدارة شؤونها الاقتصادية والتجارية بصورة مستقلة.

من هنا بات رفع الحصار مطلبا ملحا تفرضه حاجة شعب للتحرر من كل أشكال الوصاية التي طالت حتى حريتهم في الحركة وفي التجارة، فكان عليهم في ظل ذلك أخذ الإذن من السعودي عند الدخول أو الخروج، وعند التصدير والاستيراد، بل إن الأمر بلغ حد تحديد حتى من يمكن استقباله، وما يمكن جلبه للبلاد. وهي مسألة تبلغ بفداحتها مستوى المعاناة نتيجة الحصار الاقتصادي بكل أشكاله. لهذا جاء قرار القوات المسلحة الاستثنائي، بفرض معادلة الحصار بالحصار في مستوى طموح الشعب اليمني للخروج من دائرة الوصاية، والتأسيس لحياتهم باستقلالية تامة. وأبرز مظاهر ذلك هو إنهاء الحصار بشكل كلي ودائم. فلا تبقى منافذ الدولة الحيوية مرتبطة بإرادة أطراف خارجية.

قرار جديد في مواجهة الحصار
اليوم، ومع دخول القوات المسلحة اليمنية مرحلة جديدة من التعامل مع استمرار الحصار المفروض على البلاد، جاء قرار فرض حظر ملاحي شامل على السعودية باعتباره ردًا عمليا وواقعيا على واقع إنساني منهار بفعل تراكم الأزمات على مدى أكثر من عقد. ومعادلة الحصار بالحصار ليس الهدف منها التصعيد العسكري لذاته، وإنما إنشاء معادلة ضغط جديدة تدفع نحو رفع القيود المفروضة على اليمن، وفتح منافذه الحيوية، وتحرير حركة السفر، والنقل، والتجارة الدولية، بعد سنوات طويلة من تعثر المسارات السياسية والوساطات.

الحصار المضاد كوسيلة
بالتالي فإن الحصار المضاد لا يُطرح كغاية مستقلة، وإنما كوسيلة لإجبار العدو على مراجعة حساباته من استمرار القيود، في إطار معادلة تقوم على مبدأ أن استمرار انفتاح موانئ ومطارات العدو مقابل استمرار إغلاق منافذنا الجوية والبحرية لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، أو دون تبعات سياسية واقتصادية.

وفي المقابل، حذّرت جهات دولية معنية بالملاحة والتجارة من أن أي اضطراب في خطوط النقل البحري أو الجوي الإقليمية قد ينعكس على حركة التجارة العالمية، وهو ما يعكس حجم وشكل التداعيات المحتملة، ما يمنح المطلب الإنساني مساحة من الاهتمام الدولي، وبما يؤدي إلى إنهاء هذا العبث بحياة اليمنيين وأي طموحات بالسيطرة عليهم.

تحولات موازين القوة
ويرى عدد من المحللين أن أي مواجهة جديدة في المنطقة، كنتيجة للقرار اليمني، لن تكون مشابهة لما سبق في ظل التحولات التي شهدتها القدرات العسكرية والتكنولوجية للقوات المسلحة اليمنية، وظهور أدوات ضغط جديدة تتجاوز الأساليب التقليدية.

ويشير هذا الطرح إلى أن تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والوسائل البحرية اليمنية قد غيّرت حسابات المواجهة، وجعل حماية المنشآت الحيوية والممرات التجارية تحديًا أكثر تعقيدًا. وبناء على ذلك يبدو خيار السعودية للمواجهة أشبه بقرار انتحار، خصوصا وأن القوات اليمنية واضحة بالرد الشامل.

المصدر: “موقع أنصار الله”