الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي: تحالف السلاح والدم

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
2 يوليو 2026مـ – 17 محرم 1448هـ

تقرير|| يحيى الربيعي

بين الجسر الجوي الذي انتشل الكيان الإسرائيلي من سحق محقق في أكتوبر 1973، والتدفق الهستيري للذخائر الذكية وأطنان القنابل المحرمة دولياً والمستمر منذ أكتوبر 2023 وحتى اللحظة، تتكشف الحقيقة الاستراتيجية التي توثقها التقارير الرسمية الصادرة عن مصلحة أبحاث الكونغرس الأمريكية في أن الولايات المتحدة لم تكن يوماً مجرد حليف سياسي أو راعٍ دبلوماسي، بل هي الفاعل المباشر، والشريك التنفيذي الكامل، واليد المحركة لآلة القتل الصهيونية في المنطقة.

وعلى مدار عقود من الزمن تحولت الترسانة العسكرية الأمريكية إلى شريان الحياة الاستعماري الذي يحمي هذا الكيان الوظيفي من الانكسار الهيكلي التام أمام ضربات المقاومة، وتؤكد الوقائع الميدانية الدامغة أن كل قذيفة هدمت بيتا في غزة، وكل صاروخ استهدف عاصمة إقليمية، وكل رصاصة اغتالت طفلاً في الضفة أو لبنان، هي منتج أمريكي صُنع في مصانع “لوكهيد مارتن” و”بوينغ”، وصُدِّر بضوء أخضر من البيت الأبيض، بتمويل مباشر من أموال الضرائب الأمريكية.

هذا التلازم العضوي الممتد لعقود يثبت أن المعارك الميدانية الدائرة اليوم هي مواجهة مباشرة مع الأمريكي؛ وما يرتكبه الوكيل الصهيوني المأزوم من جرائم إبادة وتهجير قسري وعدوان واسع يتجاوز الحدود، ليس سلوكاً طارئاً لعصابات منفلتة، وإنما عقيدة إجرام مركبة وضعتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتثبيت هيمنتها في المنطقة، عبر تحويل دماء الشعوب ومقدراتها إلى وقود لبقاء ركيزتها المتقدمة”إسرائيل”.

الجذور التاريخية لشراكة التبعية
تاريخياً، وتحديداً من خطوط الدفاع المتهاوية عام 1973 إلى عملية “طوفان الأقصى”، يُصنّف الكيان الصهيوني كأكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، بمبالغ تجاوزت عتبة 300 مليار دولار كدعم اقتصادي وعسكري مباشر. ففي السياق، تكشف وثائق مصلحة أبحاث الكونغرس الأمريكية التحولات الجذرية لهذه العلاقة؛ ففي التاسع من أكتوبر 1973 تلقى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، هنري كيسينجر، رسالة استغاثة عاجلة تفيد بوقوع انهيار دراماتيكي في صفوف قوات “الجيش” الإسرائيلي” إثر خسارته مئات الدبابات والطائرات في الأيام الأولى للمواجهة العسكرية مع الجيش المصري.

هذا التخبط التاريخي شكّل المقدمة لسيناريو مكرر بحذافيره؛ فبعد خمسين عاماً، وإبان ملحمة “طوفان الأقصى”، تلقت واشنطن رسالة استغاثة صهيونية مماثلة لإنقاذ “الجيش” الإسرائيلي من الانكسار الهيكلي الشامل أمام ضربات المقاومة الفلسطينية. لكن فجوة الارتباك الأمريكي تمايزت بين الحقبتين؛ فبينما انتظرت “تل أبيب” عشرة أيام في عام 1973 لتدشين الجسر الجوي الأمريكي، سارعت إدارة جو بايدن في أكتوبر 2023 بالاستجابة الفورية خلال ساعات معدودة، لتهبط أول طائرة شحن عسكرية أمريكية في قاعدة “نيفاتيم” الجوية محملة بأحدث الأسلحة والذخائر الذكية لتعويض الاستنزاف الحاد في مخازن العدو، دون أن يدفع الكيان الصهيوني دولاراً واحداً من ثمن هذا المدد العسكري.

