وثائقي “الملف الأسود” يروي السردية الكاملة لنهب الثروة النفطية اليمنية.. لصوصية أمريكية وأطماع سعودية وخيانة “عفّاشية”

55

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
25 مايو 2026مـ – 8 ذو الحجة 1447هـ

لعقودٍ مضت، ظلّ “الذهب الأسود” اليمني رهينةً لمؤامرةٍ ثلاثية الأبعاد، نسجت خيوطها الهيمنة الأمريكية، ونفذتها الأطماع السعودية على الأرض، بتواطؤٍ وسقوطٍ أخلاقي من شبكات فساد النظام البائد.

هذا الحصار الاقتصادي الممنهج تجاوز كونه نهباً واستنزافاً لموارد الدولة، ليتضح أنه استراتيجية خبيثة لتركيع الشعب اليمني وحرمانه من مقومات النهوض والاستقلال.

وفي هذا التحقيق الاستقصائي المستند إلى وثائق الفيلم الوثائقي “الملف الأسود” الذي أنتجته قناة المسيرة، نزيح الستار عن كواليس النهب المنظم، وجريمة إحراق الغاز، وكيف تحولت الجغرافيا النفطية اليمنية إلى ساحة فيتو خارجي عطل طاقات الأمة لحساب مشاريع التبعية والتطبيع.

شراك الاستغلال الأمريكي عبر شركة “هانت” وتعديلات الغبن الفاحش:

تتوزع الخارطة النفطية في اليمن على ثلاثة عشر حوضاً رسوبياً، يزيد إجمالي القطاعات فيها عن مئة قطاع. وفي حين يقتصر الإنتاج الفعلي على ثلاثة عشر قطاعاً فقط تتوزع في ثلاث محافظات، فإن أغلب قطاعات اليمن النفطية تقع تصنيفياً بين قطاعات استكشافية ومفتوحة، مؤكدةً بالمعلومات الجيولوجية امتلاكها إمكانات بترولية هائلة ومؤشرات حتمية لعناصر تراكماتها الهيدروكربونية، غير أن هذا المورد الحيوي ظل لعقود طويلة محور صراع سيطرة محموم، دائمًا ما حُسم على طاولة مساومات سياسية مشبوهة لا مكان فيها للمصلحة الوطنية.

ومع تعقيدات المشهد وتشعباته وتداخلاته، تكشف الأدلة المادية الحصرية والوثائق الدامغة كيف وقع ذهب اليمن الأسود بين مصائد الشركات الأجنبية، وأطماع الجوار، وفساد فرق الحكم المتعاقبة التي فرطت في السيادة والاقتصاد لصالح حساباتها الضيقة.

بدأت فصول المأساة الاقتصادية في يوليو من العام 1984، حين أعلنت شركة “هانت” الأمريكية عن أول اكتشاف للنفط بكميات تجارية في منطقة “صافر” بمحافظة مأرب، وكان هذا الإعلان بالنسبة لليمنيين بوابة أمل لبناء دولة مستقرة، لكن الشركة الأمريكية وهي تواصل أنشطتها كانت تسير عمداً في اتجاه مغاير تماماً لاتفاقية المشاركة في إنتاج النفط (PSA)، مستغلةً غياب الخبرة الوطنية وتواطؤ النظام آنذاك.

يفكك مستشار شركة النفط اليمنية، عبدالله العواوي، الخديعة القانونية الأولى التي مارستها الشركة الأمريكية؛ حيث يشير إلى “الباب الخامس” من الاتفاقية الأصلية والذي ينص صراحة على بند “التخليات الالتزامية”. وبموجب هذا البند، يتوجب على الشريك الأجنبي أن يتخلى عن 25% من مساحة القطاع بعد السنتين الأوليين من الاستكشاف، ويتخلى عن 25% أخرى بعد السنتين التاليتين، مما يعني عودة 50% من مساحة القطاع الإجمالية إلى ملكية الدولة اليمنية لإعادة استثمارها أو منحها لشركات أخرى بشروط أفضل.

لكن ما حدث كان التفافاً خطيراً؛ فبعد أن أجرت “هانت” المسوحات السيزمية (الزلزالية) وأظهرت النتائج وجود تراكيب واعدة تحتوي على تراكمات هيدروكربونية ذات جدوى اقتصادية عالية، سارعت بالتعاون مع نافذين في السلطة إلى تعديل الاتفاقية للمرة الأولى ثم المرة الثانية.

