بركان غضب يمني يؤكد أن السيادة ليست محل مساومة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 يوليو 2026مـ – 29 محرم 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
لم تمضِ سوى ساعة واحدة على الغارات التي استهدفت مطار صنعاء الدولي حتى تحول الشارع اليمني إلى بركان غضب. وخلال ساعات امتلأت الساحات بحشود واسعة عبّرت عن رفضها للتصعيد السعودي، مؤكدة أن استمرار العمليات العسكرية لن يغيّر من موقف اليمنيين، ولن يثنيهم عن هدفهم المتمثل في إنهاء العدوان، ورفع الحصار، واستعادة كامل حقوقهم السيادية.
لم يكن هذا الحراك الشعبي مجرد رد فعل عاطفي على حدث عسكري، بل جاء تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن استهداف المنشآت المدنية يمثل امتدادًا فجّا وغير مقبول لسياسة الضغط التي طالت مختلف جوانب الحياة خلال سنوات العدوان وهدفت إلى إخضاع الشعب اليمني للوصاية.
محاولةٌ لإبقاء الحصار
كما حملت الرسائل الشعبية تأكيدًا واضحا على رفض محاولات فرض الوقائع بالقوة، وكذلك رفض استمرار الصمت الدولي تجاه ممارسات تتعارض مع المبادئ التي قام عليها القانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وتجريم الاعتداء على منشآتها المدنية، والاحتكام إلى الوسائل القانونية في معالجة النزاعات.
كما رأى اليمنيون في استهداف مطار صنعاء الهدف العدواني بكونه يتجاوز حدود الضربة العسكرية ذاتها، فلم يكن المقصود تعطيل حركة الطيران فحسب، وإنما محاولة الإبقاء على الحصار وفرض الإرادة السياسية من خلال السيطرة على أحد أهم المنافذ السيادية، وهو ما منح الحدث أبعادًا إنسانية تتجاوز آثاره المادية المباشرة.
تحويل المطار إلى ورقة ضغط
جاءت المشاركة الشعبية الواسعة في الساحات بمستوى الحدث، معبرة عن رفض واضح لأي محاولة لانتزاع حق اليمنيين في إدارة شؤونهم، وتواصلهم مع العالم الخارجي. فالمطار بالنسبة لليمنيين ليس مجرد منشأة للنقل الجوي، بل نافذة يرتبط بها المرضى والطلاب والمغتربون وآلاف المواطنين الذين تمسهم القيود بصورة مباشرة.
وأكدت الهتافات والمواقف الشعبية أن تحويل المطار إلى ورقة ضغط سياسية يمثل استهدافًا للمجتمع بأكمله. فعندما تصبح حرية التنقل والعلاج والتعليم رهينة للحسابات العسكرية، فإن آثار الحرب لا تبقى محصورة في ساحات القتال، وإنما تمتد إلى البيوت والمستشفيات والجامعات، لتطال تفاصيل الحياة اليومية لملايين المدنيين. ولهذا جاء خروج الجماهير تعبيرًا قويا عن رفض استمرار واقع يرى فيه اليمنيون مساسًا بحقوقهم الأساسية، ومحاولة لتطبيع الحصار بوصفه أمرًا دائمًا، في حين ينظرون إليه بكونه وضعًا استثنائيًا ينبغي أن ينتهي لا أن يتحول إلى سياسة مستمرة.
استحالة تحقيق أي هدف
ينظر اليمنيون إلى قضية مطار صنعاء باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من معركة السيادة الوطنية. فالمطارات والموانئ والمنافذ ليست مجرد مرافق خدمية، وإنما هي مظاهر لاستقلال الدولة وامتلاك قرارها، ومن ثم فإن أي استهداف لها أو فرض قيود على إدارتها يُفهم باعتباره مساسًا مباشرًا بحقها في إدارة شؤونها. ومن هذا المنطلق، جاء الحراك الشعبي ليؤكد رفض أي محاولة لإبقاء اليمن تحت الوصاية أو فرض ترتيبات تنتقص من استقلال قراره الوطني. كما أن أحد عشر عامًا من الحرب والحصار وما رافقها من صمود داخلي وتجارب ميدانية كافية لإثبات أن وسائل الضغط العسكري والاقتصادي لم تحقق لتحالف العدوان ما أعلنه من أهداف عند بداية العدوان.
كما أثبتت هذه الفترة أن الرهان على منطق العنف ضد المدنيين والمنشآت الخدمية كان رهاناً خاسراً، عجز عن صناعة أي إنجاز، وفي المقابل شَحَذ هِمة الشعب اليمني لمواجهة هذه النوايا الخبيثة لإعادة بلادهم إلى وضعية البلد منزوع القرار والسيادة، فجاءت النتائج لتعقّد المهمة على العدو، ولتعمّق استحالة تحقيق أي هدف.
