حصاد المياه في ذمار: استراتيجية تنموية لكسر الحصار وتعزيز السيادة الغذائية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يونيو 2026مـ – 5 محرم 1448هـ
تقرير ميداني|| يحيى الربيعي
في خضم المواجهة الاستراتيجية الشاملة ومعارك انتزاع السيادة، لم تعد معادلات الردع حكراً على الساحات والخطوط العسكرية المتقدمة فحسب، بل امتدت لتصوغ موازين قوة جديدة تتجلى في تحصين الجبهة الداخلية وتأمين مقومات الصمود الأسطوري عبر الإدارة الصارمة والمستقلة للموارد الطبيعية. ومن هذا المنطلق الحمائي الجازم، حطمت مشاريع الحصاد المائي في محافظة ذمار أوهام قوى العدوان، وشكلت ضربة استباقية حاسمة أجهضت المخططات الرامية إلى خنق الاقتصاد الوطني، لتبرز “الكرفانات” المائية كخطوط دفاع تنموية متقدمة لتعزيز الأمنين المائي والغذائي؛ حيث لا يقتصر إنجاز عشرات المشاريع المائية الاستراتيجية في الميدان على كونه انتقالاً تكتيكياً مدروساً من مربع الاستهلاك الركيك إلى فضاء الإنتاج والنهوض التنموي الشامل، بل يحمل رسالة سياسية وعسكرية بالغة الدلالة تؤكد أن الحصار الجائر لم يزد الإرادة اليمنية إلا صلابة وابتكاراً للحلول الجذرية المستدامة.
وتأكيداً لرسوخ هذه المعادلات الفاعلة في سياق معركة التحرر والسيادة الوطنية الصلبة، وتجسيداً للموجهات الثورية نحو إحداث قفزة تنموية كبرى، تتحول ثورة مشاريع حصاد مياه الأمطار التي يقودها أبناء محافظة ذمار بعزيمة جهادية إلى جبهات مواجهة استراتيجية بالغة التأثير؛ إذ يثبت واقع الميدان والتقارير الفنية الموثقة أن امتلاك الثروة المائية وحمايتها من الاستنزاف يمثل الركيزة الأساسية والعمود الفقري لكسر الطوق المفروض من قوى الحصار والعدوان، والتي حاولت عبثاً تركيع الشعب اليمني عبر توظيف سلاح التجويع البائس والورقة الاقتصادية كأدوات ضغط لانتزاع تنازلات سياسية فشلت أمام صخرة الوعي والتحرك المجتمعي.
وارتباطاً بهذا المنظور الجهادي الثوري الذي يرفض الاستكانة، تأتي خطط حصاد مياه الأمطار والسيول الجارفة لتحقق تحولاً بنيوياً يقضي بتحويل تدفق الموارد الطبيعية المهدورة إلى رافد تنموي واقتصادي مستدام؛ يغذي زراعة المحاصيل الاستراتيجية والنقدية وفي مقدمتها الحبوب والبقوليات، ليرسم بذلك معالم الطريق الحتمية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وخفض فاتورة الاستيراد المقيتة التي طالما استغلها العدو لفرض التبعية لقراره.
وفي مشهد تكاملي يبرهن على تلاحم الأداء العام والنفير التنموي الشامل، ينكشف واقع الحراك الميداني في المحافظة عن ثورة حصاد مائي منظمة ودقيقة صاغتها عبقرية العمل التشاركي؛ حيث امتزج الزخم الشعبي والمبادرات المجتمعية الواسعة بالجهد المؤسسي الفاعل لمؤسسة بنيان التنموية والجمعيات التعاونية الزراعية، مسنوداً بالدعم اللوجستي الصارم من القطاعات الحكومية والسلطة المحلية، ما أسس لبنية تحتية مائية فائقة الفاعلية تخترق جغرافيا مختلف مديريات ذمار، وتؤسس لنهضة زراعية صلبة لا تقبل التراجع.
