الرياض تخضع للمعادلات الجديدة.. كيف كسرت وحدة الساحات الحصار على مطار صنعاء الدولي؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 يوليو 2026مـ – 20 محرم 1448هـ
تقريــر || منصور البكالي
فرض العدوان السعودي الأمريكي على اليمن منذ عام 2016م حصاراً غير مبرر على مطار صنعاء الدولي، وحظراً للحركة الملاحية فيه، ومنع الطائرات المدنية من الهبوط أو الإقلاع، وقصفه مرات عديدة.
كما تم استهدافه من قبل كيان العدو الإسرائيلي في أواخر ديسمبر 2024م، ما تسبب بعرقلة آلاف اليمنيين العالقين في مختلف دول العالم من العودة إلى بلادهم، وحرمان آلاف المرضى من حق العلاج في الخارج، ومضاعفة معاناتهم.
ويؤكد مدير مطار صنعاء الدولي خالد الشايف أن المطار قبل العدوان السعودي عام 2015 كان ينظم 50 رحلة يومية إلى أكثرَ من 30 وجهة، فيما أفاد وزير الصحة والبيئة في حكومة التغيير والبناء بصنعاء الدكتور علي شيبان، أن الحصار وإغلاق مطار صنعاء الدولي تسبب في حرمان آلاف المرضى من الأدوية، ومنها أدوية زارعي الكلى ومشتقات الدم، والأدوية الهرمونية والمناعية والإنعاش والتخدير ومثبطات التخثر الدموي وبعض المحاليل التشخيصية وغيرها، والتي أودت بحياة الآلاف من المرضى وما زالت تحصد أرواح آلاف آخرين.
وأكد تقرير صادر عن وزارة الصحة والبيئة أن استمرار إغلاق مطار صنعاء الدولي تسبب في توقف عمل عدد من المصانع الدوائية المحلية، وحرمان مئات الآلاف من المرضى من السفر للعلاج؛ فهناك ثمانية آلاف من مرضى الغسيل الكلوي يصارعون الموت نتيجة قلة الأدوية الخاصة بهم، و100 ألف مريض من مرضى السرطان يعانون نتيجة الحصار الذي تسبب في انعدام عشرة أصناف رئيسية ونقص 60 في المائة من الأدوية الخاصة بهم، في حين اصطدمت كل الدعوات الصادرة من صنعاء طيلة السنوات العشر الماضية لفتح المطار بتعنت ورفض سعودي متواصل.
مرحلة جديدة لإنهاء المعاناة
لكن الصبر اليمني بدأ ينفد، ولا سيما بعد مرور أكثر من عقد على هذه المأساة، ليفتتح السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله- مرحلة جديدة في بيان له بداية العام الهجري 1447هـ، دعا فيه الشعب اليمني إلى رفع الجهوزية والاستعداد لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال، وسبقه بيان للمتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، في 22 ذي الحجة 1447هـ، الموافق 8 يونيو 2026م، خلال عملية قصف أهداف حساسة للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة، قال فيه: “سعياً منا إلى كسر الحصار الظالم والغاشم الذي يفرضه العدو الأمريكي على شعبنا وشعوب المحور الحرة والعزيزة”، مؤكداً أننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الحصار الظالم على شعبنا وشعوب محور الجهاد والمقاومة في فلسطين وغزة وإيران ولبنان والعراق، وإن كل محاولات العدو ستبوء بالفشل بإذن الله، وإن عملياتنا مستمرة طالما استمر العدوان والحصار علينا وعلى محور الجهاد والمقاومة.
وقوبلت دعوة السيد القائد باستجابة شعبية ورسمية كبيرة، أعلنت فيها القبائل اليمنية في لقاءات ووقفات مسلحة جهوزيتها التامة لخوض معركة إنهاء العدوان والحصار والاحتلال المفروض على شعبنا اليمني، والتفويض المطلق لكافة الخيارات العسكرية التي تراها القيادة، والشوق لحسم المعركة، والتعامل مع العدو السعودي باللغة التي يفهمها، بعد انسداد أفق المفاوضات والتهرب السعودي من الوفاء بالتزاماته الإنسانية في ملف الأسرى، وصرف المرتبات، والتمهيد للانسحاب من الأراضي اليمنية المحتلة خلال عام.
