احتياطيات استراتيجية ضخمة من الغاز والنفط ..كيف منعت السعودية اليمن من استخراج ثرواته؟

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
8 يوليو 2026مـ – 23 محرم 1448هـ

تقريــر || عباس القاعدي

تُمثل حرب السيطرة السعودية على ثروات اليمن ومنعه من استخراج مقدراته الطبيعية، أحد أبرز ملفات الاستهداف الخارجي الممتد عبر عقود.

ويتجاوز الحصار السعودي على موارد اليمن إلى فرض السيادة على قراره، ومنعه من التفكير في استخراج هذه الثروات، مما أبقى اليمن في دائرة الارتهان الاقتصادي، وحال دون وصول ثروات الوطن القومية إلى خدمة التنمية وبناء الإنسان اليمني.

وتكشف الدراسات الاقتصادية والجيولوجية عن مخزونات نفطية هائلة في اليمن، تتركز في محافظات مأرب، وشبوة، وحضرموت، والجوف، وتمثل هذه الثروات الكامنة في محافظة الجوف، على وجه الخصوص، أحد الأسباب الأساسية للاستهداف السعودي المستمر للمحافظة وأبنائها على مدى العقود الماضية.

وتسعى الرياض لإبقاء هذه الثروات مدفونة، كما تحرص على تغذية النزاعات، وتمويل القطاعات والثارات القبلية، وشراء الذمم، فضلاً عن إغراق مجتمعها وشبابها بآفات مثل المخدرات، ولذلك فإن الهدف الجوهري لهذه الاستراتيجية السعودية هو استنزاف طاقات المجتمع وإشغاله بصراعات وتوترات أمنية مستمرة، تحول دون التفاته إلى خيرات أرضه، وتمنعه من إدراك أن التكاتف والوحدة هما المفتاح الحقيقي لاستخراج هذه الثروات واستثمارها لصالح رفاهية الإنسان اليمني.

 

 

وتطرقت العديد من التقارير الإعلامية إلى حجم الضغوط السياسية التي فرضتها السعودية على أنظمة الخيانة السابقة في اليمن، والتي وصلت إلى حد إجبارهم على إيقاف أي أنشطة تنقيب عن النفط في محافظة الجوف، ومنع التفكير في استغلالها.

وعقب ثورة 11 فبراير 2011، ووصول حزب الإصلاح إلى السلطة، أحكم قبضته على المحافظات النفطية، بهدف تثبيت وتكريس حكمهم وسيطرتهم على اليمن، من خلال السيطرة على الثروة النفطية.

ويختزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا المشهد عام 2016م، في سياق حديثه عن الثروات الطائلة التي يمتلكها آل سعود، مشيراً إلى أن ذلك الغنى لم يمنعهم من الطمع في السيطرة على مقدرات اليمن.

وفي عام 2016م، وبينما كان العدوان الأمريكي السعودي، في ذروته علّق المجرم ترامب خلال حملته الانتخابية على خلفيات العدوان على اليمن وأهدافه الحقيقية بصراحة غير مسبوقة لم يجرؤ عليها غيره، حيث تساءل مستنكراً وموجهاً خطابه للجمهور: “هل تعرفون ماذا يوجد على الضفة الأخرى؟ وما هو السبب الفعلي للحرب السعودية على اليمن؟ إنه النفط؛ إنهم يلهثون وراء نفط اليمن وثرواته الطبيعية، وليس أي شيء آخر”.

 

وتتجلى أبعاد الاعتراض والطمع السعودي على ثروات اليمن في الشهادة التي أدلى بها القيادي العسكري المقرب من حزب مرتزقة الإصلاح، محسن خصروف، حول القيود التي فُرضت على حكومة الخائن هادي لمنعها من استغلال حقول النفط والغاز في محافظة الجوف، وقد وصلت تلك الإملاءات إلى حد اشتراط حظر دخول معدات التنقيب والبحث لمدة قرن من الزمن، وهو ما أدى في النهاية إلى تجميد الملف وإغلاقه استجابة للمطالب السعودية.

ويتزامن هذا التحرك مع مساعٍ حثيثة من مرتزقة الإصلاح خلال عامي 2012 و2013م، حيث كان قادة الحزب يستندون إلى تقارير سرية تكشف حجم المخزون النفطي في الجوف، وبسبب مخاوفهم من القوى السياسية المنافسة ورغبتهم في تثبيت أركان حكمهم الناشئ عقب الإطاحة بصالح، سعى الحزب لفرض واقع استكشافي جديد يوفر له عوائد مالية ضخمة تخدم مشروعه السياسي.

