عندما ينتحر المنطق.. جغرافيا التحالفات وحدود أمتنا المستباحة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 يوليو 2026مـ – 29 محرم 1448هـ
تقرير | علي الدرواني
خلال أسبوع تجلت مفارقات غريبة عجيبة تنهش جسد أمتنا المنهك، وتقضي على ما تبقي فيها من آمال، وتوسع ما تعانيه من آلام، فبينما كانت الولايات المتحدة تعتدي على أحد بلداننا الاسلامية (إيران) كان رئيسها قد حل ضيفا على دولة إسلامية ليست بعيدة، بل تشترك مع إيران بشريط حدودي طويل، وثقافات مشتركة، وهي تركيا. وفي المقابل، عندما تقرر إيران الرد على القواعد الأمريكية التي انطلق منها العدوان، تجد نفسها مضطرة ليس لقصف سواحل أمريكا الشرقية، بل قواعد أمريكية منتشرة في منطقتنا العربية ممتدة على طول سواحل الدول الخليجية العربية.
ومن هنا، فإن من نكبات الدهر أنه لم يعد المنطق أداة صالحة للفهم بقدر ما أصبحت المفارقات الصادمة هي التي تحكم طريق الفهم والتفكير في كثير من الظواهر السياسية في عالمنا العربي الإسلامي. فحين تتأمل المشهد الجيوسياسي لبلدان أمتنا العربية الإسلامية والتحالفات التي تحيط بها، تجد أنك أمام معادلات تجعل العقل يصوغ تساؤلات مرة: كيف استقامت هذه البنى التحالفية المشوهة؟ وكيف قبلت الجغرافيا بإسقاط تلك الروايات التي ترفضها أبسط مبادئ السيادة والكرامة؟
وبقليل تأمل ستجد المفارقة الصادمة من شمال أراضي أمة الإسلام؛ من عاصمة الخلافة البائدة التي احتضنت الأربعاء الماضي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). هناك، تجلت المفارقة بأبهى صورها المزعجة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ في بلد يقدم نفسه كحارس البوابة الشمالية للعالم الإسلامي، ويستعرض طفرة صناعاته العسكرية أمام قادة الغرب وأعداء الأمة، ويهديهم مسدسات وذخيرة حية في مجمع رئاسي يفترض أنه يحمل هموم الأمة، ويحفر أسماءهم عليها، بينما ترتسم علامات حيرة قاتلة حول الهوية التي تباع في سوق النخاسة، الأمر الذي يثير أسئلة مريرة حول طبيعة هذا الحلف الدفاعي الغربي الذي تنخرط فيه أنقرة.
قبل ذلك -وبالتحديد في 29 من يونيو- كان الرئيس التركي أردوغان يدعو حلف “الناتو” إلى إنشاء شبكة للأمن والدفاع تمتد من تكساس الأميركية إلى العاصمة التركية أنقرة. هل كانت هذه للدفاع عن البلاد الإسلامية؟ بالتاكيد لا. هل تركيا تخشى من أي دولة إسلامية؟ بالتأكيد لا. إذن لحماية من هذ الشبكة؟ وما هي حقيقة التهديد الذي يستدعي تركيا الارتماء في الأحضان الغربية؟ ما يجعل المرء يتساءل أيضاً: هل كانت تلك الترسانة مصممة لحماية العمق الإسلامي؟ أم لتأمين مظلة أمنية لغربٍ لم يكف يوما عن التآمر على شعوب أمتنا؟
تبلغ المأساة ذروتها وتكشف عن عوراتها السياسية حين نحاول سبر أغوار التموضع التركي بالتزامن مع لهب النيران المشتعلة في غزة، والدماء المسفوكة فيها، والدمار الذي أكل الأخضر واليابس، إذ بينما تستباح دماء الأمة وتقطع أشلاؤها بآلة قتل صهيونية مدعومة من الغرب ممثلا بـ”الناتو” الذي تنطوي تركيا في منظومته الأمنية، يبيت من الصعب جدا فهم كيف تلتقي “القلعة الإسلامية المفترضة” في خندق أمني واحد مع القوى ذاتها التي تمد الكيان بالقنابل الذكية والتكنولوجيا والغطاء الدبلوماسي، لمواصلة الجريمة المتوحشة في غزة.
ويتبدد بريق الخطابات الحماسية للطيب أردوغان أمام تساؤل موجع عن جدوى النفوذ والريادة وبنادق الصيد وصناعة الملوك، إذا كان التاج صنيعة تنازلات مبدئية، وإذا كان السلاح يستعرض أمام حلفاء القاتل بينما يحرم المستضعفون حتى من موقف دبلوماسي أو تجاري يقطع شريان الحياة عن المحتل. إنها الشراكة الضمنية بالصمت والتموضع المخزي التي تحيل الشعارات العاطفية إلى مجرد أدوات للاستهلاك المحلي وتغطية البوصلة التي تشير دائماً نحو العدو القابع في الغرب.
هذا الانتحار العلني للمنطق يمتد ليجتاح مفهوم السيادة الوطنية في قلب أمتنا، فعندما ترد إيران على العدوان الأمريكي تجد تلك القواعد الاحتلالية منتشرة في أرجاء أرض الإسلام، إذ لم تعد حدود الولايات المتحدة الأمريكية تتميز اليوم عن حدود دولنا المستباحة. لقد تمدد هذا النفوذ الاستعماري العابر للبحار ليخترق الجغرافيا، حتى غدت القواعد العسكرية والخطوط الحمراء الأمريكية ترسم داخل أوطاننا وكأنها ولايات تابعة لواشنطن. هذه الصيغة الحدودية الكارثية تدفع إلى تأمل الكيفية التي استوطن بها هذا الشيطان بيننا، وكيف استحال العدو التاريخي المتوحش شريكاً يملك حق التحكم وإدارة أمننا وجغرافيتنا ومصائرنا.
وتبدو المفارقة الأشد إيلاماً وسخرية في سلوك التابعين، سواء من القادة والحكام والأمراء والملوك أو من أدواتهم من طيف النخب المزيفة، فعندما يفيض الكيل وتتحرك إرادة المقاومة الحرة لتقصف تلك القواعد وتهز أركان الوجود الأمريكي، لا يرتفع النحيب من واشنطن، بل ينطلق العويل أولاً من الأبواق والجواري والأرامل السياسيين في الداخل العربي، يتباكون على الاستقرار والاتفاقيات الأمنية، كاشفين عن عمق ارتهان نفسي وسياسي، وخيانة وطنية، خيانة لله تعالى، وخيانة للشعوب، تجعلهم يرون في بقاء المحتل ضمانة لوجودهم، وفي رحيله أو انكساره ثقلا لا يحتمل ولا يمكن العيش بعده.
إنها لوحة شديدة القتامة تثير الحيرة والاستياء في آن واحد، إذ كيف يستقيم منطق السياسة حين نرى بلداً إسلامياً محورياً يتطوع ليكون درعاً أمنياً لمنظومة غربية دمرت هويته وتاريخه، وأسقطت دولته التي كانت ممتدة على معظم الجغرافيا الإسلامية؟ بل ويذهب أبعد من ذلك ليتودد ويصنع صفقات السلاح مع ذات القوى التي ترعى وتدعم جلادي أمته ومبيدي أهله في غزة، ومن جهة أخرى تتلاشى الحدود والسيادة الوطنية لبلداننا تماما أمام غطرسة الهيمنة الأمريكية التي زرعت قواعدها في قلب أراضينا.