هذا التجاوز يرجعه وكيل هيئة استكشاف وإنتاج النفط، المهندس عبداللطيف الظفري، إلى كونه حدث في بداية الإنتاج وضمن اتفاقية بدائية صِيغت في وقت لم تكن اليمن تمتلك فيه أي خبرة في مجال المشاركة في الإنتاج، أو آلية توزيع الحصص، ومشاركة العائدات وحساب كلفة التشغيل، فيما يؤكد المستشار العواوي أن هذا التعديل فرض صفقة مجحفة للغاية لصالح “هانت”، تمثلت في توجيه ضربة قاصمة للحق السيادي اليمني عبر قلب نسب تقاسم العائدات، لتصبح حصة الدولة اليمنية 40% فقط مقابل 60% للشركة الأمريكية، واصفاً إعطاء هذه الاتفاقية للجانب الأمريكي بأنه “مغامرة كبرى وغبن فاحش في حق اليمن”.

ولم تقف أطماع شركة “هانت” عند هذا الحد؛ فمع إدراكها أن مكاسب هذه الصفقة المجحفة ستمتد لعشرين عاماً، دفعت بكل ثقلها نحو فرض “تعديل ثالث” للاتفاقية. هذا التعديل لم يقف عند حدود النهب المالي، بل التهم الجغرافيا اليمنية ليوسع مساحة الامتياز الممنوحة للشركة إلى نحو سبعة عشر ألف كيلومتر مربع (17,000 كم²)، وهي مساحة ضخمة تفوق مساحة دولة قطر (ثالث أكبر منتج للغاز عالمياً)، وتقارب مساحة دولة الكويت.

ويشرح وكيل هيئة استكشاف وإنتاج النفط، المهندس عادل الحزمي، الأبعاد الفنية لهذا التعديل، موضحاً أن مساحة القطاع الأصلية كانت في حدود 12 ألف وكسور كيلومتر مربع، لترتفع بموجب التعديل الثالث بنسبة تقارب 30% وتصل إلى حدود 16 ألف وبعض مئات الكيلومترات المربعة.

ويؤكد المهندس الحزمي أن المتعارف عليه دولياً في الصناعة البترولية هو أن مساحة القطاعات الممنوحة للشركات تبدأ في التناقص التدريجي بعد تحقيق أي اكتشاف تجاري بموجب اتفاقيات تقاسم الإنتاج، لكن ما حدث مع “هانت” كان تجاوزاً صارخاً وضارباً بعرض الحائط لكل الأعراف والقوانين البترولية العالمية.

ويكشف المستشار العواوي الخلفية السياسية لهذا التوسع، مؤكداً أن “هانت” حسبت بدقة خطوتها؛ فبحصولها على السيطرة المطلقة على كامل المنطقة منعت دخول أي شركاء وطنيين أو أجانب، وأصبح الجانب اليمني خارج الحسبة تماماً، مما منح الشركة الأمريكية أوراق قوة إضافية في التفاوض، وعقد صفقات جانبية وإدخال شركات أخرى كأدوات استثمارية تابعة لها.

وفيما يتعلق بالاحتياطيات النفطية، يربط المهندس الحزمي بين زيادة المساحة وزيادة الاستثمار بشكل دوري ودائري، كاشفاً أن المساحة الإضافية جرى اقتطاعها وإضافتها تحديداً في الشريطين الشمالي والجنوبي من القطاع، وتلا ذلك عمليات استكشافية متواصلة حققت فيها الشركة عدداً كبيراً من الاكتشافات بعد “حقل ألف”، لتنتقل المادة النفطية بعدها مباشرة إلى مرحلة التطوير والإنتاج التجاري وسط غياب كامل للرقابة الوطنية.

الأطماع السعودية التاريخية وسياسة “الحدود المتحركة” لتعطيل الاقتصاد اليمني:

في غضون عام ونصف فقط من تاريخ اكتشاف أول بئر نفطية في صافر، وصلت شركة “هانت” الأمريكية إلى عتبة الإنتاج التجاري. ومع إيقاع ذهب اليمن الأسود في شراك الاستغلال الأمريكي، كانت سلطة الخائن عفاش في صنعاء مكتفية بهذا الإنجاز الضيق، لكن وبالرغم من ذلك، لم يخلُ المشهد من المنزعجين الإقليميين وعلى رأسهم النظام السعودي.

