الأهنومي: ثورة الإمام زيد تفكك تحالف التدجين الأموي وتصنع وعي الأمة لمواجهة الهيمنة المعاصرة

3

ذمــار نـيـوز || تقارير||
11 يوليو 2026مـ – 26 محرم 1448هـ

تقرير|| عباس القاعدي

استعرض أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة صنعاء، د. حمود الأهنومي، الأبعاد التاريخية والفكرية لثورة الإمام الحسين بن علي عليه السلام والامتداد الثوري لأهل البيت وصولاً إلى ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام، مؤكدًا على الأهمية البالغة لثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام كنموذج يربط الحاضر بالماضي ويوجه المواقف الحالية ضد الباطل والطغيان.

وأوضح د. الأهنومي في لقاءٍ خاص لبرامج “إن الدين عند الله الإسلام” على قناة “المسيرة”، أن إحياء ذكرى الإمام زيد بن علي عليه السلام وثورته ينطلق من شعور بالانتماء الأصيل إلى خط الحق والنضال والثورة والمنهجية القرآنية، في مقابل خطوط متعددة للباطل، مشيرًا إلى أن هذا الخط يمثل امتداداً تاريخياً يبدأ من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والأنبياء السابقين، مروراً بالإمام علي والإمام الحسين، وصولاً إلى الإمام زيد.

ثورة الإمام زيد عليه السلام تعزز الهوية وتمنح دافعاً لمواجهة الهيمنة الأمريكية المعاصرة

أشار الأهنومي إلى أن هذا الامتداد ينقسم إلى قسمين، امتداد أفقي: يربط الأجيال المتعاقبة بجذورها التاريخية وقيمها الأصيلة، وامتداد جانبي (في الواقع) يتجسد في العصر الذي نعيشه من خلال الممارسة والواقع العملي.

وشدّد على أن قراءة ثورة الإمام زيد بظروفها، وأحداثها، ومواقفها، والعبارات المنهجية التي أطلقها، هي مصدر إلهام وتأثير مباشر، مؤكدًا أن الوعي الحقيقي والصحيح بالتاريخ ينتج مواقف صحيحة في الواقع، بينما يؤدي الوعي المغلوط أو الانقطاع عن التاريخ إلى مواقف مغلوطة وفقدان للهوية والامتداد.

وقال: “إن الله عز وجل عندما عرض لنا سير الماضين وتواريخهم، وطالب أولي الأبصار بالاعتبار، كان الهدف هو أخذ العبرة لتحويل تلك المواقف التاريخية إلى قيم حية في السلوك، والأخلاق، والمواقف الحالية، داعيًّا إلى عدم حصر تاريخ الإمام زيد في إطاره الزمني الماضي، بل تحويل ثباته وشموخه في مواجهة الباطل إلى قيمة عملية تترجم اليوم في الوقوف بقوة أمام الطغيان الأمريكي.

وأضاف أن ضرورة العودة إلى التاريخ تكمن في استمداد القدرة على مواجهة الباطل، مشيراً إلى أن أنصار الإمام علي والإمام زيد وأتباعهم هم الذين يثبتون اليوم في الميدان، على خلاف الآخرين الذين يفتقرون إلى هذا الامتداد.

وبيَّن أن الاقتداء بالنماذج العظيمة هو أمر رباني؛ حيث أمر الله تعالى نبيه محمداً -صلى الله عليه وآله وسلم- بالاقتداء بالأنبياء من قبله، وبالتالي فإن وضع هؤلاء الرموز كنماذج للاقتداء والتأثر بهم يساهم في صناعة واقع مرضي مرتبط بالقيم والمبادئ الأصيلة.

ثورات أهل البيت عليهم السلام حفظت شرف الأمة ومثّلت الوجه الحقيقي للإسلام

وأكّد الدكتور الأهنومي أن ثورات أهل البيت حفظت شرف الأمة وصححت نظرة الشعوب للإسلام في مواجهة نظريات الخنوع، مشيرًا إلى أن ثورة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، واستشهاده أفرزت مواقف عديدة، أبرزها أنها هزت الكيان الأموي والثقافة التي كادت أن تسود وتوهم الناس بأن هذا هو الإسلام، وقدمت النموذج الحقيقي للخروج على الظالم.

