قراءة في تصاعد الموقف اليمني وفرض قواعد الاشتباك الجديدة أمام المماطلة السعودية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 يوليو 2026مـ – 20 محرم 1448هـ
تقريــر || عبدالقوي السباعي
في منعطفٍ سياسي وعسكري بالغ الأهمية والدلالة، حمل البيان الصادر عن وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة التغيير والبناء، من العاصمة التاريخية صنعاء، أبعادًا إستراتيجية تتجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية، إلى إعلان مرحلة جديدة من فرض الإرادة السيادية وتثبيت معادلات الاشتباك الشاملة مع النظام السعودي.
ويأتي هذا الموقف الحازم كردٍّ عملي مباشر يفنّد المحاولات السعودية الأخيرة لتزييف الحقائق وتحريف مسار التفاهمات، معيدًا ترتيب أولويات الملف اليمني وفق رؤية متمحورة حول انتزاع الحقوق المشروعة وإنهاء الحصار بشكّلٍ كامل وغير مشروط.
التوقيت الذي اختارته صنعاء لإطلاق هذه المواقف يعكس ثقة عالية بفائض القوة الإستراتيجية التي باتت تمتلكها، عسكريًّا وسياسيًّا، خصوصًا بعد النجاحات المشهودة في معركة إسناد الشعب الفلسطيني، ما يجعل هذا البيان منطلق سياسي يؤسس لمرحلةٍ تفاوضية تحت النار أو سلام عادل يحفظ لليمن سيادته الكاملة دون نقصان.
وتكشف القراءة المتعمقة لمضامين البيان عن تصعيد مدروس في مقاربة صنعاء لملف السيادة والمنافذ السيادية، وتحديدًا مطار صنعاء الدولي؛ فحين تعلن الخارجية اليمنية أن إعادة تشغيل المطار حق سيادي يُمارس دون إذن من أحد؛ فإنها تسقط إرث عقودٍ من الهيمنة والوصاية الخارجية، وتؤكد أن القرار اليمني تحرر بالكامل من أيّ فيتو إقليمي أو دولي.
وهذا الإصرار يستند إلى جهوزية عسكرية أثبتت فاعليتها عندما أحبطت القوات المسلحة اليمنية محاولة النظام السعودي ثني الطيران المدني عن الهبوط، ما يوضح أن القرار السيادي محمي بقوة ردع قادرة على تنفيذ التهديد بشكّلٍ فوري ومباشر، وهذا الربط المحكم بين الحق السيادي والقوة العسكرية يمثل الركيزة الأساسية التي تدير بها اليمن الصراع في المرحلة الراهنة، معلنةً انتهاء زمن المساومة على حقوق الشعب اليمني الأساسية.
وفي سياق تفكيك الادعاءات السعودية بشأن خارطة الطريق برعاية سلطنة عمان، يضع البيان النقاط على الحروف ويكشف للرأي العام العالمي والمحلي طبيعة المناورة التي يمارسها الرياض؛ فصنعاء التي أكدت موافقتها مرارًا على خارطة الطريق، تزيح الستار عن الرهانات الخاسرة للنظام السعودي الذي حاول استغلال التطورات الإقليمية، لا سيما معركة “طوفان الأقصى” والعدوان الأمريكي الصهيوني على اليمن، فضلاً عن رهاناته على استهداف إيران، للتنصل من التزامات السلام والاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية المترتبة على عدوانه.
وهذه المتابعة الذكية من جانب الخارجية اليمنية يكشف أن السعودي لم يكن جادًا في السلام، وإنّما كان متربصًا يبحث عن فرصة لإعادة فرض وصايته، مستقويًا بالغطاء الأمريكي والإسرائيلي، وهو الرهان الذي تحطم أمام صلابة الموقف اليمني وتمايز الصفوف الذي كشف بوضوح من يقف مع قضايا الأمة ومن يتآمر عليها.
مطالبة الخارجية اليمنية في صنعاء العلنية والحازمة للنظام السعودي بالسرعة في توقيع وتنفيذ خارطة الطريق دون مماطلة تضع الأخير في مأزق سياسي وأخلاقي أمام المجتمع الدولي والوسيط العماني؛ فالتهرب السعودي المستمر وإلقاء اللائمة على الطرف الوطني في صنعاء باتت ورقة مكشوفة وغير قابلة للصرف، خاصة وأن المصلحة الحقيقية في تنفيذ البنود الإنسانية والاقتصادية، كصرف المرتبات وفتح المطارات والموانئ، هي مصلحة يمنية خالصة يسعى الطرف الوطني لتحقيقها لتخفيف معاناة شعبة المفروضة منذ أحد عشر عامًا.