ويؤكد وكيل هيئة استكشاف النفط، المهندس عبداللطيف الظفري، أن اليمن تعرضت منذ الوهلة الأولى لضغوط هائلة ووصاية مباشرة من قبل الدولة المجاورة (المملكة العربية السعودية)، حيث مارست الرياض ضغوطاً على أعلى المستويات السياسية لمحاولة عرقلة العمل النفطي، وحظر الاتجاه اليمني نحو التحول إلى دولة بترولية، وهو أمر يرى الظفري أنه بات حقيقة تاريخية لا شك فيها.

تمثلت هذه الضغوط السعودية بدعوى امتلاك الرياض “حقاً تاريخياً” في مساحة الامتياز الممنوحة لشركة “هانت” في عمق الأرض اليمنية، بناءً على ما تزعمه من وثائق رسمية ثلاثية (يمنية وسعودية وأمريكية) أجمع المتحدثون بأنها هندسة للنهب والمصادرة.

ويكشف “الملف الأسود” ولأول مرة عن وثيقة سرية صادرة عن شركة “هانت” الأمريكية مطلع نوفمبر 1984، تؤكد تلقي الشركة مذكرة رسمية من وزارة البترول والثروة المعدنية السعودية باللغتين العربية والإنجليزية، تنطوي على مواضيع ذات حساسية سيادية بالغة.

تعمدت شركة “هانت” ترك التفاصيل الحساسة للدعوى الحدودية في النسخة العربية من المذكرة السعودية، وجاء فيها تأكيد الرياض على علمها بالنشاط النفطي اليمني الممتد إلى جوار منطقة مأرب، مع لفت انتباه الشركة إلى أن هذه البقعة تشكل جزءاً من إقليم المملكة العربية السعودية! وفي تفاصيل الإحداثيات الجغرافية الواردة في المذكرة، تجاوزت الادعاءات السعودية مناطق أنشطة “هانت” في محافظة الجوف لتصل إلى عمق محافظة مأرب نفسها.

ويفسر رئيس المركز الوطني للوثائق، عبدالله هاشم السياني، هذا السلوك السعودي بالقول: “السعوديون شعروا بأن اليمن تريد أن تخرج عن الوصاية، وأن يكون لها قرار اقتصادي مستقل وثروة نفطية خاصة، مؤكداً أن السعودية تعاني من عقدتين أساسيتين تجاه اليمن: مشكلة قوتها الاقتصادية، واستقرارها السياسي”.

من جانبه، يرى المهندس عادل الحزمي أن الهدف الأساسي كان تعطيل الاقتصاد اليمني ومنعه من التطور، مؤكداً أن تقديم الرياض لوثائق تزعم فيها أن مناطق في مأرب تتبعها هو مجرد وسائل ابتزاز وضغوط وتحقيق مصالح خاصة، فالمنطقة يمنية منذ الأزل تاريخياً وسياسياً وشعبياً.

إزاء هذه الضغوط، بعثت سلطة عفاش آنذاك بمذكرة احتجاج للرياض، وانتظرت معالجة الخلاف بالطرق الودية، لكنها صُدمت برد سعودي صارم وسافر ذكّرها بقدم الدعوى المرتبطة بملكية جزء من منطقة الامتياز، وسجلت الخارجية السعودية دعوى جديدة ضد توسيع المساحة.

وكما تكشف الوثيقة الصادرة عن الخارجية السعودية في 14 صفر 1405 هجرية، فإن الموقف كان تعبيراً فجاً عن “سياسة الحدود المتحركة” للنظام السعودي.

ويعلق عبدالله السياني على ذلك قائلاً: “النظام السعودي هو دولة ناشئة بلا حدود تاريخية ثابتة، وبالتالي فإن هذه الدولة الناشئة المستندة إلى الدعم الأمريكي والمال النفطي تعتمد طبيعة توسعية قائمة على ابتلاع أراضي الجيران”.

لم تتوقف الأطماع السعودية عند مأرب، بل امتدت لتشمل الأحواض الرسوبية الكبرى في الجوف والربع الخالي وبحر تهامة. ويشير المستشار عبدالله العواوي إلى أن شركة هندية حصلت لاحقاً على حق الامتياز في محافظة الجوف في ثلاثة قطاعات واعدة هي: (57، 58، و59)، لكن المفارقة الصادمة أن الشركة لم تستطع حتى مجرد زيارة الحقل أو الموقع في ذلك الحين بسبب التهديدات السعودية المباشرة.