وأوضح أن الإمام الحسين أعلن موقفه المبدئي منذ اليوم الأول بقوله: “مثلي لا يبايع مثله”، واستمر على هذا المبدأ حتى استشهد، لافتًا إلى أن هناك من استغل الجريمة الفظيعة لاستشهاد الإمام الحسين ليصنع نظرية تدعو للخنوع والخضوع للظالم، ووجهوا اللوم إلى الإمام الحسين بطريقة ضمنية، وربط الدكتور بين هذا المنطق القديم والواقع المعاصر قائلاً: “إن الذين يلومون الإمام الحسين تاريخياً هم أنفسهم من يفعلون ذلك الآن عندما يقولون إن حماس وحزب الله قتلوا الناس، في حين أن من يقتل الناس في الحقيقة هي أمريكا”.

وأضاف أن أولئك برروا خضوعهم للحاكم “كيفما كان ما لم يظهر كفراً بواحاً”، وهو هروب استغلته السلطة وأصلت له، بينما اختار الإمام زيد وأهل البيت عليهم السلام الاستمرار في طريق الثورة والمواجهة، مستشهدًا بكلمة العلامة الهندي الكبير أبو الحسن الندوي الذي قال: “والحقيقة أنه من نظر إلى التاريخ بعين الإنصاف والتأمل يجد أن هذه الثورات التي قام بها أهل البيت (كالإمام زيد، والإمام النفس الزكية، والإمام إبراهيم بن عبد الله) هي التي حفظت ما بقي من شرف لهذه الأمة”، مؤكدًا أنه لولا هذه الثورات التي جسدت الدين وأعادت وجهه الآخر، لظلت الصورة المشوهة التي قدمها الأمويون على أنها الدين.

وضرب الأهنومي مثالاً ببلاد المغرب، حيث كان البربر يروْن في الإسلام عدواً بسبب ممارسات بني أمية الذين استباحوا أرضهم، وأخذوا خيراتهم، وساقوا نساءهم إلى دمشق أو بغداد، مما حول المسألة إلى خصومة بين البربر والعرب وغاب جوهر الإسلام.

ولكن، عندما جاء الإمام إدريس بن عبد الله وقدم نموذجاً آخر للإسلام يقوم على الرحمة والكرامة، العدل والإنصاف، الدين والاعتقاد الصحيح في الله، عندها أحب البربر الإسلام، ودخلوا فيه وتعصبوا له، وصاروا من أعظم أنصاره، واستمرت دولته مائتي سنة تقدم حضارة إسلامية مختلفة.

وأوضح أنه بفضل هذا النموذج ثبت الإسلام في بلاد المغرب، وإلا لكان سيرحل منها مثلما رحل من الأندلس التي لم يحظَ أهلها بوجود أعلام من أهل البيت يحفظون للإسلام قيمته، مؤكداً أنه أينما حل أهل البيت، حل الإسلام، والإمام زيد عليه السلام إنما أراد أن يقدم النموذج الحق للإسلام”.

الإمام زيد أطلق ثورته لمعالجة واقع الأمة ومواجهة طغيان الحاكم الظالم

وتطرق الدكتور الأهنومي، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة صنعاء، إلى المحطات التاريخية الفاصلة التي تلت استشهاد الإمام الحسين عليه السلام عام 61 هـ، مسلطاً الضوء على البيئة السياسية والاجتماعية التي هيأت لخروج وثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام في عام 122 للهجرة.