ماذا حدث في صباح 3 يوليو؟
وحدث متغير وتحول جديد في صباح الجمعة 3 يوليو 2026م، فقد شهدت العاصمة صنعاء أول عملية تنفيذية لكسر الحصار الجوي المفروض على مطار صنعاء الدولي منذ سنوات، وذلك بهبوط أول طائرة مدنية إيرانية في المطار، وهي تقل أكثر من مائتي مواطن يمني من المرضى والجرحى والعالقين، إضافة إلى نقل وفد رسمي يمني من صنعاء إلى العاصمة الإيرانية طهران للمشاركة في مراسم تشييع سيد شهداء محور المقاومة الشهيد القائد السيد علي خامنئي، رضوان الله عليه.
وبحسب بيان القوات المسلحة اليمنية، فقد حاول تشكيل من الطيران الحربي السعودي، عند الساعة الخامسة وعشرين دقيقة صباح الجمعة، اعتراض الطائرة الإيرانية ومنعها من الهبوط عبر اختراق الأجواء اليمنية، إلا أن قوات الدفاع الجوي اليمنية تصدت للطائرات السعودية بعدد من صواريخ الدفاع الجوي، ما أدى إلى إجبارها على مغادرة الأجواء، لتواصل الطائرة الإيرانية رحلتها وتهبط بسلام في مطار صنعاء الدولي.
وعقب نجاح الرحلة، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن أي محاولة سعودية جديدة لخرق الأجواء اليمنية أو منع الرحلات المدنية ستقابل برد شامل يستهدف المطارات والمصالح الحيوية للعدو السعودي في البر والبحر، مؤكدة أن صنعاء لن تقبل باستمرار الحصار السعودي الأمريكي إلى ما لا نهاية، وأنها ستتخذ “كل الخطوات المشروعة” لإنهاء الحصار، كما أكدت جاهزية جميع تشكيلاتها العسكرية لتنفيذ أي خيارات تقررها القيادة في إطار فك الحصار وإخراج القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية، معلنة استمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران “مهما كانت النتائج والتداعيات”.
وفي الوقت نفسه، دعت القوات المسلحة أبناء الشعب اليمني إلى مواصلة النفير العام ورفع مستوى الجهوزية القتالية، استجابةً لدعوة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي للسعي إلى إنهاء العدوان والحصار والاحتلال، معتبرة أن نجاح الرحلة الإيرانية يمثل بداية عملية لكسر القيود المفروضة على مطار صنعاء وإنهاء الوصاية المفروضة عليه منذ سنوات.
وفي السياق، أصدرت وزارة الخارجية اليمنية بياناً يؤكد قرار الشعب اليمني بإنهاء العدوان وكسر الحصار، وموجهة رسالة للنظام السعودي بأن اليمن لا يزال في المراحل الأولى لكسر الحصار، وعليه استيعاب جدّية بيان القوات المسلحة والنظر إلى منشآته الحيوية ومشاريع رؤيته للعودة إلى رشده.
وأكدت الوزارة أن نظام آل سعود وراء استمرار الحصار وعرقلة صرف المرتبات والمعاناة الاقتصادية، مشددة على أنه ليس طرفًا محايدًا، بل هو رأس العدوان الذي أعلن الحرب وشن أكثر من ربع مليون غارة لم تستثنِ حتى المقابر، مؤكدة أن دعوى النظام السعودي بالدفاع عن سيادة اليمن محض غرور، فهو ليس وصيًا على الدول.
تحول في مسار المواجهة
وعلى صعيد متصل، يرى المسؤولون في صنعاء أن نجاح الطائرة الإيرانية في الوصول إلى مطار صنعاء يمثل تحولاً في مسار مواجهة الحصار، ورسالة واضحة بأن القيود المفروضة على المطار لم تعد أمراً واقعاً لا يمكن تغييره، وأن الرياض أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستجابة الفورية لنصائح القيادة اليمنية، وإنهاء كافة أشكال التدخل في الشأن اليمني، أو تقبل دفع فاتورة الثمن المعد لها بفرض معادلة الحصار بالحصار، والرد الشامل على أهداف حيوية في عمق العدو السعودي، والاستفادة من دروس فشل التحالف الأمريكي الغربي لمساندة كيان العدو الإسرائيلي، وهروب حاملات الطائرات الأمريكية من ساحة المواجهة للقوات المسلحة اليمنية بعد تجرعها هزيمة بحرية مدوية في البحرين الأحمر والعربي وباب المندب.