وبعد جولات من المحاولات والضغوط، انسحبت الشركة الهندية، وظلت محافظة الجوف بالكامل “خطاً أحمر” يحظر على اليمنيين الاقتراب منه، نتيجة تعهد سري قدمته السعودية لشركة هانت لمنع دخول أي شركة منافسة.

هذا التعطيل الممنهج زادت حدته بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990؛ حيث بدأت السعودية تشعر بأن اليمن خرج كلياً من عباءة الهيمنة المباشرة وبات يمتلك مقومات دولة كبرى في المنطقة (كثافة سكانية، مساحة تتجاوز 500 ألف كم²، شواطئ تمتد لأكثر من 2000 كم تطل على البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي).

وفي أبريل 1992 (شوال 1412 هـ)، عُقد اجتماع طارئ لمجلس الرئاسة والمجلس الاستشاري والوزراء والدفاع الوطني برئاسة صالح لمناقشة مذكرة تهديد سعودية وُجهت للشركات النفطية العالمية العاملة في اليمن.

وجاء في المذكرة السعودية أن الشركات تجاوزت في بحثها وتنقيبها إلى مناطق تعتبرها المملكة داخلة في إقليمها، مهددةً بعدم الاعتراف بأي أثر قانوني واللجوء إلى “القوة القاهرة” لضرب أنشطتها، وقامت الرياض بتوزيع خارطة معدلة ومزورة تقتطع أجزاء واسعة من مناطق الامتياز اليمنية.

ونتيجة لذلك، جمدت تسع شركات عالمية أنشطتها في تسع قطاعات حيوية تمتد من جنوب سانو بالمهرة، وحواريم، وهود، والفرض، والمسيلة بحضرموت، وعساكر، والبرقاء، والعقلة بشبوة، وصولاً إلى جزيرة أنطوفاش في البحر الأحمر.

ويؤكد المهندس عادل الحزمي أن تلك الشركات تعرضت لضغوط مباشرة من السعودية لإجبارها على الانسحاب.

وفي ذات السياق، يؤكد رئيس هيئة استكشاف وإنتاج النفط، المهندس عبدالعزيز الغفاري، أن حوض تهامة في البحر الأحمر حظي باهتمام كبريات الشركات العالمية (حيث دخلت سبع شركات في قطاع واحد لشدة واعديته وتوفر نظامه البترولي بنسبة 100%)، إلا أن الطرف الأساسي الذي منع الاستكشاف والإنتاج في حوض تهامة بالكامل هو الفيتو السعودي المباشر.

المتاجرة بـ “الأفيال” وزيارة جورج بوش وجريمة حرق الغاز:

لأن شركة “هانت” الأمريكية لم تكن تملك الموارد الرأسمالية الكافية لتطوير حقول مأرب الكبرى، بدأت المتاجرة بالقطاعات النفطية اليمنية في الأسواق الدولية، مستخدمةً مصطلح “الأفيال” لوصف الحقول اليمنية الضخمة.

وبناءً على صفقات مع السلطة، باعت الشركة الأمريكية ما نسبته 24% من اتفاقية تقاسم الإنتاج إلى اتحاد شركات كوري جنوبي (بقيادة شركة يوكنج الكورية وشركاء آخرين) بمبلغ ضخم غطى نصف تكاليف الاستكشاف بالكامل. كما باعت “هانت” 49% من حصتها المتبقية إلى شركة “إكسون” الأمريكية العملاقة مقابل مليار دولار، نالت “هانت” نصفها نقداً كربح صافٍ وفوري.

ويوضح المهندس عبداللطيف الظفري أن دخول الشركات الكورية كان لتأمين السيولة اللازمة لبناء منشأة إنتاجية ضخمة بمعالجة تصل إلى 400 ألف برميل يومياً، وربط الآبار بها، إضافة إلى مد خط أنابيب ضخم بطول يقارب 450 كيلومتراً يربط الحقول بميناء التصدير في البحر بسعة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً.

وبسبب الاستحواذ المطلق، وصفت الصحافة الأمريكية شركة “هانت” بأنها “لاعب بوكر لا يتعامل مع أوراق خاسرة”، مستفيدة من التواطؤ السياسي مقابل منح رئيس السلطة “جزيرة صغيرة” أو توظيف ورقة الضغوط السعودية لمحاصرة تطلعات الشعب اليمني.

