مصادر خليجية تكشف “زلزالاً جيوسياسياً”.. الردع الإيراني يقود المزاج الإقليمي نحو طهران والنفور من واشنطن

5

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
16 يونيو 2026مـ – 1 محرم 1448هـ

تشهد المنطقة تحولاً استراتيجياً هو الأعمق منذ عقود، حيث تتفكك المنظومة الأمنية الهشة التي صاغتها الولايات المتحدة عقب حرب الخليج الثانية، لتخلي مكانها لترتيبات إقليمية جديدة فرضتها قوة الردع الإيرانية.

وتحدثت تقارير دولية عن توجهات جديدة لدول الخليج بعيداً عن الأوهام التي سوّقتها الولايات المتحدة طيلة عقود طويلة، مما يجعل هذا التحول واقعاً على الأرض ليتردد صداه في كبريات وكالات الأنباء العالمية كـ”رويترز”، وصحف السياسة الدولية في واشنطن، والتي أجمعت في تقاريرها الأخيرة على أن جولات الصراع الأخيرة قد كشفت بشكل جلي عن “حدود القوة الأمريكية” في مقابل “الصمود الإيراني” المستند إلى شبكة تحالفات إقليمية ممتدة ومتماسكة.

هذا الفارق بين تراجع الفعالية الأمريكية وتصاعد القدرة الهجومية والدفاعية للمحور، أحدث هزة ارتدادية في وعي الأنظمة السياسية بالمنطقة، دافعاً إياها إلى مراجعة شاملة لخياراتها التحالفية.

وفي السياق، أكدت وكالة رويترز في تقرير حديث لها أن “المواجهات الإقليمية الأخيرة أظهرت حدود قوة الولايات المتحدة، وصمود إيران”، لافتةً إلى أن “دول الخليج تُركت لتتحمل تبعات الحرب”.

وأمام الواقع الذي تطرقت إليه الوكالة العالمية بشأن دول الخليج، لا سيما مع التصريحات المستفزة لنائب الرئيس الأمريكي “دي فانس” التي قال فيها إن دول الخليج ستدفع 300 مليار دولار لتعويض إيران، باتت مؤشرات تلوح في الأفق، وتشير إلى أن الدول الخليجية بصدد تغيير مسار تحالفاتها مع الولايات المتحدة.

وهنا أكدت مصادر خليجية أن “الاتفاق قد بدأ بالفعل في إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي الخليجي مما يؤدي إلى تآكل الثقة في الحماية الأمريكية”.

وقالت المصادر الخليجية إن “الاتفاق يرسخ إيران كقوة إقليمية دائمة، ويسرع التحول نحو التوافق بدلاً من المواجهة”.

وبهذه التصريحات التي تعتبر هي الأولى من نوعها، تؤكد أن البنية التحالفية السابقة التي كانت قائمة على معادلة “النفط مقابل أكذوبة الأمن والحماية”، وهي المظلة التي اعتقدت عواصم المنطقة أنها غير قابلة للخرق، قد نُسفت تماماً.

الفترات الأخيرة شهدت سلسلة من الصفعات العسكرية والسياسية التي تلقتها واشنطن؛ فمن العجز عن حماية القواعد واستعادة النفوذ في مياه الخليج، إلى الانكفاء الدبلوماسي الأمريكي عن خوض مواجهات مباشرة جديدة، لتكون هذه هي النتيجة التي وصفتها المصادر بـ”تآكل الثقة في الحماية الأمريكية”، حيث تولدت قناعة لدى العواصم الخليجية بأن الاعتماد المطلق على واشنطن بات يمثل مخاطرة استراتيجية.

هذا الإدراك لقصور المظلة الأمريكية سرّع من عملية إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي في المنطقة، ودفعه نحو تحول جذري يتجاوز التكتيك المؤقت إلى التموضع الدائم، فبدلاً من استمرار الرهان على مشاريع العزل والاحتواء الإقليمي التي روجت لها واشنطن عقوداً، فرضت إيران نفسها كقوة إقليمية ثابتة ومحورية لا يمكن القفز فوق مصالحها أو تحييد دورها في معادلات الأمن الإقليمي.

هذا الاعتراف بالواقع الجديد تجسد في تسارع خطى المسارات الدبلوماسية، والتحول من لغة المواجهة والتحشيد العسكري إلى تبني سياسات التوافق وتصفير الأزمات البينية التي كانت نتاج التعبئة الصهيوأمريكية التآمرية، فالأنظمة التي كانت تتحرك في الفلك الأمريكي أدركت أن كلفة الانخراط في جبهة صدام دائمة ضد طهران ومحور الجهاد والمقاومة أصبحت باهظة جداً ولا تخدم استقرارها الداخلي أو مشاريعها التنموية، فضلاً عن أن استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة بالشكل السابق، بات خطاً مدمراً تدركه دول الخليج.

وبهذه المعطيات، فإن المشهد الإقليمي الجديد يعيد تعريف مفهوم السيادة الإقليمية؛ فالصفعات التي تعرضت لها الهيمنة الأمريكية تجاوزت نسف تفوقها العسكري إلى إسقاط قدرتها على فرض الشروط وإدارة الأزمات من طرف واحد، وفي مقابل هذا الانكفاء، نجحت طهران في تثبيت معادلة ردع متعددة الجبهات، جعلت من أي مغامرة عسكرية ضدها وصفة لزعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

وبناءً على هذه القواعد الجديدة، تتجه عواصم المنطقة نحو الانفتاح على خيارات استراتيجية متعددة الأقطاب، والبحث عن صيغ أمنية جماعية تنطلق من الداخل، بعد أن أثبتت التجربة أن الحليف الأمريكي يرحل أو يتراجع عندما تتضارب مصالحه الحيوية مع مصالح الكيان الصهيوني، وأن الاستقرار المستدام يصنعه الاعتراف بموازين القوى الحقيقية على الأرض، لا الارتهان للطرف الأمريكي الهش.