مديريات: ذمار، وعنس، وميفعة عنس:
وحيثما تلتقي الإرادة الشعبية بالتخطيط الرسمي، تشق آليات البناء طريقها لإنجاز تسعة كرفانات مائية تتوزع استراتيجياً عبر ثلاث مديريات رئيسية: ذمار، وعنس، وميفعة عنس. تكشف الوثائق الهندسية والميدانية الصادرة عن فرق الإدارة والتنمية المحلية عن حجم إنجاز ضخم تمثل في رفع وإزاحة أكثر من 93,017 متراً مكعباً من الأتربة والصخور. وهي الأرقام التي تعكس في جوهرها السعة التخزينية الإجمالية والمستهدفة لهذه المشاريع، لتشكل احتياطياً استراتيجياً يسهم في قلب موازين الجفاف المفتعل.
وتمتد خارطة الاستفادة لتغطي خمس مناطق رئيسية تتمثل في (هجرة منقذة، المحلة، يفاع ذمار، ذي سحر- عنس، والجرشة بميفعة عنس)، لتؤسس بذلك قاعدة مائية صلبة قادرة على تغذية المخزون الجوفي المباشر، وإنعاش الآبار السطحية والارتوازية والعيون التي سعت تداعيات الأزمة الاقتصادية إلى تجفيفها.
وبالنظر إلى الأبعاد البنيوية والاقتصادية للمنجز، فإن هذه المشاريع المكونة من أحواض سطحية لتجميع مياه السيول والأمطار، تمثل منظومة متكاملة تخدم أبعاداً اقتصادية بالغة الأهمية، حيث تؤكد تقارير التقييم الميداني أن حجز هذه الكميات الهائلة من المياه المهدرة يحولها إلى شريان حياة للأراضي الزراعية المترامية، ما يضمن ديمومة ري المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة الشامية والشعير، فضلاً عن الخضروات والبقوليات والأعلاف. وفي خط موازٍ، تشكل هذه الكرفانات طوق نجاة للثروة الحيوانية، موفرة مصادر شرب مستدامة لقطعان الأغنام والأبقار والماعز.
وإثباتاً لجدوى هذا الخيار التنموي وانعكاساته المباشرة، تشير تحليلات الخبراء في الشأن الزراعي المحلي إلى أن الاستثمار لم يتوقف عند قطرة الماء، بل تعداه إلى توظيف إجمالي الكمية المحفورة البالغة 93 ألف متر مكعب في مسارين متوازيين: استُخدمت التربة الزراعية في استصلاح وتوسيع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المستفيدة لتأمين الاحتياج الغذائي، بينما وُظفت التربة الرملية والحصوية في ردم وتأهيل الطرقات الحيوية المؤدية لتلك المواقع. ورغم عدم حصر المساحات الزراعية المستصلحة برقم إجمالي نهائي في البيانات الأولية، إلا أن التحرك المجتمعي المكثف لترحيل هذه المخلفات وتوظيفها يثبت اتساع دائرة الاستفادة لتشمل أغلب الحيازات المحيطة بالمنشآت.
خارطة الإنجاز التكتيكي في 9 كرفانات
في السياق، كشفت الخطط الفنية والميدانية التي تولى إعدادها وهندستها مهندسون متخصصون عن انبعاث إرادة وطنية لرسم خارطة طريق واضحة المعالم لحفظ السيول من الهدر وتوجيهها مباشرة إلى عمق الدورة الزراعية، لتحقيق انتصار جيولوجي واقتصادي يرسخ صمود المجتمعات الريفية في مواجهة الأزمات.
تتوزع هذه القواعد المائية ضمن نسق مدروس يخدم الجغرافيا الزراعية والتركيبة السكانية للمحافظة، حيث لم تقف العقلية التنموية عند حدود المعالجات السطحية، بل غارت عميقاً في دراسة الطبيعة الطبوغرافية والطبقات الأرضية لتنفيذ منشآت مائية (كرفانات) بمواصفات هندسية دقيقة تضمن أقصى سعة تخزينية ممكنة.