وفي سبتمبر من العام 1986، جرى تدشين مصفاة مأرب في حفلة رسمية تصدرها نائب الرئيس الأمريكي حينها، جورج بوش الأب، ولم تكن هذه الزيارة محض صدفة أو بروتوكولاً دبلوماسياً، بل كانت إعلاناً أمريكياً صريحاً بأن العالم الصناعي وجد بديلاً استراتيجياً وآمناً عن نفط منطقة الخليج المضطربة، لا يمر عبر الممرات المائية المهددة.

وحينها صرح جورج بوش قائلاً: “وكما نشاهد اليوم هنا، فإن التعاون بين القطاع الخاص الأمريكي وحكومة الجمهورية العربية اليمنية قد أدى إلى إنتاج هذا المصدر الجديد للنفط والمنتجات النفطية وإلى مصدر جديد لا يمر عبر منطقة الخليج المضطربة”.

ويشبه المستشار عبدالله العواوي زيارة جورج بوش الأب لليمن بزيارة دونالد ترامب اللاحقة للسعودية (والتي خرج منها بأكثر من 400 مليار دولار)، مؤكداً أن قادة الإدارة الأمريكية لا يزورون الدول للمباركة، بل يحركون مصالحهم القائمة على نهب الشعوب.

بدوره، يوضح عبدالله السياني الخلفية الجيوسياسية للزيارة؛ حيث أراد الأمريكيون استخراج النفط لتقوية النظام في الشمال وترتيب موضوع الوحدة بالشكل الذي يضمن القضاء على النظام في الجنوب الموالي للاتحاد السوفيتي، وانتزاع هذه المنطقة الاستراتيجية من سيطرة المعسكر الشرقي.

وفي المقابل، حققت شركة “تكنو” السوفيتية ثلاثة اكتشافات نفطية في قطاع 4 بشبوة (حقول: أمل، شرق عياد، وغرب عياد الذي كان المنتج الرئيسي بـ 10 آلاف برميل يومياً)، لكن الشركة السوفيتية انسحبت عام 1991 عقب تحقيق الوحدة وانهيار الاتحاد السوفيتي.

وفي يناير 1990، زار علي عبدالله صالح الولايات المتحدة الأمريكية، وحلّ ضيفاً في حفل أقامته له شركة “هانت” في دالاس.

والقطت الكاميرات فضيحة سياسية تمثلت في طلب رئيس الجمهورية معلومات عن إمكانيات اليمن النفطية واستكشافاتها الجديدة من مسؤولي الشركة الأمريكية، حيث ظهر صالح ضاحكاً وهو يقول: “أولاً أستلم معلوماتهم وبعدين أديهم معلوماتي”.

وفي تلك الأثناء، كانت شركة “هانت” تقترف جريمة اقتصادية وبيئية كبرى بحق الشعب اليمني، عبر حرق خمسين مليون قدم مكعب (50,000,000 قدم مكعب) يومياً من الغاز المصاحب للنفط في حقول مأرب، وغاب هذا الملف السيادي بالكامل عن أجندة زيارة الخائن عفاش.

ويؤكد المهندس عبداللطيف الظفري أن المختصين والمسؤولين اليمنيين لم يكونوا حريصين على صياغة اتفاقية نموذجية تحفظ حقوق اليمن، مما نتج عنه “غبن فاحش” تمثل في تضخيم كلفة التشغيل لصالح الشركة، وإسقاط أي إشارة لاستخدام الغاز المصاحب أو استغلاله الاستغلال الأمثل.

ويكشف المهندس عادل الحزمي أن الشركة الأمريكية ماطلت لسنوات طويلة في بناء منشآت فصل ومعالجة الغاز حتى فُرض عليها ذلك لاحقاً من قبل الدولة، وظل الحرق مستمراً لعقد من الزمن، مما تسبب في إهدار المخزون الغازي الاستراتيجي وتكبيد الاقتصاد اليمني خسائر فادحة. وحتى عندما بدأت عملية إعادة حقن الغاز، استمرت الاختلالات الكبيرة نتيجة سعي “هانت” المستمر للاستحواذ عليه وتأخير استثماره التجاري.

شبكات الفساد والجنرالات والشركات “تحت الباطن”:

يكشف “الملف الأسود” عن وثيقة رسمية صادرة عن سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في صنعاء نهاية الألفية الثانية، تقدم دليلاً مادياً حاسماً على تعرض أموال طائلة من عائدات النفط للسطو المباشر والمنظم؛ إذ تكشف الوثيقة أن علي عبدالله صالح كلف وزير النفط والمعادن شخصياً باستلام مبالغ مالية سرية وضخمة خاصة به من قيمة مبيعات النفط الخام اليمني.