وأوضح أن الأمة تلقت صفعات كبرى عقب خذلان الإمام الحسين؛ حيث عاد الجيش الأموي ليستبيح المدينة المنورة لثلاثة أيام، وأجبر من بقي حياً على مبايعة يزيد بالقوة على أنه “عبد خالص” له، ناهيك عن انتهاك الأعراض وتخريب الكعبة المشرفة وهدمها وإحراقها مرتين (مرة في آخر عهد يزيد عام 63-64هـ، ومرة في عهد عبد الملك بن مروان).

وربط بين أحداث الماضي والواقع المعاصر قائلًا: “إننا نتحدث اليوم عن المسجد الأقصى بحالة استغراب كبير، ولكن عندما نعود إلى التاريخ نجد البعض يمر على هذه الأحداث مرور الكرام، وكذلك موضوع إحراق المصحف الشريف، وهي جريمة لا تحرك الأمة الإسلامية اليوم ساكناً من أجلها باستثناء اليمن الذي يقوم بثورة، وهذه حالات تتكرر؛ ففي الماضي قام أحد الأمويين وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بالترمّي على المصحف، وكان مجرماً يشرب الخمر وفاسقاً”.

وأشار إلى أن الإمام زين العابدين رأى ضرورة تربية الأمة وشدها إلى الله سبحانه وتعالى في ظل تلك الظروف الصعبة؛ فكان يشتري العبيد ويعلمهم ويعتقهم ليكونوا رسلاً للإسلام الحقيقي الممتد من الثورة الحسينية، وبناءً على ذلك، استشهد الأهنومي بما أكد عليه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي –رضوان الله عليه- من أن الإنسان قد يضغط بضغوط معينة في مراحل تحكمها الوضعية عند غياب المجتمع الحاضن، مما يتطلب البناء والتحرك الذاتي.

واعتبر الأهنومي أن الإمام زيد بن علي عليه السلام كان أبرز مخرجات هذه المدرسة التربوية للإمام زين العابدين، الذي أيقظ الأمة بخروجه واستشهاده وصنع صدمة عاطفية تجتاح العالم الإسلامي لتنبيهه من الواقع المزيف الذي صُوِّر على أنه الإسلام.

وتطرق إلى العهد المرواني، واصفاً بني مروان بأنهم كانوا أكثر حذقاً من آل أبي سفيان الذين حاولوا التستر على جرائمهم. وبيّن أن الإمام زيد خرج على هشام بن عبد الملك، الذي كان طاغية ظالماً وبعيداً عن الدين رغم قوة شخصيته، مشيراً إلى انطباق الحديث النبوي الشريف عليه وعلى بني مروان: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً (أو أربعين رجلاً) اتخذوا دين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً».

وبيَّن أنه في عام 122 هـ، أعلن الإمام زيد ثورته مطلقاً شعاراته المنهجية: “أيها الناس، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، وإقفال المجمرة، ونصرنا أهل البيت”، مؤكدًا بأن هذه العبارات تمثل برنامج عمل متكامل وواقعي، يعالج أموراً ملموسة يحتاجها المجتمع المسلم وليست مجنحة في الخيال، بدليل أن هذا البرنامج ترك أثراً وانعكاساً كبيراً لدرجة استفادة أحد أمراء بني أمية (إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك) منه عندما قام على ابن عمه، مما يثبت حاجة المجتمع الإسلامي الماسة لثورة الإمام زيد الحتمية والواقعية.

التغلغل التاريخي لأهل الكتاب في صناعة السياسات الأموية أسّس لثقافات تدجين الأمة

في السياق كشف د. حمود الأهنومي، عن الجذور التاريخية للاختراق الفكري والسياسي الذي تعرضت له الأمة الإسلامية في العهد الأموي، مستعرضاً طغيان نفوذ “أهل الكتاب” في صناعة القرار وبناء الثقافات المدجنة، وكيف مثّلت ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام الرد المنهجي والقرآني الأسمى لإعادة الأمة إلى مسارها الصحيح.