ويتصدر هذا الإنجاز “مشروع كريف الظهر” الواقع في هجرة منقذة بمديرية ذمار، حيث حدد الفريق الهندسي مجرى السيول الطبيعي بدقة فائقة للاستفادة من الرسوبيات الطينية الناعمة المتواجدة على عمق يقل عن 4 أمتار، والوصول عبر الحفريات الموجهة إلى الطبقة الرملية المنفذة المغذية لسوائل المياه العذبة.
وتمخضت هذه الهندسة الميدانية عن تشييد حوض تخزيني عملاق يمتد على مساحة إجمالية تبلغ 2423 متراً مربعاً، وبمحيط يصل إلى 276 متراً، وعمق حفر يبلغ 4 أمتار كاملة، ليتوج هذا الجهد الإنشائي بتأمين سعة استيعابية وتخزينية ضخمة بلغت 9692 متراً مكعباً من المياه المقتطعة من الهدر.
بالموازاة مع هذا البناء وتأكيداً لشمولية الخطط التنفيذية، تجسد جداول الكميات التنفيذية المنبثقة عن الدراسة حجم الاستنفار العملي؛ حيث شمل المشروع تنفيذ أعمال حفريات واسعة لمختلف طبقات التربة وحوض التصفية والمفيض بإجمالي بلغ 10000 متر مكعب مع ترحيل المخلفات بشكل كامل، بالتوازي مع بناء جدران حوض التصفية وقناة الدخول من الأحجار المنتظمة و”المونة” الإسمنتية بنسبة خلط (1:3) وبسماكة 50 سم وبإجمالي حجم بلغ 200 متر مكعب.
ولتوفير أقصى درجات التحصين الإنشائي ضد قوى جرف السيول، تضمن المشروع إنشاء جدران حماية حديدية متطورة من “الجبيونات” المحشوة بالأحجار الصخرية الصلبة والمتراصة دون فراغات بحجم إجمالي قدره 775 متراً مكعباً، توزعت هيكلياً على جدارين ساندين: الأول بطول 176 متراً وعرض متر واحد وارتفاع 1.5 متر، والثاني بطول 170 متراً وعرض 1.5 متر وارتفاع مترين.
كما شمل العمل رصف أرضية حوض التصفية وقناة الدخول بالأحجار والإسمنت بسمك 30 سم على مساحة 250 متراً مربعاً، ورصف أرضية المفيض وقناة الخروج بمساحة 35 متراً مربعاً وبناء جدران جانبية للمفيض بحجم 10 أمتار مكعبة، وتثبيت سياج حماية حجري بارتفاع 60 سم وسماكة 40 سم لمنع السقوط العرضي للماشية والمارة.
وعلى ذات المسار الإستراتيجي، تحركت الجهود التنموية لإنجاز “مشروع كريف السقة” في قرية المحلة بمديرية ذمار، والذي صُمم على هيئة منشأتين مائيتين متكاملتين (كريف 1 وكريف 2).
وفي إطار هذه الرؤية الجيولوجية الموجهة، اختارت اللجان الهندسية هذا الموقع بدقة لتواجد طبقات رملية عالية النفاذية أسفل الرسوبيات الطينية على عمق مترين، ما يتيح التغذية المباشرة لشبكة الآبار الارتوازية المحيطة. وبلغت المساحة الكلية المدمجة للكريفين 3031 متراً مربعاً وبمحيط حاسم يبلغ 424 متراً وعمق حفر يبلغ 4 أمتار، ما وفر قدرة تخزينية تعبوية كبرى بلغت 12124 متراً مكعباً؛ حيث استأثر الكريف الأول بسعة 9232 متراً مكعباً على مساحة 2308 أمتار مربعة وبمحيط 280 متراً، في حين أمن الكريف الثاني سعة قدرها 2892 متراً مكعباً على مساحة 723 متراً مربعاً وبمحيط 144 متراً.