وحين جرت محاولة لتغيير وزير النفط آنذاك، قوبلت الخطوة بمعارضة شرسة من الجنرال علي محسن الأحمر (الرجل الثاني في الدولة)، مما يشير بوضوح إلى تقاسم الحصص والانتفاع الشخصي من الثروة الوطنية على حساب الشعب المحروم.

وتعددت صور الفساد عبر قيام قوى النفوذ بدور “الوكيل المستنصر” للشركات الأجنبية مقابل عمولات ورشاوى. ويكشف المستشار عبدالله العواوي أن الجنرال علي محسن الأحمر فرض نفسه وكيلاً لشركة “أويل سيرش” وتمكن عبر نفوذه من منحها حق الامتياز في خمسة قطاعات نفطية كاملة هي: (49، 35، و74)، ودخلت شريكة مع شركة “دي إن أو” في قطاع 43 المنتج، بالإضافة إلى قطاعي 7 و15، وتحولت المتاجرة بهذه القطاعات إلى وسيلة للكسب السريع لصالح الجنرال.

ومن جانب آخر، يشرح المهندس عبدالعزيز الغفاري منظومة النهب عبر ما يُعرف بـ “شركات تحت الباطن”، وهي الشركات التي تحتكر الأعمال الفنية من نقل، وتغذية، وتسميت، وتثقيب، وتوريد المواد الأساسية، وكانت تُصرف لهذه الشركات نفقات مهولة ومضخمة تُحتسب ضمن “نفط الكلفة” وتذهب مباشرة إلى جيوب المتنفذين.

وهنا يؤكد العواوي أن شخصيات نافذة مثل حميد الأحمر، علي محسن الأحمر، شاهر عبدالحق، وبانافع (الذي كان يحمل جنسية سعودية) دخلوا كشركاء بنسب مجانية محموله دون دفع أي تكاليف، مقابل تسهيل أعمال الشركات الأجنبية واحتكار الخدمات التابعة لها.

أما حميد الأحمر، فقد بنى نفوذاً واسعاً مكّنه من التحكم في تصاريح الواردات النفطية، الإعفاءات الجمركية، وأذون إعادة التصدير مقابل رشاوى ضخمة من الشركات الأمريكية. كما تولى لسنوات طويلة، عبر كونه وكيلاً لشركة “أركيديا” البريطانية، تأمين احتكارها لشراء مبيعات النفط الخام اليمني بأقل من قيمته السعرية العادلة في الأسواق العالمية.

وظهر صراع أجنحة السلطة للعلن بعد نقل مسؤولية بيع النفط إلى لجنة خاصة تخضع لنجل الخائن عفاش (أحمد علي)، رغبة في سحب البساط من تحت وكيل “أركيديا” حميد الأحمر. ويوضح مدير عام دائرة تسويق النفط، أحمد حسن، الاستراتيجية التي اتبعتها “أركيديا” عبر “سياسة الاحتواء” للمنافسين وللنفط اليمني معاً، مستخدمةً قوتها المالية والسياسية للتأثير على القرارات السيادية.

ويكشف أحمد حسن زيف الآلية الجديدة التي زُعم أنها رفعت العائدات؛ مؤكداً أنها “زادت الطين بلة”، فحين أُنشئت “اللجنة الفنية لبيع النفط” عام 2009 ومُنحت اختصاصات واسعة (احتساب الحصص، مراجعة الكميات، ومراقبة الأسواق)، تبين أن الأمر مجرد مسرحية؛ إذ كيف لسبعة أشخاص غير مختصين، يجتمعون لمدة ساعتين فقط، أن يقوموا بهذه التحليلات المعقدة دون امتلاك أي بيانات دقيقة أو قنوات اتصال مع الشركات المشغلة؟ وهو ما جعل القرار الفعلي يظل بيد أطراف الفساد النافذة.

وحاولت شركة “هانت” الأمريكية عام 2005 فرض تمديد لاتفاقيتها في قطاع 18 بمأرب لمدة 5 سنوات إضافية بالتواطؤ مع أطراف في الحكومة، مستخدمةً خدعة البيانات الكاذبة؛ حيث زعمت أن الاحتياطي المتبقي في القطاع لا يتجاوز 341 مليون برميل فقط وأنه سينضب تماماً بنهاية عام 2005.