وبالعودة إلى بيان القوات المسلحة، فإن حماية الرحلات المدنية أصبحت جزءاً من مهامها العسكرية، حيث ربطت أي محاولة سعودية جديدة لمنع الملاحة الجوية باستهداف مباشر للمطارات والمنشآت الحيوية السعودية، في مؤشر إلى انتقال ملف مطار صنعاء من الإطار السياسي والدبلوماسي إلى معادلة ردع عسكرية واضحة.
كما حمل البيان بعداً سياسياً، من خلال تثمين المبادرة الإيرانية بكسر الحصار ونقل المرضى والعالقين والوفد اليمني، والتأكيد على استمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران مستقبلاً، بما يعني أن صنعاء تتعامل مع الرحلة باعتبارها بداية لمسار دائم وليس استثناءً مؤقتاً، وتطبيقاً فعلياً لمبدأ وحدة الساحات بين قوى محور المقاومة في مواجهة أعدائها، وأن صنعاء وطهران تقفان في خندق واحد، وأن الهزيمة الأمريكية في هرمز تجبر الرياض للإذعان غير المشروط تجاه ما تقوله صنعاء وما يطالب به الشعب اليمني.
تثبيت وحدة الساحات
وحظي بيان القوات المسلحة اليمنية بتفاعل شعبي ورسمي واسع، تجسد في الحشود الجماهيرية التي خرجت في ميدان السبعين ليلة الجمعة، إلى جانب موجة تأييد واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي اعتبرت البيان تحولاً نوعياً في مسار مواجهة الحصار والعدوان، وأشادت بمعادلة وحدة الساحات بين صنعاء وطهران في مواجهة العدوان السعودي الأمريكي وأدواتهم وشركائهم، في اليمن وفلسطين ولبنان وإيران وأي مكان يستهدف شعوب الأمة الإسلامية.
وفي الخامس من يوليو من العام 2026م، نظمت جماهير الشعب اليمني مسيرة حاشدة في مطار صنعاء الدولي، مباركةً عملية كسر الحصار، وموجهةً رسائل الشكر للجمهورية الإيرانية على مبادرتها ومواقفها المساندة للشعب اليمني، وتجديد التفويض للخيارات التصعيدية لانتزاع الحقوق كاملة.
وأمام هذا التحول، يرى محللون سياسيون وعسكريون أن الكسر الفعلي لحصار مطار صنعاء يكرس معادلة جديدة مفادها تراجع العدو السعودي الأمريكي، وفشل خياراتهم في الإبقاء على حالة اللاسلم واللاحرب، وأن طهران وصنعاء ماضيتان في معركة واحدة ومصير واحد، من هرمز إلى باب المندب، يعيد لشعوب الأمة حريتها وسيادتها وكامل حقوقها المسلوبة من الهيمنة الأمريكية الصهيونية وأدواتها الوظيفية في المنطقة.
وتُجمع التحليلات السياسية والعسكرية على أن نجاح وصول أول طائرة مدنية إيرانية إلى مطار صنعاء في الثالث من يوليو 2026 يمثل تحولاً استراتيجياً في مسار المواجهة، حيث يرى الدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي أن تراجع الطيران السعودي عن اعتراض الطائرة، رغم محاولته الأولى، يعكس خضوع الرياض لمعادلات الردع الجديدة التي فرضتها نتائج الحرب، والتي جعلتها تدرك أن أي استهداف للمطار سيقابل بردود واسعة من اليمن وإيران، وهو ما يجسد فعلياً مبدأ وحدة الساحات وغرفة العمليات المشتركة لمحور المقاومة الذي أعلنت عنه القيادات العسكرية.
وفي السياق ذاته، يؤكد الخبير في الشؤون الإيرانية والإقليمية الدكتور حسين رويوران أن إرسال الطائرة جاء انطلاقاً من الموقف الثابت لطهران تجاه السيادة اليمنية التي لا تعترف بسلطة سواها على أجوائها، معتبراً ما تحقق بداية عملية لاستعادة اليمن سيادته الكاملة على قراره ومطاره، وهي الخطوة الجوهرية التي تتيح لصنعاء تنظيم الملاحة الجوية وخدمة المواطنين، مما يضع السعودية أمام خيارات محدودة تفرضها موازين القوى الجديدة؛ فإما الاستجابة لمطالب صنعاء لإنهاء الحصار، أو مواجهة تبعات عسكرية ستغير طبيعة الصراع ومستقبله في المنطقة.