وتؤكد هذه المعطيات أن اهتمام مرتزقة الإصلاح بملف النفط لم يأتِ من منطلق وطني يهدف لإنعاش الاقتصاد اليمني أو رفع المعاناة عن أبناء المحافظة، وإنما كان مجرد محاولة للاستحواذ على مورد مالي وتوظيفه في معركة السيطرة وتكريس النفوذ الحزبي.

لقد عاش الشعب اليمني لعقود طويلة، لا يعرف حقيقة الثروات الطبيعية التي يمتلكها وطنه، أو حجم العائدات النفطية الفعلية للبلاد؛ وذلك بسبب سياسة الغموض والتعتيم الممنهج التي مارستها الحكومات السابقة، حيث طال هذا التعتيم أيضاً أسماء ومقادير الجهات المتورطة في نهب هذه المقدرات، سواء أكانت شخصيات نافذة، أو شركات، أو قوى دولية وإقليمية.

ويدرك الشعب اليمني الآن أن القرار الاقتصادي والسياسي كان رهيناً للوصاية الخارجية، وتحديداً للجانب السعودي الذي فرض فيتو صارماً يمنع التنقيب عن النفط واستخراجه في محافظة الجوف وبقية المناطق اليمنية الواعدة.

وتقف السعودية خلف استراتيجية ممنهجة لفرض الحظر الصارم على الحكومات اليمنية السابقة لمنعها من استكشاف الثروات الوطنية، وفي مقابل هذه الحقائق، تعمد الرياض إلى استخدام مسؤولين ومختصين يمنيين لتفنيد هذه الطروحات ونفي وجود النفط في محافظة الجوف، إدراكاً منها لأهمية إبعاد الشبهات عن دورها التآمري.

ويمتد هذا الاستهداف إلى صناعة واقع أمني واجتماعي مأزوم في المحافظات الحدودية مثل مأرب والجوف؛ عبر تغذية صراع الثارات القبلية وظاهرة التقطعات للمسافرين، بهدف تشويه الهوية المجتمعية لأبناء هذه المحافظات.

وبالتوازي مع ذلك، يُلاحظ توجيه تحركات تنظيم القاعدة التكفيري لإنشاء معسكراته تحديداً في المربعات النفطية، مدفوعاً بأطماع أمريكية تسعى للسيطرة على هذه الثروات، لذا، فإن هذه السياسات مجتمعة تهدف إلى وسم أبناء مأرب والجوف بصفات سلبية تدعي جفاءهم للقيم والأعراف، في محاولة لطمس حقيقتهم المتمثلة في الشهامة، والرجولة، والكرم، والنجدة، والتغطية على حقيقة أن الظواهر الدخيلة ليست سوى نتاج للمال السعودي وأدواته في الداخل.

وتتربع محافظة الجوف على مساحات واعدة بالثروات النفطية والغازية كما يقول رئيس هيئة استكشاف وإنتاج النفط الأسبق الدكتور محمد السعيدي.

ويشير الدكتور السعيدي إلى أن المنطقة تحوي أكبر حوض رسوبي في شبه الجزيرة العربية، ويمتد جغرافيًا من مأرب ومنطقة الخراخير بحضرموت وصولاً إلى الربع الخالي وشمال السعودية.

ومن الناحية الجيولوجية، فإن هذا الحوض الشاسع كان عبارة عن غابات كثيفة في العصور السحيقة، وهي البيئة الطبيعية والمصدر الأساسي لتشكل مخزونات النفط والغاز عبر ملايين السنين.

وتثبت هذه المعطيات أن تصريحات المجرم ترامب لم تكن الشاهد الوحيد على الأطماع السعودية لثروات اليمن النفطية؛ بل جاءت لتؤكد واقعاً جيولوجياً يسيل له لعاب القوى الإقليمية والدولية، وتكشف أن المحرك الفعلي للسياسات والاستهداف المستمر للمحافظات اليمنية الشرقية والشمالية، هو السعي الحثيث لفرض السيطرة المطلقة على هذه الثروات الكامنة في باطن الأرض والتحكم بمستقبلها.