وتتويجاً لهذا التوجه الحمائي والتحصين الفني الفعال، جرى تحصين هذا المركب المائي العملاق بجدران حماية من الجبيونات الصخرية الصلبة امتدت على طول 280 متراً وعرض متر وارتفاع مترين للحوض الأول، وطول 145 متراً وعرض متر وارتفاع 1.5 متر للحوض الثاني، لتمثل سداً منيعاً يحفظ مياه الحق العام ويعيد توجيهها لخدمة الإنتاج الزراعي.
وفي السياق، يشهد التكتل السكاني في منطقتي المحلة ويفاع كثافة استثنائية عبر أربعة كرفانات متعاقبة:
كريفا بير المخازيع (قرية المحلة): الكرفان الأول بمساحة سطح 793 م²، وبعمق 5 أمتار، ومحيط 182م، وبسعة تخزينية 3965 م³، والثاني بمساحة سطح 192 م²، وعمق 4 أمتار، ومحيط 88م، وبسعة تخزينية 768 م³، ويشمل تصميمه قنوات دخول ومفيض لخدمة تجميع المياه.
كريف العصرات (قرية المحلة): مساحة سطح كبيرة تبلغ 1376 م²، بعمق 4 م، ومحيط 172م، وسعة تخزينية 5,504 م³. يحتوي على جدران حماية وقنوات تصريف، ويسهم في تغذية الطبقات الرملية الحاملة للمياه.
كريف يفاع (مديرية ذمار): مساحة سطح 3,254 م²، وعمق 4 أمتار، ومحيط 247م، وبسعة تخزينية 13,016 م³. يتميز بموقعه على مجرى سيول، وتظهر فيه رسوبيات طينية رملية، ما يجعله مناسباً لتغذية الآبار.
وامتداداً لهذا الزخم التكتيكي المتصاعد جغرافياً، وبانتقال المسار التنموي نحو مديرية عنس، تتشكل منظومة مائية متصلة محققة أعلى معدلات الإنجاز التكتيكي في المحافظة بسعة مستحدثة بلغت 28,696 متراً مكعباً، قادرة على تحويل مساحات واسعة إلى مناطق إنتاج زراعي مستدام في:
كريف فجير الطويلة (قرية ذي سحر – عنس): الأكبر سعة بـ 18,676 م³، ومساحة سطح 4669م²، وبعمق 4 أمتار، ومحيط 439م، ويتضمن طبقات حصوية نافذة، ما يعزز تغذية المياه الجوفية.
كريف الفجير الأعلى والأسفل (قرية ذي سحر-عنس): بمساحة سطح 3340 م²، وعمق 3 م، ومحيط 328م، وسعة 10,020 م³، ويضم قناتي دخول ومفيض، ويهدف إلى حماية الماشية من السقوط عبر بناء جدار حوله.
وتكتمل هذه المنظومة الاستراتيجية في مديرية ميفعة عنس، حيث يشكل “كريف المغسال” في قرية الجرشة سداً منيعاً لخدمة المساحات الخضراء، بمساحة سطح 4717 م²، وعمق 4 أمتار، وسعة 18,886 م³. كما يساهم اختيار موقع الكريف في تربة رملية وطمي وصخور متشققة في زيادة نفاذ المياه للمخزون الجوفي.
مديرية جبل الشرق
ومن ذات المنطلق الإستراتيجي، تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن جمعية جبل الشرق التعاونية الزراعية متعددة الأغراض بمحافظة ذمار أن إدارة الموارد المائية تحولت من نشاط خدمي تقليدي للمزارعين والمجتمعات المحلية إلى خطة هجومية منظمة تهدف إلى تعزيز مسار الاكتفاء الذاتي.