في العام 1962 أقدم الرئيس الأمريكي جون كنيدي على إصدار قرار يقضي بتزويد الكيان الصهيوني بصواريخ “هوك”، ومع تهاوي الخطوط الدفاعية للعدو الإسرائيلي وسقوط أسطورة تفوقه في حرب 1973 بعثت “رئيسة وزراء” الكيان آنذاك، “جولدا مائير”، برسائل إلى واشنطن تطلب نجدة عسكرية لإنقاذ كيانها من الانهيار التام. واستجابة لهذا المأزق الوجودي خصص الكونغرس حزمة طوارئ مالية بلغت مليارين ومئتي مليون دولار، وشحن آلاف الأطنان من العتاد الثقيل الذي انتشل العدو الإسرائيلي من هزيمته الميدانية المحققة، وتحولت هذه المساعدات -بقرار استثنائي من الكونغرس- إلى منحة مجانية لا تُرد، وتكرر هذا التدخل الإنقاذي في ثمانينيات القرن الماضي عندما عانى اقتصاد الكيان من انهيار شامل وتضخم جامح قارب 400%، ما دفع إدارة الرئيس رونالد ريغان إلى تحويل المساعدات العسكرية بالكامل ومنذ ذلك الحين إلى منح مجانية دائمة.

مأسسة تمويل وامتيازات الوكيل الحصري
لتفكيك أبعاد هذا الدعم البنيوي، توثق تقارير المصلحة الأمريكية أنه في عام 1976 شرّعت الولايات المتحدة -بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة- برنامجاً مؤسسياً عُرف بـ “التمويل العسكري الأجنبي” (FMF)، وهو الأداة التنفيذية الأبرز لتقديم المنح العسكرية الممولة مباشرة من الموازنة الفيدرالية للحكومة الأمريكية، أي من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين.

وفي حين تشترط واشنطن على جميع دول العالم إنفاق أموال هذه المنح حصرياً داخل الأسواق والمصانع الأمريكية لدعم قطاع التصنيع العسكري المحلي، حظي الكيان الصهيوني -وحده دون غيره- بامتيازات استثنائية خارقة للقوانين المنظمة، حيث سُمح لـ”تل أبيب” بإنفاق ما يقارب 26.3% من المنحة الأمريكية السنوية داخل الاقتصاد الصهيوني لتطوير مجمعه الصناعي العسكري الخاص بدلاً من إعادتها للمصانع الأمريكية. علاوة على ذلك، مُنح الاحتلال حرية توقيع صفقات تسليح كبرى وطويلة الأجل، مثل شراء مقاتلات F-35 المتطورة، وجدولة دفعاتها المالية على سنوات قادمة اعتماداً على أموال المساعدات المتوقع استلامها مستقبلاً، وهو أسلوب شراء بالآجل بضمانة مباشرة من الحكومة الأمريكية، لا يُمنح لأي حليف آخر على وجه الأرض.

وفي إطار الدعم اللامحدود والشراكة المتجذرة، يقدم تقرير معهد أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) المحدث في مايو 2025 استعراضاً شاملاً لأبعاد الدعم العسكري والمالي الأمريكي المتدفق إلى الكيان الإسرائيلي، مؤكداً أنه يعد المتلقي التراكمي الأكبر للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتكشف البيانات الموثقة أن إجمالي المساعدات الثنائية والتمويل المخصص للدفاع الصاروخي بلغ ما قيمته 174 مليار دولار، في حين تشير تقديرات أخرى معدلة وفقاً للتضخم إلى أن القيمة الإجمالية للمساعدات الملتزم بها منذ عام 1946 وحتى عام 2024 ناهزت 298 مليار دولار.

مذكرات التفوق النوعي.. شيكات مفتوحة
انتقلت صيغة التمويل الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي من النقاشات السنوية المتقلبة داخل أروقة الكونغرس إلى نظام “الاتفاقيات العشرية” المستدامة الملتزمة سياسياً لضمان “التفوق العسكري النوعي” للكيان الصهيوني في المنطقة، وهو مفهوم تم تقنينه وإدراجه رسمياً في القوانين الأمريكية عام 2008 لضمان تفوق منظوماته الدفاعية والهجومية، وموازنة الفجوة السكانية والجغرافية مع الدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة، بالإضافة إلى تجنب الحاجة لعمليات إنقاذ لحظية؛ إذ دُشّنت المذكرة الأولى عام 1999 في عهد بيل كلينتون بقيمة 21.3 مليار دولار، تلتها المذكرة الثانية عام 2009 في عهد باراك أوباما لتصل إلى 30 مليار دولار، وصولاً إلى المذكرة الثالثة الحالية والأكبر تاريخياً والتي تنتهي مفاعيلها عام 2028 والتي تمتد بين عامي 2019 و2028 بقيمة 38 مليار دولار، وتشمل 33 مليار دولار كمنح للتمويل العسكري الخارجي (FMF) و5 مليارات دولار مخصصة للدفاع الصاروخي.