 

 

ويمثل اليمن حجر زاوية في معركة صياغة مستقبل المنطقة، نظراً لكون أرضه ومقدراته لا تزال بمثابة مساحات بكر خامة فُرض عليها الحظر والمنع من التطور والاستغلال.

ومن غير المنطقي جيولوجياً أن يكون بلد بهذا الحجم الجغرافي العريق مجرداً من الثروات؛ إذ تتنوع موارده بين النفط والصخور والمعادن والملح، وصولاً إلى الرمال التي تمثل بحد ذاتها ثروة اقتصادية واقعه تحت الاستعمار السعودي الأمريكي، فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي يُباع فيه المتر المكعب من الرمل في بريطانيا بنحو 40 إلى 45 دولاراً، يمكن تأمينه من اليمن بتكلفة لا تتجاوز 5 دولارات، وهي مفارقة تكشف حجم الموارد التي تقع تحت وطأة الوصاية والاستغلال الخارجي.

ولم يقتصر الاستهداف التاريخي على الثروات الطبيعية والمعدنية، بل امتد ليتطابق مع شواهد وثائقية بريطانية تؤكد قيام بعثات أثرية سابقة بطمر وإخفاء اكتشافات حضارية وتاريخية هائلة في اليمن فور العثور عليها.

أما في الملف النفطي، وبالرغم من التعتيم الشديد المفروض على مخزونات محافظة الجوف النفطية ومحاولة نفي وجودها، إلا أن التقارير والمعلومات والشهادات تتواتر لتؤكد امتلاك اليمن وبالذات الجوف، احتياطيات استراتيجية ضخمة من الغاز والنفط.

هذا الملف كان ركيزة أساسية في سياسة الضغوط التي مارستها الرياض على الأنظمة السابقة في صنعاء؛ حيث اكتفى بعض قيادات تلك الحكومات بما فيهم الخائن عفاش بالاعتمادات والمخصصات المالية الشخصية الممنوحة لهم من السعودية، مقابل تجميد قطاع الاستكشافات والتنقيب، والتحول إلى واجهات تتبنى الرواية الإقليمية السعودية التي تجتهد لنفي وجود أي ثروات نفطية واعدة في الجوف ومختلف المحافظات اليمنية.

 

 

وفي شهادة هامة من قلب الميدان، يؤكد الشيخ علي الحريزي —أحد أبرز رموز محافظة المهرة الأبية— أن سياسة السعودية العدائية تجاه اليمن، ليست وليدة عقد من الزمان، بل هي استراتيجية ممتدة وجذورها قديمة؛ حيث فرضت الرياض حظر صارماً بمنع الشركات الدولية من استخراج النفط والغاز اليمني منذ عام 1967م وحتى اليوم.

وتتقاطع هذه الشهادة مع الحقائق التاريخية التي تثبت اعتماد السياسة الخارجية للرياض على التوجيهات التقليدية للمؤسس عبد العزيز آل سعود، والتي ترى في وجود يمنٍ قوي، مستقر، ومزدهر، خطراً على نفوذها؛ وبناءً على هذه العقيدة السياسية القائمة على إبقاء اليمن في دائرة الأزمات، تبرز الحاجة الملحة اليوم ليتسلح اليمنيون بالوعي والوحدة الوطنية، والالتفاف حول قيادة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- القيادة النزيهة والشجاعة والتي تجسد تطلعات الشعب اليمني السيادية؛ قيادة ترفض الارتهان للمال أو النفوذ الخارجي السعودي، وتضع مصلحة اليمن واستقلال قراره فوق كل اعتبار.

من خلال المقطع السابق، تكتسب شهادة الشيخ علي الحريزي، أحد أبرز المرجعيات القبلية والسياسية في محافظة المهرة، وزناً وثائقياً كبيراً في كشف أبعاد التحركات السعودية تجاه ملف النفط في اليمن.

ويوضح الحريزي أن الرياض رأت تاريخياً في استقلال اليمن الاقتصادي تهديداً لمصالحها، مشيراً إلى محطات مفصلية أبرزها ما جرى عام 1969م؛ حينما تدخلت السعودية لتعطيل مشاريع استكشافية تقودها شركات دولية (أمريكية، وروسية، وجزائرية) في المهرة، وجرى اتباع آلية تختيم الآبار المحفورة وطمرها بالكامل، ولم يقتصر الأمر على الضغوط السياسية، بل تعداه إلى دفع مئات الملايين من الدولارات لتعويض تلك الشركات وإجبارها على مغادرة الحقول، تلا ذلك إغلاق وردم الآبار التي تم حفرها وتدمير بنيتها التحتية لضمان عدم عودتها للعمل.