وفي هذا الصدد، يكشف المدير التنفيذي للجمعية، المهندس رمزي الجنادي، عن نقلة تكتيكية نوعية تمثلت في إطلاق وتنفيذ مشاريع إنشاء الكرفانات، والأحواض التجميعية، ومصدات السيول في مديرية جبل الشرق. مشيراً إلى أن هذه التحركات الميدانية الموجهة تأتي في مسار الاستجابة الحتمية والمدروسة لمعالجة تراجع منسوب المياه الجوفية في الآبار المحلية، والحد من الهدر المائي الناتج عن التدفق العشوائي للسيول، مما يرسخ الرؤية التنموية التي تنطلق من مبدأ الاعتماد على الذات وتعبئة الطاقات المجتمعية لتحقيق الاستدامة المائية والزراعية الشاملة.
وحيث يترجم العمل الميداني الرؤى النظرية، يتجاوز العمل التنموي في مديرية جبل الشرق حدود الشعارات الإنشائية ليترجم على أرض الواقع بأرقام وإنجازات هندسية دقيقة؛ حيث أثمرت الجهود المشتركة بين السلطة المحلية والجمعية الزراعية، وبدعم مباشر ومحوري من وحدة التدخلات المركزية التنموية بوزارة الإدارة والتنمية المحلية والريفية عبر توفير مادة الديزل، عن إنجاز أربعة كرفانات مائية مخصصة لحصاد مياه الأمطار، بالإضافة إلى مصدّين مائيين لحماية التربة خلال شهر جمادى الأولى وحده. وتوزعت هذه المشاريع جغرافياً وميدانياً على امتداد جغرافيا الأودية الحيوية بالمديرية لتدشن مرحلة جديدة من هندسة الأرض وتوجيه المقدرات الطبيعية.
وقد وثقت السجلات الميدانية للجمعية انطلاق هذه الملحمة التنموية في الخامس من جمادى الأولى 1447هـ، بإنشاء كرفان وادي زاح في منطقة “الحميطة” بطول بلغ 15 متراً وعرض 10 أمتار وعمق 3 أمتار، مستهلكاً 170 لتراً من الديزل ليوفر سعة تخزينية تتراوح بين 300 و700 متر مكعب، وهو ما انعكس مباشرة في تعزيز القدرة المائية لأربعين مزارعاً في المنطقة.
ولم يتوقف الاندفاع التنموي عند هذا الحد، فقد تلاه إنشاء كرفان ثانٍ في الموقع نفسه (الحميطة – زاحه) بأبعاد أكبر بلغت 17 متراً طولاً و10 أمتار عرضاً وعمق 4 أمتار، وبسعة استيعابية تراوحت بين 300 و800 متر مكعب، حيث جرى تخصيص 200 لتر من الديزل لإنجازه، ليمد خمسين مزارعاً بشريان حياة مائي جديد يضمن لهم الصمود والإنتاج.
وللهدف والغاية ذاتهما، تحولت الآليات والمعدات صوب منطقة الجميحة بوادي زاحه مستهلكاً 150 لتراً من الديزل لإنشاء كرفان ثالث بطول 13 متراً وعرض 12 متراً وعمق 4 أمتار وبسعة تخزينية تتراوح بين 300 و700 متر مكعب، وتخدم ثلاثين مزارعاً من رواد الإنتاج الزراعي.
وفي منطقة الحميطة، تمكنت وحدة المعدات بـ “60” لتراً من الديزل من إنشاء كرفان وادي زاحه العليا بطول 10 أمتار وعرض 8 أمتار وعمق 3 أمتار، بهدف رفع منسوب الطاقة التخزينية للمنطقة لإفادة عشرين مزارعاً بصورة مباشرة.