مرحلة ما بعد أكتوبر 2023
وفي سياق متصل، أحدثت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام 2023 وتداعياتها الميدانية في غزة ولبنان، ولاسيما تصاعد وتيرة استنزاف جيش العدو، أحدثت حالة استنفار قصوى تضاعف معها اندفاع المؤسسات الأمريكية في واشنطن لتأمين احتياجات الكيان الإسرائيلي وترميم الترسانة المتهالكة أمام ضربات جبهات المقاومة، حيث سارعت إدارة بايدن فوراً إلى ضخ مساعدات عسكرية عاجلة شملت عشرات الآلاف من الأطنان من الذخائر والأسلحة، وتسيير جسرين ضخمين (جوي وبحري) تَمثلا في إرسال 800 طائرة شحن و140 سفينة وفق ما وثقته “وزارة دفاع” الكيان الإسرائيلي في مايو 2025. كما أقر الكونغرس تمويلاً إضافياً وتكميلياً طارئاً لـ”تل أبيب” بلغ 14.1 مليار دولار بجانب التمويل السنوي الثابت، ليقفز إجمالي الدعم العسكري الأمريكي المباشر الموجه للعدو الإسرائيلي بحلول أكتوبر من عام 2025 ليتجاوز حاجز 21.7 مليار دولار خلال عامين فقط من المواجهة المستمرة.

ولم يقتصر الأمر على الإمداد التقليدي، بل لجأت واشنطن إلى إبرام اتفاقية “تأجير” لبطاريتي قبة حديدية كانت تعود ملكيتهما للجيش الأمريكي، لإعادتها بشكل عاجل للعدو الإسرائيلي بهدف سد العجز الميداني الفوري. وفي أبريل 2024، أقر الكونغرس ميزانية تكميلية طارئة بموجب القانون رقم 118-50، تضمنت 3.5 مليار دولار كتمويل عسكري خارجي، و5.2 مليار دولار مخصصة للدفاع الصاروخي وأنظمة الدفاع بالليزر الجديدة المعروفة باسم “الشعاع الحديدي” (Iron Beam) بواقع 1.2 مليار دولار.

كما وثق التقرير تخصيص تمويلات إضافية في ميزانية عام 2025، جرى توزيعها بقرار من وزارة الدفاع لتشمل 500 مليون دولار للدفاع الصاروخي، و47.5 مليون دولار لبرامج مكافحة الأنفاق، و55 مليون دولار للأنظمة المضادة للطائرات المسيرة.

تجاذبات الداخل الأمريكي وثبات مواقف الكونغرس
تكشف الوثائق عن حجم التجاذبات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وتصاعد حدة الانتقادات والضغوط من قبل بعض المجموعات السياسية والأيديولوجية التي طالبت بإعادة تقييم العلاقات التمويلية، مدفوعة بتزايد الضحايا المدنيين والأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة.

وتجلى هذا الانقسام في محاولات قادها السيناتور بيرني ساندرز وآخرون لفرض شروط على المساعدات أو تمرير قرارات رفض مبيعات الأسلحة (JRDs)، غير أن الأغلبية البرلمانية حافظت على تصويتها المستمر لصالح تمرير المساعدات العسكرية للعدو الإسرائيلي. وفي سياق رصد مواقف الإدارات المتعاقبة، يظهر التقرير تبايناً واضحاً في التكتيكات السياسية؛ حيث حاولت إدارة بايدن استخدام الصلاحيات الطارئة لتمرير بعض الصفقات متجاوزة مراجعة الكونغرس في نهاية 2023.