وعلى غرار السيناريو المأساوي الذي عانت منه المهرة، واجهت محافظة الجوف التي يرزح أبناؤها تحت وطأة ظروف معيشية بالغة الصعوبة، المؤامرة ذاتها وبأدوات أكثر قسوة، وتؤكد التقارير الجيولوجية والمسوحات التي جرت في عقود سابقة أن الجوف تضم مكامن نفطية وغازية هائلة، وقد بدأت بالفعل عمليات تنقيب أولية في عدد من المربعات والآبار الاستكشافية.

غير أن السعودية سارعت للتدخل فور ظهور المؤشرات الإيجابية؛ حيث مُرست ضغوط قصوى على الحكومات السابقة في اليمن لإيقاف المشاريع الاستكشافية فوراً، ولضمان هذه الثروة، تم إيقاف الاستكشاف والتنقيب في الجوف، في إجراء تعطيلي متعمد لإبقاء المحافظة وأبنائها في دائرة الحرمان والفقر والارتهان الاقتصادي.

 

الكثير من الخبراء والمختصين يعرفون أن محافظة الجوف، تخبئ في بطنها ذهبا أسود، غير أن هذا الأمر ظل سرا على مدى حكومات الخيانة المتعاقبة، ويعود الأمر إلى بداية الثمانينات، عندما نقبت الشركات الأجنبية في الجوف، وبدراسات علمية أكدت أن المحافظة مليئة بالنفط والغاز، ولكن السعودية اعترضت حينها على عملية الاستكشاف والتنقيب.

وهذا ما أكده في المقطع السابق، محمد سالم بن عبود، الذي كان محافظ الجوف سابقا ويعتبر من قيادات حزب مرتزقة الإصلاح، حيث أوضح أن السعودية منعت التنقيب في الجوف، وتم الاتفاق مع حكومة الخيانة السابقة، على أن يتوقف الاستكشاف جهة الشمال “أي في محافظة الجوف”، نظرا لدواعي سياسية واقتصادية، وعلى الحكومة اليمنية أن تتوجه بالاستكشاف والإنتاج إلى مأرب، شبوة، حضرموت.

وأكد بن عبود، أنه كان يوجد مسار للتنقيب واحد، يبدأ من مأرب مرورا بالجوف إلى شبوة وحضرموت، لكن السعودية عملت على استثناء محافظة الجوف من التنقيب.

 

لم تحظَ محافظة الجوف المحاذية للحدود السعودية، ولا سكانها، بذات الاهتمام التنموي الذي نالته جاراتها كـ مأرب وشبوة وحضرموت في شرق وجنوب البلاد، ورغم هذا الحرمان، بدأ أبناء هذه المحافظة القبلية المستنزفة بالفقر يستبشرون بمستقبل واعد عقب ظهور مؤشرات واكتشافات نفطية، وسط مخاوف تزامنت آنذاك مع الاطماع السعودية، واندلاع صراعات محلية للسيطرة على هذه الثروات.

وما يثير الريبة اليوم هو التعتيم الإعلامي الممارس حول الثروات النفطية في محافظة الجوف؛ إذ تعرضت التقارير الاستقصائية التي وثّقت مراحل الاستكشاف والتنقيب، في قنوات إخبارية كـ “الجزيرة”، للحظر والحذف المتعمد من منصات الإنترنت.

هذا السلوك الاجرامي يعكس رغبة واضحة من أطراف نافذة تسعى لإبقاء ملف نفط الجوف طي النسيان، ومنع وصول أبناء الجوف واليمنيين عامة إلى حقائق ومستندات تُسهم في رفع منسوب الوعي المجتمعي، وتدفعهم نحو التكاتف والوحدة لاستغلال مواردهم النفطية والاستفادة من خيرات أرضهم ومحافظتهم.

 

خلف ملامح العزلة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها محافظة الجوف، يقبع ملف نفطي واعد يخضع لتعتيم شديد، فالشواهد الميدانية المتمثلة في أنابيب الاستكشاف المهملة والآبار المردومة تحت كثبان الرمال، تؤكد أن شركات عالمية مثل “هنت” وضعت يدها في الثمانينيات على مكامن طاقة ضخمة تشاركها الجوف مع حوض مأرب النفطي والمناطق الحدودية المجاورة.