وبالموازاة مع خطوط الحصاد المائي، فرضت استراتيجية حماية التربة الأرضية نفسها كأولوية قصوى؛ إذ تم تنفيذ مشروعي مصدات مائية بالغة الأهمية للحفاظ على الأراضي الزراعية من الانجراف المدمر بالسيول، حيث نفذت المعدات، وباستهلاك قدره 150 لتراً من الديزل، مصداً مائياً في الجميحة بوادي زاحه بلغ طوله 30 متراً وعرضه 6 أمتار وعمقه مترين، بهدف حماية حقول ستين مزارعاً من التعرض للانجراف. واستكملت المعدات، بـ “100” لتر من الديزل، إنشاء مصد مائي آخر في منطقة الحميطة بوادي زاحه بطول 17 متراً وعرض 4 أمتار وعمق مترين، ويهدف المصد إلى توفير الحماية التامة لأراضي خمسين مزارعاً، ويقطع الطريق أمام عوامل التعرية وانجراف التربة.
مديرية المنار
وعلى ذات المسار من جبهة البناء والتنمية وتعزيز مسارات عجلة الإنتاج المحلية، تؤكد القيادة التنموية لمديرية المنار بمحافظة ذمار أن استرداد قرار السيادة الغذائية يرتبط ارتباطاً حتمياً بامتلاك الثروة المائية وإدارتها بطرق علمية وتقنيات تمنع حدوث حالات الهدر والاستنزاف. وانطلاقاً من الرؤية الاستراتيجية التي تؤكد أن الزراعة هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني -وفي مقدمتها إنتاج القمح- لانتزاع الحرية والعيش بكرامة، تحركت السواعد المحلية لترجمة هذا المنظور على أرض الواقع.
وربطاً للخطط بالتقارير التنموية الموثقة، يكشف التقرير التنموي الرسمي الصادر برقم (18920) وتاريخ 20 شوال 1447هـ (الموافق 8 أبريل 2026م) – والمعد من قِبل مدير إدارة المعلومات والإحصاء والتوثيق بمديرية المنار، محمد محسن جعران، ومدير عام المديرية رئيس المجلس المحلي، منير مهدي يحيى الحسني – عن ملحمة تنموية متكاملة جرى تنفيذها خلال شهري شعبان ورمضان لعام 1447هـ، وتأتي هذه التحركات الميدانية المكثفة كاستجابة فورية وحاسمة لمعالجة الانخفاض المستمر في منسوب المياه الجوفية، ووقف الهدر العشوائي لمياه الأمطار والسيول، وتحويلها من تحدٍّ يهدد التربة بالانجراف إلى شريان حياة استراتيجي يدعم المزارع اليمني في خوض معركة الإنتاج والاكتفاء الذاتي المستدام.
وعلى أساس هذه الخطط الإجرائية الدقيقة، تجسدت خطة حصاد المياه الجوفية في مديرية المنار في خارطة إنجاز هندسية صارمة شهدت إنشاء كرفانين مائيين، وبحيرة استراتيجية كبرى، ومصدات مائية مخصصة لحماية التربة وتجميع السيول في مواقع آمنة.
وتوزعت هذه المشاريع الحيوية على ثلاثة قطاعات جغرافية أساسية بالمديرية وهي: المساوي، والمعس، ووادي الصيد؛ حيث تلاحمت جهود أبناء المديرية بجهود السلطة المحلية مع ما قدمته الهيئة العامة للزكاة من دعم، حيث أسهمت كشريك محوري في تأمين متطلبات التحرك التشغيلي، بتمويل المشروع بمادة الديزل.
وبتدفق العطاء التنموي في الميدان عبر جدول زمني دقيق وثقته البيانات الرسمية كان الإنجاز؛ ففي العاشر من شهر شعبان 1447هـ، دُشن العمل بـ”60 ” لتراً من الديزل في سائلة المعس (وادي المجن المعس) بإنشاء مصدات مائية بطول 20 متراً وعرض 10 أمتار وعمق 3 أمتار، لتأمين طاقة استيعابية تتراوح بين 100 و200 متر مكعب، كخطوة إجرائية أولى لحماية حقول المزارعين.