ويكشف المهندس عبداللطيف الظفري أن هيئة استكشاف النفط والوزارة تمكنتا من إلغاء التمديد لعدم استكمال الإجراءات القانونية، وجرى استلام القطاع سيادياً في 2005 بعد انتهاء الاتفاقية بدقيقة واحدة، وخسرت “هانت” قضية التحكيم الدولي التي رفعتها ضد اليمن. والنتيجة الصادمة أن الإنتاج اليمني استمر من ذات الحقل وتجاوز الأرقام الكاذبة للشركة الأمريكية على مدى عقد وعام من الزمن، مما أثبت تلاعب الشركات بالبيانات لنهب المخزون الوطني.

ويكشف رئيس الهيئة، المهندس عبدالعزيز الغفاري، الخلل الهيكلي الفادح المتمثل في تغييب دور الهيئة في دراسة وحساب الاحتياطيات النفطية، وترك الأمر كلياً للشركات الأجنبية، مما سمح بالتلاعب بـ “نفط الكلفة” الذي يلتهم 50% من إجمالي الإنتاج لصالح الشركات الأجنبية كتعويض نفقات، بينما تذهب الـ 50% المتبقية لنفط المشاركة، متعمّدين فصل الحسابات النفطية بالكامل عن الهيئة الرقابية لتمرير الفساد.

هذا أيضاً ما أكده تقرير فريق “الحكم الرشيد” في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013، والذي كشف عن وجود “خلل جوهري وضعف وقصور” في الاتفاقيات، موصياً بالانتقال الفوري إلى “اتفاقيات الجيل الخامس” لحفظ السيادة الوطنية، وهو ما تم تعطيله عمداً لحماية مصالح شبكات الفساد.

لربع الخالي.. جوهرة التاج المغدورة ومخطط “التطبيع” المفروض:

تجمع الدراسات الجيولوجية والمستندات الرسمية على أن حوض الربع الخالي يعتبر “جوهرة التاج” في احتياطيات اليمن من الذهب الأسود، وأفضل الأحواض الرسوبية على الإطلاق.

ويمتد هذا الحوض جغرافياً من شمال محافظة حضرموت إلى شمال محافظة الجوف، ويشترك في نفس الخصائص الجيولوجية والتركيبية المنتجة للنفط والغاز بكميات هائلة في سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وتحديداً “الأحواض الملحية” التي تتبع العمر الجيولوجي الباليوزوي.

ويشرح المهندس عادل الحزمي الأهمية الاستراتيجية لهذا الحوض، مؤكداً أن أي اكتشاف يتحقق فيه سينتج مخزوناً واحتياطيات ضخمة ومميزة للغاية، نظراً للمواصفات المكمنية الاستثنائية والسماكات الصخرية الكبيرة في باطن الأرض اليمنية، وهو ما أكدته أجهزة قياس الزلازل، وأعمال الحفر الهيكلي، وصور الأقمار الصناعية للصدوع الجيولوجية.

غير أن هذا الحوض واجه جداراً سعودياً مانعاً؛ ويروي المهندس عبداللطيف الظفري قصة شركة “نكسن” العالمية التي تولت استكشاف أربعة قطاعات يمنية في الربع الخالي، حيث أظهرت المسوحات الزلزالية وجود تراكيب جيولوجية ممتازة وواعدة جداً تستدعي البدء الفوري في الحفر. وعندما باشرت الشركة حفر أول بئر استكشافية وهي “بئر الموارد” ووصلت إلى أعماق جيدة، تدخلت الضغوط السياسية الخارجية.

ويؤكد الظفري وجود قناعة راسخة بنسبة 95% لدى جميع العاملين في الصناعة النفطية في اليمن بأن الشركة أُجبرت سياسياً على إعلان أن البئر “غير تجارية”، وأن الحفر في المنطقة معقد، لتقوم بإنهاء أعمالها والمغادرة فوراً.

ويكشف المستشار عبدالله العواوي عن البُعد الدولي والجيوسياسي الخطير المحيط بحوض الربع الخالي، مشيراً إلى وجود ارتباط وثيق بين الأجندات السعودية والأمريكية والإسرائيلية لإبقاء هذه الثروة مجمدة وتحت السيطرة.