من جانبه، يؤكد وكيل وزارة الخارجية السفير السابق عبد الله صبري أن رسالة صنعاء إلى طهران تجاوزت المظلة الإيرانية الضيقة، لتعلن فصلاً جديداً في العلاقات الدولية اليمنية خارج النموذج السعودي، مبيناً أن الرياض تجاهلت جميع المتغيرات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما ما بعد معركة طوفان الأقصى والعدوان على إيران، وأرادت منع كسر الحصار، إلا أنها واجهت موقفاً يمنياً حاسماً أكد أن اليمن ماضٍ في انتزاع حقوقه ورفع الحصار بالقوة إذا اقتضى الأمر.
ويشير صبري إلى أن الهدنة قامت أساساً على مرتكزات إنسانية، وفي مقدمتها تشغيل مطار صنعاء، لكن تحالف العدوان أوقف الرحلات بالكامل، في خرق واضح لالتزاماته، مؤكداً أن وصول الطائرة الإيرانية كسر عملياً قواعد الاشتباك التي كانت تفرض الاستئذان من السعودية، ويستند إلى موقع القوة الذي بات اليمن يحتله بعد المواجهة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في البحر الأحمر، مؤكداً أن السعودية ما تزال تحاول فرض وصايتها ومنع شركات الطيران من التعامل مع صنعاء، في وقت أصبحت فيه هيبتها منهارة بعد تفكك التحالف، بينما بات اليمن قادراً على فرض معادلات جديدة تتجاوز كسر الحصار إلى تشمل إنهاء العدوان والاحتلال واستعادة جميع الحقوق المشروعة للشعب اليمني.
بدوره، اعتبر عضو سياسي لأنصار الله، علي العماد أن ما قامت به إيران يجسد الشراكة الحقيقية مع الشعب اليمني، ويعكس أهمية حضورها السياسي والاستراتيجي في دعم قضايا الأمة.
ويضيف العماد في حديثه “للمسيرة”: أن السعودية ما تزال تتعامل مع اليمن باعتباره حديقة خلفية وتسعى لإبقائه ضمن أجندتها السياسية، إلا أن اليمن خرج من الوصاية السعودية حين صمد لأكثر من عقد من العدوان والحصار، وحين هزم تحالفات بحرية في معركة طوفان الأقصى، وهو يساند أهلنا وإخواننا في غزة، وبدأ يفرض سيادته في البر والبحر، مشيراً إلى أن السيطرة اليمنية على الملاحة البحرية أصبحت واقعاً، وأن أي سفينة تعبر المنطقة باتت تتحرك وفق معادلات فرضتها صنعاء.
وينوّه العماد إلى أن كسر الحصار الجوي ليس سوى الخطوة الأولى، وأن دولاً وشركات أبدت استعدادها للتعامل مع اليمن بعد هذا التحول، مشدّداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب التكاتف لإنجاز بقية الاستحقاقات، وفي مقدمتها طرد الاحتلال واستكمال تثبيت السيادة.
مما سبق، يقودنا إلى استنتاج سيناريوهات المواجهة المقبلة التي حددتها صنعاء بكل وضوح، وهي وضع خيار السلام العادل، كأولوية في حال استجابة الطرف الآخر، عبر تنفيذ كل النتائج التي تم التوصل إليها في المفاوضات السابقة، أو عودة المواجهة العسكرية واحتدام الجبهات، وفرض اليمن لحصار بحري وجوي على السعودية، واستهداف بنك الأهداف الاقتصادية فيها، وتدمير مطاراتها، ومنع ملاحتها البحرية، ودحر أدواتها من المحافظات والمناطق المحتلة بمعركة برية لا قبل للعدو وأدواته في توقع حدودها ونتائجها وتوقيت انطلاقها، وسيتمكن اليمن من انتزاع حريته واستقلاله بقوة السلاح، ويضع العدو السعودي أمام خيارات جديدة لم يكن له القبول بها من قبل.
وما حدث في الثالث من يوليو يعد تدشيناً لمرحلة استعادة السيادة اليمنية الكاملة، ووصول معادلة وحدة الساحات إلى اليمن، وبدء مرحلة جديدة من توازن الردع الإقليمي”، تتزامن مع توقيت يحمل رسالة سياسية بأن “محور المقاومة” -رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها- والتشييع لشهدائه القادة، يزداد تماسكاً وتنسيقاً.