وأوضح أن معاوية بن أبي سفيان كان ملتصقاً بأهل الكتاب من مسيحيين ويهود؛ حيث كان الرجل الثاني في الدولة والمستشار السياسي والمالي الأول لخمسة خلفاء أمويين هو “سرجون” (من أهل الكتاب)، والذي امتلك خبرة دينية وسياسية واسعة، وكان ابنه يُعد من قديسيهم، مشيرًا إلى أن سرجون كان المسؤول الأول عن رسم السياسات المالية والاقتصادية وإدارة الدواوين التي لم تكن معرّبة بل كانت تُدار باللغة السريانية، ولم يكن معاوية قادراً على قراءتها أصلاً، وظلت كذلك حتى عهد عبد الملك بن مروان الذي قام بتعريبها بناءً على مشورة الإمام زين العابدين عليه السلام.

وبناءً على هذه الحقائق، ربط الأهنومي بين هذا التاريخ وطرح الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي –رضوان الله عليه- مؤكداً أن بني أمية كجهة سياسية (من الطلقاء الذين حكموا في غرة من التاريخ) لم تكن لديهم خبرة دينية سابقة بالإنظار والإغواء، فحدث تحالف بينهم وبين أهل الكتاب الذين وجدوا فيهم وسيلة لإنتاج واقع ثقافي سيء جداً، لا تزال الأمة تعاني من مخرجاته المدجنة حتى اليوم في بلاطات الحكام الحاليين.

ونوه إلى أنه “في تلك المرحلة كان أهل الكتاب كأفراد يضلون الناس، أما اليوم فقد تحولوا إلى أنظمة تتسلط وتحكم ولديهم دول كبرى، والطاقم الحكومي لمعاوية ومن بعده كان جلّه من أهل الكتاب، مثل الطبيب الخاص “ابن آثال” وابن طيفور عامل الصوافي”.

وسلّط الأهنومي الضوء على حادثة تاريخية تعكس التواطؤ الأموي؛ حيث كان اليهود يسبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس من يُسمى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك؛ فانتفض الإمام زيد بحميته وقوة شخصيته العظيمة قائلاً لليهودي: “والله لو أمكنني الله منك لاختطفت روحك، يا أيها اليهودي أتسب رسول الله في مجلس أتباعه وأصحابه؟!”، فما كان من هشام إلا أن رد مدافعاً: “يا زيد لا تؤذِ جليسنا!”.

وقارن بين هذا الموقف وما يحدث اليوم في الدول العربية والإسلامية من حماية للسفراء اليهود والصهاينة عند إساءتهم للمقدسات والرسول، مؤكدًا أن الإمام زيد كان مشغولاً بقضية التغيير، مستمداً ذلك من تدبره الطويل لكتاب الله، حيث قال الإمام زيد: “مكثت مع القرآن ثلاثة عشر سنة، أتدبره وأتأمله، فما وجدته إلا الخروج”، وقال: “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت، أأسكت وقد خولف كتاب الله؟!”؛ ولهذا سُمي بـ “حليف القرآن”.

وربط هذه الحيوية القرآنية بنماذج معاصرة تجاوزت التراكمات والتراث وعادت إلى منبع القرآن لتحدث التغيير، مثل الإمام الخميني في الثورة الإسلامية، والسيد حسين بدر الدين الحوثي (شهيد القرآن) في اليمن.

وأشار د. الأهنومي إلى مسيرة الإمام زيد الإصلاحية، مؤكداً أنه بدأ بالعملية الإصلاحية السلمية قبل أن تُفرض عليه المواجهة العسكرية؛ حيث مكث في الشام سجيناً سياسياً لخمسة أشهر، وكان يخرج إلى المسجد يشرح للناس سورتي البقرة وآل عمران، ونقل الراوي أنه كان “يهز القرآن هَزّاً” وينطلق من بحر علم، وكان يتمتع ببيان عجيب وصفه المؤرخون بأن له “لساناً كحد الأسنة وشيب السيوف”، وهو ذاته ما أشار إليه الإمام الهادي في مجموع رسائله عندما سُئل عن أدل دلالات الإمام، فأجاب بأنها: “حسن بيانه وأسلوب خطابه”.