ويستشهد العواوي بمقابلة أرشيفية رسمية للمستشار الاقتصادي والسياسي للملك السعودي، أنور عشقي، صرح فيها علانية بوجود حقل نفطي ضخم وواعد جداً في الربع الخالي سيلزم دول مجلس التعاون واليمن أن تتحد لحمايته واستغلاله، ولكن وضعت الرياض شروطاً صارمة لإنتاجه.

وجاء في تصريح أنور عشقي: “في الجزيرة العربية، هناك حقل نفطي واعد في الربع الخالي، سوف يلزم دول مجلس التعاون واليمن أن تتحد لحمايته وحماية مكتسباتها، وهذا يتطلب عدة أمور: الأول تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل (التطبيع)”.

العدوان الأمريكي السعودي واستمرار النهب الممنهج:

يتوج النظام السعودي سياساته العدائية التاريخية بشن العدوان المستمر منذ 11 عاماً، والذي يصفه المستشار العواوي بأنه حرب استهدفت تدمير مؤسسات الدولة اليمنية بالكامل، وفرض حصار شامل بري وبحري وجوي.

ولم تقتصر الحرب على الجانب العسكري، بل تمثلت في وضع اليد مباشرة على القطاعات النفطية اليمنية المنتجة عبر الفصائل التابعة لها. وحرصت اللجنة السعودية على استمرار إنتاج النفط اليمني وتصديره سراً، مع تحويل وتوريد كامل عائدات مبيعات النفط اليمني إلى حسابات خاصة في “البنك الأهلي السعودي” في الرياض.

وجرى ذلك بالرغم من قيام قوى تحالف العدوان بنقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، إلا أن العائدات حُرمت منها عدن وصنعاء معاً وأُودعت في الرياض لتبقى تحت السيطرة السعودية المباشرة.

ويكشف العواوي الأهداف العميقة لهذه المؤامرة الاقتصادية مؤكداً أن اليد السعودية في الوقت الراهن تعطل استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز، وتمنع توظيف عائداتها في تمويل فاتورة مرتبات موظفي الدولة من عموم أبناء الشعب اليمني وتغطية الخدمات العامة الأساسية، بعد مرحلة من نهبه من قبل لصوص الأمس والشركاء والرعاة.

ويؤكد أن الهدف من نقل البنك المركزي ونهب إنتاج النفط وقطع مرتبات موظفي الدولة في عموم أنحاء الجمهورية كان “إشعال الفتن الداخلية وتوليد الفوضى العارمة لمواجهة سلطة صنعاء”، وهو المخطط الكارثي الذي فشل بفضل وعي الشعب وحكمة وتوجيهات القيادة.

ويختتم المهندس عبداللطيف الظفري هذا الملف الاستقصائي بالتأكيد على حق سيادي وقانوني قاطع لا يقبل المساومة: “هذه الثروة النفطية والغازية هي ملك خالص للشعب اليمني بأكمله في الجمهورية اليمنية كاملة، ولا يجوز قانوناً أو شرعاً أن تذهب لصالح فئة، أو فصيل، أو منطقة، أو محافظة، أو تحالف خارجي يعبث بها، ويجب إيقاف هذا العبث فوراً واستعادة القرار السيادي الثرواتي المستقل”.

إن الحقائق الدامغة التي كشفها “الملف الأسود” تضع أمتنا أمام حقيقةٍ جليّة: أن معركة الدفاع عن الثروات لا تنفصل عن معركة السيادة والكرامة، وأن زمن الارتهان والفيتو الخارجي على مقدرات اليمن قد ولى إلى غير رجعة؛ وما عجز العدوان عن انتزاعه بآلته العسكرية طوال أحد عشر عاماً، لن يناله عبر الحصار الاقتصادي وقطع المرتبات؛ لتبقى الثروة النفطية والغازية خطاً أحمر، ومُلكاً خالصاً ومقدساً للشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه، كركيزةٍ أساسية لبناء يمنٍ حرٍّ، مستقلٍّ، يمتلك قراره وقوته بيد أبنائه، متحرراً من قيود الوصاية وشراك الهيمنة للأبد.

لعقودٍ مضت، ظلّ “الذهب الأسود” اليمني رهينةً لمؤامرةٍ ثلاثية الأبعاد، نسجت خيوطها الهيمنة الأمريكية، ونفذتها الأطماع السعودية على الأرض، بتواطؤٍ وسقوطٍ أخلاقي من شبكات فساد النظام البائد.