حرب الاستنزاف الجيوسياسية.. كيف هوى الردع الإيراني بالاقتصاد الأمريكي وأجبر واشنطن على التهدئة؟
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
15 يونيو 2026مـ – 29 ذو الحجة 1447هـ
في الوقت الذي راهنت فيه الولايات المتحدة على توظيف القوة العسكرية والضغوط السياسية لفرض معادلات جديدة في المنطقة، كشفت التطورات الأخيرة حجم الهشاشة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي أمام التحولات الجيوسياسية الكبرى.
ومع تصاعد تأثير معادلات الردع الجديدة في المنطقة، برزت الممرات البحرية وطرق الطاقة كعوامل حاسمة في إعادة رسم موازين القوة الاقتصادية، وأظهرت الأحداث أن أي اضطراب في حركة الطاقة العالمية ينعكس سريعاً على الأسواق الأمريكية، سواء عبر ارتفاع تكاليف التمويل، أو زيادة معدلات التضخم، أو تفاقم أعباء الدين العام.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد المؤشرات على أن الضغوط الاقتصادية أصبحت أحد أبرز العوامل الدافعة التي أجبرت واشنطن على الاتجاه نحو البحث عن تفاهمات سياسية توقف حالة الاستنزاف المستمرة، بعدما تحولت كلفة المواجهة إلى عبء ثقيل على الاقتصاد الأمريكي ومؤسساته المالية وأسواقه الاستهلاكية.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عماد عكوش أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية أدت إلى تفاقم أزماتها الاقتصادية، مشيراً إلى أن العجز في الموازنة بلغ نحو 1.8 تريليون دولار، فيما ارتفعت خدمة الدين نتيجة زيادة علاوة المخاطر المرتبطة بالأحداث الجيوسياسية في المنطقة.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يؤكد عكوش أن معدلات التضخم وصلت إلى نحو 4.2%، وهو مستوى مرتفع بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، ما عرقل خطط خفض أسعار الفائدة، وأدى إلى استمرار ارتفاع كلفة خدمة الدين العام وتوسّع العجز المالي.
ويشير إلى أن استمرار هذا الوضع يهدد الاقتصاد الأمريكي بمخاطر الركود التضخمي، لافتاً إلى أن البنك الفيدرالي يواجه معضلة حقيقية في التعامل مع أسعار الفائدة وتأثيراتها على الدين العام، خاصة بعد رفع سقف الدين إلى 41.1 تريليون دولار في يوليو 2025، مع توقعات ببلوغه السقف المحدد خلال الأشهر الأولى من عام 2027، أو قبل ذلك إذا استمرت الأزمة الحالية.
ويبيّن عكوش أن المخاوف من استمرار التضخم وتضخم الدين العام دفعت الولايات المتحدة إلى الإسراع في إنجاز اتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتجنب تداعيات اقتصادية أكثر خطورة.
وفي ما يتعلق بأهداف واشنطن من حروبها الخارجية، يشدّد عكوش على أن الولايات المتحدة كانت تسعى إلى وضع اليد على مصادر الطاقة في دول تمتلك احتياطيات ضخمة مثل فنزويلا وإيران؛ بهدف تأمين بدائل لمخزونها النفطي الذي يقدّر بنحو 83 مليار برميل، والذي قد ينفد خلال نحو سبعة عشر عاماً وفق معدلات الإنتاج الحالية.
ويضيف أن واشنطن كانت تهدف أيضاً إلى التحكم بأسعار الطاقة والتأثير على الاقتصادات المنافسة، ولا سيما الاقتصاد الصيني، عبر التحكم بإمدادات الطاقة وأسعارها، إلا أن فشلها في تحقيق أهدافها تجاه إيران وضعها أمام تحديات اقتصادية متزايدة.
وفي ختام مداخلته، يؤكد الخبير في الشؤون الاقتصادية، الدكتور عماد عكوش، أن الولايات المتحدة تواجه كذلك تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة خدمة الدين، إضافة إلى مشكلات ديمغرافية ناجمة عن تراجع التقديمات الاجتماعية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو السكاني، وزيادة الأعباء على الشركات الأمريكية عبر ارتفاع الكلفة وتراجع الاستهلاك.