وفي السابع عشر من الشهر ذاته، تصاعدت وتيرة العمل في الموقع نفسه حيث جرى تخصيص 300 لتر من الديزل، وذلك لإنجاز إنشاء كرفان مائي ومصد ضخم بلغ طوله 180 متراً وعرضه 65 متراً وعمقه 5 أمتار، وتبلغ القدرة التخزينية للحوض ما بين 200 و400 متر مكعب، ليسهم مباشرة في تأمين مياه الري لخمسمائة مزارع.
ومع حلول شهر رمضان المبارك، انتقل الاندفاع التنموي نحو آفاق أكثر اتساعاً واستراتيجية؛ حيث شهدت سائلة المساوي (وادي المجن المساوي) في الخامس عشر من رمضان 1447هـ، وباستهلاك 4000 لتر من الديزل، إنشاءَ منشأة مائية عملاقة تمثلت في “بحيرة المساوي” بطول هندسي حاسم بلغ 400 متر، وعرض 250 متراً، وعمق تخزيني يصل إلى 12 متراً.
هذا الإنجاز الاستثنائي نجح في إيجاد سعة حوض تخزينية واسعة تتراوح بين 400 و900 متر مكعب بما من شأنه إحداث تحول جذري في الواقع الزراعي لألف مزارع في المنطقة.
وبحلول العشرين من رمضان، وبتكلفة لم تتجاوز قيمة 200 لتر من الديزل، توجت خطة الحصاد في وادي الصيد بإنشاء كرفان ومصد مائي بطول 50 متراً وعرض 30 متراً وعمق 5 أمتار، بسعة استيعابية تتراوح بين 400 و900 متر مكعب، ويمد مائة مزارع بمصادر ري مستدامة ومأمونة.
قاع جهران
ومن ذات ميدان الفعل الثوري، أكد رئيس جمعية قاع جهران التعاونية الزراعية، محمد عبدربه مشلي، أن التدخلات المدروسة والمنشآت المائية تمكنت من لجم الاندفاعات التي كانت تشكل في السابق أداة جرف للأراضي الزراعية ومصدر تهديد مباشر للمحاصيل، ما أدى مباشرة إلى الحفاظ على التربة من الانجراف وحماية المحاصيل من الغرق، بالتزامن مع تدوير هذه المياه وتوجيهها لتغذية المخزون الجوفي للآبار العابرة والمستدامة.
وإسناداً لهذه الرؤية القيادية وتوثيقاً لخطوط الميدان، كشفت البيانات الرسمية والتقارير الميدانية الصادرة عن جمعية قاع جهران التعاونية الزراعية متعددة الأغراض عن تفاصيل هندسية لثلاثة نماذج من مجموع ما يجري إنجازه من عشرات الكرفانات، والتي تعكس حجم الإنجاز الفعلي على الأرض؛ حيث حققت كرفانة قعوان رقم 1 نسبة إنجاز متقدمة بلغت 85%، ويمتد هذا المنشأ المائي على طول 83 متراً وعرض 16 متراً، وبعمق يصل إلى 6 أمتار ، بمساحة إجمالية تبلغ 1328 متراً مربعاً وسعة استيعابية تصل إلى 7968 متراً مكعباً، ستسهم بشكل مباشر في تأمين الاحتياجات المائية لـ 600 مزارع وتغذية 30 هكتاراً من الأراضي الزراعية و100 بئر جوفية.
وبالتوازي مع هذا الإنجاز، تبرز كرفانة قعوان رقم 2 لتؤكد استمرارية الزخم الميداني بنسبة إنجاز بلغت هي الأخرى 85%، وجاءت بطول 60 متراً وعرض 12.5 متراً وعمق 5 أمتار، مسجلة مساحة تبلغ 750 متراً مربعاً وبسعة احتجازية تبلغ 3750 متراً مكعباً، لتقدم الخدمات الحيوية لسابقتها لـ 600 مزارع، وتدعم الاستقرار المائي لـ 30 هكتاراً من الأراضي الزراعية و100 بئر جوفية في منطقتها.
