من أوهام إسقاط طهران إلى الرضوخ لشروطها.. اتفاق باكستان يُسقط الهيمنة الأمريكية في المنطقة
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
18 يونيو 2026مـ – 4 محرم 1448هـ
تقرير || محمد ناصر حتروش
أفرزت جولة المواجهة العسكرية الأخيرة بين المحور الأمريكي الصهيوني والجمهورية الإسلامية الإيرانية تحولات نوعية وهامة على مستوى المنطقة، جاءت نتائجها على النقيض تماماً من الحسابات والتقديرات الغربية المعلنة.
فبالرغم من التفوق التكنولوجي والعسكري، عـجزت القوة المشتركة لواشنطن والكيان عن تحقيق أهدافها الحيوية المتمثلة في تفكيك قدرات طهران أو دفعها للتخلي عن محور المقاومة وتفكيك وحدة الساحات.
وبدلاً من فرض واقع ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، يكشف الميدان العسكري عن تآكل ملحوظ في منظومة الردع الأمريكية، وتحول قواعدها في المنطقة إلى نقاط استنزاف مكشوفة، مما أجبر الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف على الرضوخ لمعادلات توازن قوى جديدة صاغتها طهران بثباتها العسكري والدبلوماسي.
وفي السياق، يؤكد الخبير العسكري مجيب شمسان أن نتائج العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية جاءت على خلاف كامل لما أُعلن من أهداف منذ بداية الحرب.
ويقول في حديثه لقناة المسيرة: “مجريات المواجهة كشفت فشلاً واضحاً في تحقيق الرهانات التي وضعتها واشنطن والكيان، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وتدمير البرنامج النووي، وإنهاء القدرات الصاروخية، وتفكيك محور المقاومة”.
ويوضح شمسان أن العدوان الأمريكي على طهران لم يسهم في إضعافها بحسب ما تمناه المعتدون، وإنما أفضى إلى أن الجمهورية الإسلامية في إيران باتت قوة عظمى تفرض موازينها على مستوى المنطقة، مؤكداً أن إيران ما زالت أكثر حضوراً وثباتاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، مع تعزيز قدرتها على التأثير في المعادلات الاستراتيجية للمنطقة، لا سيما ما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز.
ويشير إلى أن المواجهة أسفرت عن استنزاف في القدرات العسكرية الأمريكية، وألحقت أضراراً بعدد من القواعد والمنظومات الدفاعية المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى تداعيات اقتصادية شملت ارتفاع أسعار النفط وتأثيرات مباشرة على الأسواق العالمية.
ويلفت إلى ما تم تداوله إعلامياً بشأن مسودة اتفاق تتضمن بنوداً لوقف شامل وفوري للعمليات العسكرية بين الأطراف وحلفائها، خاصة في لبنان، مع التزام متبادل بوقف التهديدات واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إضافة إلى تحديد سقف زمني للمفاوضات لا يتجاوز ستين يوماً قابلة للتمديد، والانتقال لاحقاً إلى اتفاق نهائي.
ويتجلى انتصار إيران من خلال بنود الاتفاق المعلن، والتي كشفت عنها وكالة إيرنا الإخبارية، إذ تضمنت مسودة الاتفاق بنوداً تتعلق بإنهاء الحصار البحري على إيران، وإعادة حركة الملاحة خلال فترة زمنية محددة، وسحب القوات الأمريكية من بعض مناطق الانتشار بعد التوصل إلى اتفاق نهائي، مقابل التزام إيراني بضمان انسياب حركة السفن التجارية في الخليج وبحر عمان، وإزالة العوائق التي تعيق الملاحة في هرمز.
وفي الجانب الاقتصادي، تؤكد قيادات رفيعة في طهران التزام العدو الأمريكي برفع العقوبات المفروضة على طهران، وإلغاء القيود على صادرات النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن الأصول والأموال المجمدة، فضلاً عن استحداث آلية رقابة دولية لتنفيذ الاتفاق ومنحه غطاءً أممياً عبر مجلس الأمن، أضف إلى ذلك الالتزام الأمريكي بدفع التعويضات جراء اعتدائه على إيران.
وحول هذا الشأن، يرى شمسان أن هذه البنود تعكس تحولاً في الموقف الأمريكي، بعد انتقاله من سقف أهداف الحرب المعلنة إلى قبول ترتيبات تفاوضية تأخذ جزءاً كبيراً من الطرح الإيراني، موضحاً أن تلك البنود تثبت فشل واشنطن في تحقيق أهدافها العسكرية التي انطلقت بها الحرب، مقابل صعود الوزن الاستراتيجي الإيراني في المنطقة.
ويذهب إلى أن التطورات العسكرية خلال العدوان الأخير على إيران أظهرت عجزاً غربياً في تحقيق التفوق الميداني، حيث تعرضت القواعد الأمريكية في المنطقة لضغوط واستهدافات أثبتت محدودية قدرتها الدفاعية، وتحولها من عناصر قوة إلى نقاط استنزاف، ما أعاد طرح تساؤلات حول جدوى الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.
ووفق شمسان، فإن الولايات المتحدة انتقلت بعد تعثرها العسكري إلى أدوات أخرى تشمل الحرب الإعلامية ومحاولات التأثير على الداخل الإيراني، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق أهدافها نتيجة التماسك الداخلي الإيراني والتفاف الشارع حول القيادة والمؤسسات العسكرية.
ويضيف: “من أبرز مؤشرات التحول أيضاً انتقال النقاش من الملف النووي إلى ملفات استراتيجية أخرى مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز، ما يعكس اتساع نطاق التأثير الإيراني في المعادلات الدولية”.
وفي قراءته للسيناريوهات المقبلة، يرجح الخبير العسكري شمسان أن تبقى احتمالات التصعيد قائمة، نظراً لاستمرار جذور الصراع بين مشروعين متقابلين في المنطقة، أحدهما يسعى لإعادة تشكيل ما يسمى بالشرق الأوسط وفق رؤية صهيونية مدعومة أمريكياً، والآخر يتمثل في محور مقاوم يرفض هذا المسار.
ويخلص إلى أن المرحلة الحالية تمثل حالة إعادة تموضع وشراء وقت، أكثر من كونها نهاية للصراع، محذراً من أن التفاهمات القائمة قد تكون مؤقتة وقابلة للتراجع في أي لحظة، في ظل استمرار التناقضات الجوهرية وعدم استقرار البيئة السياسية والأمنية في المنطقة.