ولعل المظهر الأبرز لسقوط الادعاءات السعودية بالرغبة في السلام تجسد في انزعاجها من عودة المواطنين اليمنيين العالقين في الخارج عبر مطار صنعاء، وهو ما يعري النوايا الحقيقية للرياض ويثبت بالدليل القاطع أنها المحرك الأساسي لاستمرار الحصار الاقتصادي والإنساني الممنهج ضد الشعب اليمني.
ولم يغفل البيان إعادة تعريف طبيعة الدور السعودي في اليمن، حاسمًا الجدل حول محاولات الرياض تقديم نفسها كـ”وسيط” محايد أو طرف راعٍ للسلام؛ فالخارجية اليمنية أعادت تذكير العالم بالحقائق الميدانية والتاريخية التي لا يمكن طمسها: “النظام السعودي هو رأس العدوان وهو من أعلن الحرب وتبناها، وقام بشن ما يربو على ربع مليون غارة جوية دمرت البنية التحتية والأعيان المدنية وحتى المقابر، متسببة في استشهاد وجرح مئات الآلاف بشكّلٍ مباشر وغير مباشر”.
وبناءً على هذا التوصيف القانوني والسياسي الدقيق، لا يملك المعتدِ والمحتل لأجزاء واسعة من البلاد الصلاحية الأخلاقية أو السياسية لتحديد مستويات الالتزام أو التنصل، كونه الطرف المطالب بالوفاء بالالتزامات والتعويضات والاعتراف بفشل خياراته العسكرية والسياسية طوال العقد الماضي.
وتتجلى القيمة الكبرى للبيان في ربطه المحكم بين الموقف اليمني المبدئي نصرة لغزة وبين محاولات النظام السعودي توظيف هذا الملف لشيطنة صنعاء؛ فالنظام السعودي، عبر مغالطاته المعروفة بشأن أحداث البحر الأحمر، يثبت مجدّدًا اندماجه الكامل في المحور الأمريكي الصهيوني وتحركه كأداة لحماية أمن كيان العدو الإسرائيلي.
وبالمقابل، يقدّم الموقف اليمني نموذجًا فريدًا في تقديم المصلحة القومية والإسلامية العليا للأمة على المصالح الذاتية، مستندًا إلى إجماع بشري يرفض حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وهذا التمايز يمنح صنعاء شرعية أخلاقية وسياسية إقليمية واسعة، ويسقط في الوقت نفسه الذرائع السعودية التي تحاول تصوير الموقف اليمني كتهديد للأمن الإقليمي، بينما الحقيقة هي أن السياسة السعودية التبعية هي المصدر الرئيس لعدم الاستقرار.
وفيما يخص لغة الردع الجيواقتصادي، نقلت صنعاء رسائلها إلى مستوى متقدم جدًا من التهديد المباشر والواضح، متجاوزة الصيغ العامة إلى تسمية الأهداف بدقة متناهية، في توجيه أنظار النظام السعودي نحو حقول النفط، ومنشآت أرامكو، وميناء ينبع، والبورصة، وسوق المال، وصولاً إلى “رؤية 2030” والمشاريع الاقتصادية العملاقة، يمثل صياغة لمعادلة ردع وجودية تمس عصب الاستقرار الاقتصادي والسياسي للمملكة.
صنعاء هُنا تلوح بإنهاء الطموح الاقتصادي السعودي بأكمله في حال ارتكاب أيّة حماقة أو استمرار المماطلة، وهي لا تهدد فقط بالرد العسكري التقليدي، كما أن الرسالة موجهة أيضًا للمجتمع الدولي والشركات الاستثمارية العالمية بأن أيّ تصعيد سعودي ضد اليمن ستكون له ارتدادات كارثية ومباشرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار مرهونًا بكبح جماح الغرور السعودي والاستجابة للمطالب اليمنية العادلة.
وبالتالي؛ فهذا البيان يمثل خارطة طريق سياسية وعسكرية صاغتها صنعاء من موقع القوة والاقتدار، واضعة النظام السعودي أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إمّا سلوك طريق السلام الحقيقي القائم على السيادة الكاملة لليمن وتنفيذ التزامات خارطة الطريق فورًا ودون تسويف، وإمّا تحمل التبعات الكارثية لمغامراته ورهاناته الخاسرة التي ستطال عمقه الاقتصادي والإستراتيجي.
وعليه؛ فإنّ اليمن، قيادة وحكومة وجيشًا وشعبًا، الذي واجه أعتى تحالف عسكري وحصار جائر لأكثر من عقدٍ وتجاوز تداعياته بنجاح، لن يقبل بأنصاف الحلول أو باستمرار المعاناة الاقتصادية، وقد أعذر من أنذر، والعاقبة للمتقين.