ولم تتوقف عجلة البناء عند هذا الحد، بل توجت بكرفانة بني فلاح العلو التي تجاوزت نسبة إنجازها 87%، ممتدة على طول 85 متراً وعرض 61 متراً وبعمق نوعي يبلغ 10 أمتار، محققة مساحة واسعة تبلغ 5185 متراً مربعاً وسعة تخزينية بلغت 51850 متراً مكعباً، لتغذي مباشرة 10 هكتارات من الأراضي الزراعية و50 بئراً جوفية، وتخدم 500 مزارع من أبناء المنطقة.
الوعي المجتمعي وحصاد عوائد الاستدامة
هذه الشبكة المترابطة من المشاريع لم تُنجز بمعزل عن الحاضنة الشعبية، بل تلاحمت فيها الجهود الرسمية مع المبادرات المجتمعية الميدانية. لقد أثبت المجتمع المحلي وعياً متقدماً بمتطلبات المرحلة من خلال مشاركته الفاعلة في ترحيل مخلفات الأتربة وتوزيعها واستصلاح الأراضي الزراعية بها. إن كل متر مكعب يُنجز وكل قطرة ماء تُحفظ في هذه الكرفانات تعد رصاصة في صدر الحصار، وخطوة ثابتة نحو إرساء دعائم السيادة الغذائية المطلقة وكسر شوكة الحرب الاقتصادية المفروضة.
وتثبت البيانات الهندسية الموثقة والمؤيدة بتفاعلات الواقع أن هذه المشاريع المائية لا تقف عند حدود توفير المياه، بل تُحدث ارتداداتٍ تنمويةً واقتصادية شاملة تقوض مرتكزات التبعية الغذائية، وتدعم جبهة الصمود الداخلي. وتتجلى الآثار المباشرة لهذه الكرفانات الاستراتيجية في توفير مصادر ري دائمة ومستدامة لقطاع واسع من القرى المستفيدة وفي مقدمتها هجرة منقذة وقرية المحلة والقرى المجاورة لها، مما يرفع كفاءة وإنتاجية الأراضي الزراعية المخصصة لإنتاج القمح، والشعير، والذرة الشامية، والبقوليات، والخضروات، والأعلاف، فضلاً عن تأمين ري قطعان الماشية من الأبقار والأغنام والماعز التي تمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الريفي.
وعلى الصعيد البيئي والجيولوجي، تؤدي هذه المنشآت إلى رفع منسوب المياه السطحية والجوفية في الآبار والعيون والغيول المحيطة على الارتفاع التلقائي نتيجة التغذية المستمرة للمخزون الجوفي، وهو ما يترتب عليه حتماً تقليل أعماق الضخ، وخفض كلفة السقي والمحروقات الباهظة على كاهل المزارعين، وحماية التربة من الانجرافات المدمرة أثناء مواسم التدفق العنيف للسيول.
ولضمان ديمومة هذه الانتصارات التنموية وحمايتها من المعوقات الطبيعية، وضعت الإدارة الهندسية محددات وقائية صارمة وضوابط ملزمة تفرض تفعيل برامج التنظيف الدوري والشامل للرسوبيات الطينية بعد كل موسم أمطار للحفاظ على السعة التخزينية المصممة، وتأكيد إلزامية الحصول على تنازلات خطية معمدة من مالكي الأراضي لضمان استقرار المشاريع، مع وجوب إنشاء قنوات الدخول وأحواض التصفية الدقيقة لضمان نقاء المياه وحماية المنشأ الإنشائي.
خلاصة القول: إن استمرار التوسع في هذه الخطط الهندسية يمثل الرد العملي والمسار الأقوم لتعزيز الأمن المائي الشامل، وتحويل المقدرات الطبيعية إلى عناصر قوة حاسمة في معركة التغيير والبناء، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