وبالمقابل، اتخذت إدارة ترامب -فور تسلمها السلطة في أوائل عام 2025- خطوات هجومية مغايرة، حيث ألغت مذكرة (NSM-20) التي أصدرها بايدن لتعليق المساعدات بعد السخط العالمي المتزايد آنذاك، وأفرجت عن شحنات القنابل المجمدة، وأعفت الكيان من قرار تجميد المساعدات الخارجية. كما أعلنت إدارة ترامب “حالة طوارئ” -بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة- لتجاوز المراجعة البرلمانية وتمرير أربع صفقات بقيمة 4 مليارات دولار تشمل جرافات عسكرية من طراز كاتربيلر D9، فضلاً عن المضي في إخطار الكونغرس بصفقات أسلحة ضخمة بلغت قيمتها 8.4 مليار دولار لتشمل حزم ذخائر موجهة بدقة، ومبيعات بنادق آلية لصالح شرطة الكيان.

إدارة حروب الوكيل
تُتوِّج الوثائق الرسمية الصادرة عن مصلحة أبحاث الكونغرس الأمريكية سرديتها بالاستدلال القاطع على حجم التماهي البنيوي المطلق الذي يربط قرار البيت الأبيض بتحركات الكيان الإسرائيلي، ولم تعد الخطابات السياسية الصادرة من واشنطن مجرد غطاء دبلوماسي أو مناورات بروتوكولية، بل تحولت إلى إعلانات تقريرية جازمة تتبنى عقيدة التمويل المفتوح لحروب الكيان، تجسيداً لسياسة ثابتة تتوارثها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بصرف النظر عن تموضعها الحزبي. وفي هذا السياق، يأتي تصريح دونالد ترامب ليكشف -علانيةً- عن طبيعة هذا الالتزام الأمني والعقائدي المشترك؛ إذ أكد: “سأدعم حق “إسرائيل” في الفوز بحربها، ويجب أن يكون لديهم الحق الكامل في تحقيق هذا الانتصار. سوف أمنح “إسرائيل” كل المساعدة التي تحتاجها للفوز، لكني أريدهم أن يحسموا المعركة بسرعة. أليس رائعاً لو تمكنوا من تحقيق الفوز سريعاً؟ يجب أن ندعهم يفوزون بسرعة”.

هذا التعهد المباشر من ترامب، والذي يتجاوز البعد السياسي اللحظي، يميط اللثام عن عمق التخبط والذعر الاستراتيجي لدى الأمريكي، الذي يرى في تآكل قدرات وكيله الصهيوني واستنزافه المستمر تهديداً مباشراً لمشروعه الهيمني في المنطقة، ما يدفعه إلى استعجال الحسم العسكري بأي ثمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الردع المتهاوية أمام ضربات جبهات المقاومة.

صدام الطموح مع صخرة الميدان
وفي ظل هذا المأزق العسكري والاقتصادي غير المسبوق الذي يعصف ببنية الكيان الصهيوني، تؤكد الوثائق ذاتها أنه، وفي محاولة واضحة للالتفاف على ملامح تآكله الداخلي المعترف به في أروقة صنع القرار، يندفع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو نحو خوض مفاوضات حثيثة ومعقدة مع الإدارة الأمريكية لتعديل صيغة مذكرات التفاهم الحالية. ولا تقف طموحات العدو الإسرائيلي عند حدود الدعم السنوي الثابت، بل يسعى بوضوح لتثبيت اتفاقية “عشرينية” غير مسبوقة تمتد مفاعيلها الالتزامية حتى عام 2048 بدلاً من الصيغة العشرية التقليدية، في اعتراف يعكس رعب الكيان وعجزه الهيكلي عن البقاء دون إمداد خارجي مستدام على المدى الطويل.

ذلك أن هذا الاستجداء السياسي لتمديد شريان الحياة الاستعماري يصطدم مباشرة بالحقائق الدامغة التي تفرضها معادلات الميدان وصمود جبهات المقاومة كإطار مرجعي وحيد لصياغة مستقبل المنطقة؛ إذ إن التحولات الاستراتيجية الكبرى التي أحدثتها الضربات المتتالية للمقاومة قد أسقطت تماماً مفاعيل “الشيكات الأمريكية المفتوحة” وغير المشروطة. ولم يعد السؤال اليوم يتمحور حول رغبة واشنطن في الإنقاذ، بل حول قدرة هذا الكيان المتآكل على الصمود أمام إيقاع استنزاف تصاعدي وحتمي يؤكد بشكل قاطع أن عصر الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية اقترب من نهايته البنيوية تحت وطأة ضربات الميدان الثابتة، ونهاية زمن التفوّق الممنهج.