من جانبه، يعتبر الباحث الاقتصادي سليم الجعدبي أن التقارير الرسمية الصادرة عن البنك الفيدرالي الأمريكي أظهرت هشاشة الاقتصاد الأمريكي وسرعة تأثره بالحصار على مضيق هرمز، خلافاً للتصريحات التي حاولت التقليل من أهمية المضيق بالنسبة للولايات المتحدة.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يلفت الجعدبي إلى أن الدين الأمريكي تجاوز 39 تريليوناً و220 مليار دولار، موضحاً أن فترة الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية دفعت واشنطن إلى زيادة الاقتراض وإصدار سندات بفوائد مرتفعة، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام بأكثر من 500 مليار دولار، بالتوازي مع زيادة أعباء الفوائد المستحقة على هذا الدين.
ويوضح أن الشعب الأمريكي تكبد خسائر مباشرة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر البنزين والديزل إلى أكثر من 4.5 دولارات للجالون بعد أن كان في حدود 2.5 دولار، مشيراً إلى أن استهلاك الولايات المتحدة اليومي البالغ نحو 623 مليون جالون من البنزين والديزل أدى إلى خسائر تراكمية تجاوزت 132 مليار دولار خلال أكثر من 106 أيام.
ويشير إلى أن الأزمة انعكست على مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها القطاع الصناعي والقطاعات الحيوية الأخرى.
ويبين الجعدبي أن ارتفاع حالات الإفلاس وحبس الرهن العقاري يعكس الضغوط التي يتعرض لها القطاع الخاص الأمريكي نتيجة الضرائب والرسوم المفروضة لتمويل الحروب، إلى جانب الاعتماد على الطباعة المفرطة للدولار والاقتراض المستمر.
ويؤكد أن الكتلة النقدية الأمريكية ارتفعت من 22.2 تريليون دولار إلى 23.2 تريليون دولار خلال أشهر قليلة، ما يعني طباعة أكثر من تريليون دولار خلال فترة الحرب، في حين ارتفعت الفوائد المستحقة على الدين إلى نحو 1.8 تريليون دولار.
ويتطرق إلى أن التزامات الولايات المتحدة أصبحت تفوق قيمة ثرواتها وأصولها، موضحاً أن نصيب كل مواطن أمريكي من الدين الحكومي بلغ نحو 114 ألف دولار.
كما يؤكد أن الحصار على مضيق هرمز لم يقتصر تأثيره على النفط فقط، بل طال التجارة الأمريكية بشكل أوسع، في ظل اعتماد الولايات المتحدة على الواردات وعجزها التجاري الكبير، ومن ذلك العجز مع الصين الذي تجاوز 120 مليار دولار.
وفي معرض حديثه عن إدارة الأزمة، ينوّه الجعدبي إلى أن الإدارة الأمريكية تعتمد بشكل كبير على الحرب الإعلامية والنفسية للتقليل من حجم التداعيات الاقتصادية، مشيراً إلى أن تقلب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعكس حجم الضغوط التي تواجهها واشنطن وعدم قدرتها على تحمل أعباء أي حرب جديدة.
ويلفت إلى أن الشركات التكنولوجية الأمريكية الكبرى تكبدت خسائر سوقية تقارب تريليون دولار بعد استهداف منشآتها ومراكزها المرتبطة بالخليج، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى محاولة التأثير على الأسواق عبر التصريحات السياسية والإعلامية.
ويشدّد على أن التقديرات الأمريكية نفسها تشير إلى أن تكلفة العمليات العسكرية اليومية تصل إلى نحو مليار دولار، تشمل نفقات القوات المنتشرة وحاملات الطائرات والطائرات العسكرية والذخائر المستخدمة، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة استنزفت نحو 80 بالمئة من مخزونها من الأسلحة خلال هذه المواجهة.
وفي ختام مداخلته، يؤكد الجعدبي أن الإدارة الأمريكية تسعى حالياً إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوضاعها المالية والعسكرية، معتبراً أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة باتت عاملاً رئيسياً يحد من قدرة واشنطن على مواصلة التصعيد العسكري، ويدفعها للبحث عن مخارج سياسية تخفف من حجم الخسائر المتزايدة.