وتؤكد التقارير الدولية أن غياب التنمية عن محافظة الجوف طيلة العقود الماضية هو قرار سياسي سعودي بامتياز، تهدف الذرائع الأمنية للتغطية عليه، حيث أن الربط بين وفرة الثروات واستمرار الاضطرابات الأمنية يكشف بوضوح طبيعة الدور السعودي في هذه المحافظة؛

لذا، فالاستهداف السعودي يرتكز على تمويل صراعات الثأر، والتقطعات، وتحريك الأوراق المتطرفة لإنهاك المجتمع القبلي واستنزاف طاقاته، منعاً لتكتله خلف مشروع نهضوي يستغل عوائد “الذهب الأسود”.

هذا المنع الذي كان يُفرض سابقاً بمجرد اتصال أو تحذير مباشر للحكام السابقين في صنعاء، واجه واقعاً مغايراً بعد ثورة 21 سبتمبر، وتحرر المحافظة وسقوط أدوات الوصاية التقليدية، وبروز قيادة ترفض مقايضة المواقف السيادية بالمال؛ وتأسيساً على ذلك، انحسرت الخيارات السعودية الامريكية في محاولات بائسة لصناعة الفتن وإثارة الفوضى لتعطيل الاستقرار التنموي، في تأكيد جديد على أن العداء تجاه نمو اليمن واكتفائه الذاتي هو عقيدة سياسية ثابتة للكيان السعودي منذ سبعينيات القرن العشرين.

تؤكد المعطيات السابقة أن جوهر الأزمة في اليمن لم يكن يوماً خلافاً داخلياً بين أبنائه، بل يكمن في “المنبع المالي” الخارجي الذي تقوده السعودية تاريخياً لتصدير الفتن وتغذية الانقسامات.

لقد تحولت المخصصات المالية للرياض إلى أداة ممنهجة لشراء الولاءات والذمم، وتمويل الجماعات التكفيرية وقاطعي الطرق، مستهدفة كل من يقبل مقايضة مواقفه الوطنية ومصالح قبيلته وشعبه لصالح الأجندات والأحقاد الإقليمية الموجهة ضد يمن الإيمان والحكمة.

لقد تتبعت الرياض تاريخياً مسار فرض الوصاية على منظومة الحكم في صنعاء، ولم تتوقف ضغوطها إلا بعد ترويض القرار السياسي اليمني وجعله خاضعاً لتوجهاتها تحت لافتة النظام الجمهوري.

فعقب الانسحاب المصري من اليمن وتحول موازين القوى والذي شهد استقالات لرموز سياسية كالإيراني والعيني نتيجة للضغوط والمناكفات السياسية آنذاك، شهدت البلاد صعود الرئيس إبراهيم الحمدي الذي حمل مشروعاً طموحاً لبناء دولة مستقلة ذات قرار سيادي غير تابع، ولكن السعودية رأت في هذا المشروع التحرري تجاوزاً صارخاً لخطوطها الحمراء، مما دفعها للتآمر وتدبير عملية اغتيال الرئيس الحمدي لتصفية مشروعه الوطني بالكامل.

وعقب تلك المرحلة، دخل اليمن حقبة من التبعية المطلقة، غدت معها السفارة السعودية في صنعاء هي الحاكم الفعلي والموجه للسياسات اليمنية، واستمر هذا الارتهان لعقود حتى انطلاق ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2014م، والتي كسرت قيود الوصاية الخارجية.

ولم تمضِ سوى أشهر قليلة على هذا التحول التحرري، حتى سارعت السعودية وبدعم أمريكي صهيوني غربي، ومساندة من قوى دولية وغربية، إلى شن عدوان على الشعب اليمني، وكان الهدف الجوهري لهذا العدوان هو وضع اليد على الثروات النفطية وإعادة اليمن قسراً إلى بيت الطاعة الإقليمي السعودي؛ إلا أن الحسابات الخارجية أخفقت هذه المرة أمام صمود الشعب اليمني، وقواته المسلحة في المحافظات الحرة، الذي استطاع إفشال مخططات الهيمنة وحماية مكتسباته السيادية.