الشعوب الحرة لا تُهزَم
شهدت السنوات الماضية واحدة من أكثر المواجهات تعقيدًا في المنطقة، حيث تداخلت فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، وشاركت فيها أطراف إقليمية ودولية بإمكانات كبيرة، إلى جانب استخدام أدوات ضغط متعددة، شملت الجوانب الاقتصادية والإعلامية والدبلوماسية. ورغم هذا الحجم الكبير من الإمكانات، أظهرت التجربة أن اليمن لم يتحول إلى ساحة يمكن إخضاعها بسهولة، وأن الفارق في القدرات العسكرية لم يكن كافيًا لتحقيق الأهداف المعلنة. كما أثبتت الوقائع أن الرهان على استهداف المنشآت المدنية أو التضييق على السكان لم يصل بمنظومة الشر إلى إحكام السيطرة على الدولة والتحكم بتفاصيلها، أكان لجهة موقعها الاستراتيجي أو ثرواتها الواعدة.
ويشير خبراء النزاعات في مناطق مختلفة من العالم إلى أن الضغوط المستمرة على المجتمعات، إنما تسهم في زيادة الاحتقان وتعزيز الشعور بالرفض، خصوصًا عندما تمس الاحتياجات الأساسية للسكان. وفي الحالة اليمنية فإن استمرار هذا الواقع يعني استمرار إنتاج أسباب الغضب والتوتر. فالشعوب قد تتحمل ظروفًا قاسية لفترات طويلة، لكنها لا تتخلى بسهولة عن القضايا التي تراها مرتبطة بالكرامة والسيادة.
مسؤولية المجتمع الدولي
التطورات الأخيرة تدفع إلى مزيد من الإصرار على معالجة هذا الوضع غير الطبيعي، خصوصا وأنه يستهدف حياة الملايين بصورة مخالفة للقوانين، فضلا عن القيم والأخلاق. ومطار صنعاء، فضلا عن كونه من رموز السيادة الوطنية التي تأبى أي دولة تدخل دولة أخرى في شؤونه، فهو وسيلة مئات الآلاف من المواطنين للسفر لأسباب متعددة.
ولهذا فإن استهداف المطار أو تعطيل دوره يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتعلق بحماية المبادئ التي يؤكدها في مواثيقه، وليس فقط بمنع تصعيد عسكري جديد. فاستمرار معاناة المرضى والعالقين والطلاب يجعل الكلفة الإنسانية أكبر من أي مكاسب سياسية أو ميدانية يمكن تصورها.
كما أن الدفاع عن القوانين الدولية يفقد الكثير من قيمته إذا جرى التغاضي عن انتهاكات تطال المرافق المدنية وحقوق السكان الأساسية، في وقت يفترض أن تكون فيه المؤسسات الدولية أكثر حرصًا على حماية المدنيين وتجنيبهم آثار الصراعات المسلحة.
مطار صنعاء قضية إنسانية
في أوقات الحروب تتحول المطارات والموانئ إلى شرايين حياة يعتمد عليها ملايين المدنيين. وتعطيلها لا يقتصر أثره على حركة السفر أو التجارة، بل يمتد إلى العلاج والتعليم ولمّ شمل الأسر، ويضاعف المعاناة الإنسانية بصورة مباشرة.
ويؤكد العديد من الخبراء في القانون الدولي أن حرمان الإنسان من السفر للعلاج، أو منع الطالب من الوصول إلى جامعته، أو إبقاء المواطنين عالقين بعيدًا عن وطنهم، يمثل مسألة تتعلق بالحقوق الإنسانية الأساسية قبل أن تكون قضية سياسية أو عسكرية. ولذلك فإن استمرار القيود على المنافذ المدنية لا يترك أثره في الحاضر فقط، بل يرسخ في الذاكرة الجماعية شعورًا بالظلم يصعب تجاوزه.
ومن هنا، فإن أي مقاربة جادة لا يمكن أن تتجاهل البعد الإنساني وقضية فتح المرافق المدنية، وفي مقدمتها مطار صنعاء، باعتبار أن هذا الأمر قد تجاوز حده كثيراً، وبات المطلبُ الذي قرر الشعب اليمني انتزاعه هو إنهاء التدخل السعودي الأمريكي بشكل نهائي سواء كان في شكل العدوان بتعدد أوجهه ومستوياته، أو عن طريق الاحتلال ونهب موارد الدولة.
