كواليس المبيعات الأمريكية السرية وجريمة هدر المليارات وإحراق الغاز اليمني
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
25 مايو 2026مـ – 8 ذو الحجة 1447هـ
لم تقف حدود المؤامرة الأمريكية على الثروة النفطية اليمنية عند مصادرة الحقوق السيادية وتزوير الاتفاقيات البدائية فحسب، لتشمل المتاجرة العلنية بمقدرات الشعب اليمني في الأسواق الدولية كأوراق رابحة بصفقات مشبوهة، جنى منها الكارتل النفطي الأمريكي مليارات الدولارات دون عناء.
لقد كشف التواطؤ المخزي للنظام الحاكم آنذاك عن الوجه البشع للاستغلال؛ إذ تحولت الحقول الوطنية الكبرى التي وُصفت في دالاس ونيويورك بـ “الأفيال” إلى ساحة مفتوحة للاستحواذ، والبيع “تحت الباطن” لشركات أجنبية أخرى لتأمين سيولة المنشآت التشغيلية، بينما كان الجانب اليمني خارج الحسبة تماماً، يراقب تبدد ثرواته مجرداً من أي سلطة رقابية أو فنية.
وفي هذا الجزء المستند إلى حقائق ووثائق “الملف الأسود”، نسلط الضوء على جريمة القرن الاقتصادية والبيئية التي اقترفتها شركة “هانت” الأمريكية في حقول مأرب، والمتمثلة في الإحراق العبثي والممنهج لخمسين مليون قدم مكعب من الغاز المصاحب للنفط يومياً على مدى عقد من الزمن.
وتكشف السطور التالية الفضيحة السياسية المدوية التي وثقتها العدسات في زيارة الخائن عفاش إلى الولايات المتحدة عام 1990، حيث تجسد الارتهان الكامل في جهل رأس السلطة ببيانات واحتياطيات ثروات بلاده، تاركاً للشركات الأمريكية مطلق الحرية في المماطلة وتدمير المخزون الغازي الاستراتيجي لليمن، وتكبيد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
صفقات مليارية واليمن خارج الحسبة:
لأن شركة “هانت” الأمريكية لم تكن تملك الموارد الرأسمالية الكافية لتطوير حقول مأرب الكبرى، بدأت المتاجرة بالقطاعات النفطية اليمنية في الأسواق الدولية، مستخدمةً مصطلح “الأفيال” لوصف الحقول اليمنية الضخمة.
وبناءً على صفقات فاسدة مع السلطة، باع الجانب الأمريكي ما نسبته 24% من اتفاقية تقاسم الإنتاج إلى اتحاد شركات كوري جنوبي (بقيادة شركة يوكنج الكورية وشركاء آخرين) بمبلغ ضخم غطى نصف تكاليف الاستكشاف بالكامل. كما باعت “هانت” 49% من حصتها المتبقية إلى شركة “إكسون” الأمريكية العملاقة مقابل مليار دولار، نالت “هانت” نصفها نقداً كربح صافٍ وفوري.
ويوضح المهندس عبد اللطيف الظفري أن دخول الشركات الكورية كان لتأمين السيولة اللازمة لبناء منشأة إنتاجية ضخمة بمعالجة تصل إلى 400 ألف برميل يومياً، وربط الآبار بها، إضافة إلى مد خط أنابيب ضخم بطول يقارب 450 كيلومتراً يربط الحقول بميناء التصدير في البحر بسعة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً.
وبسبب الاستحواذ المطلق، وصفت الصحافة الأمريكية شركة “هانت” بأنها “لاعب بوكر لا يتعامل مع أوراق خاسرة”، مستفيدة من التواطؤ السياسي مقابل منح رئيس السلطة “جزيرة صغيرة” أو توظيف ورقة الضغوط السعودية لمحاصرة تطلعات الشعب اليمني.
جريمة القرن الاقتصادية: حرق 50 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً
في يناير 1990، زار الخائن عفاش الولايات المتحدة الأمريكية، وحلّ ضيفاً في حفل أقامته له شركة “هانت” في دالاس. والتقطت الكاميرات فضيحة سياسية تمثلت في طلب رئيس الجمهورية معلومات عن إمكانيات بلاده النفطية واستكشافاتها الجديدة من مسؤولي الشركة الأمريكية، وظهر صالح ضاحكاً وهو يقول: “أولاً أستلم معلوماتهم وبعدين أديهم معلوماتي”.
وفي تلك الأثناء، كانت شركة “هانت” تقترف جريمة اقتصادية وبيئية كبرى بحق الشعب اليمني، عبر حرق خمسين مليون قدم مكعب (50,000,000 قدم³) يومياً من الغاز المصاحب للنفط في حقول مأرب، وغاب هذا الملف السيادي بالكامل عن أجندة زيارة صالح.
ويؤكد المهندس عبد اللطيف الظفري أن المختصين والمسؤولين اليمنيين لم يكونوا حريصين على صياغة اتفاقية نموذجية تحفظ حقوق اليمن، مما نتج عنه “غبن فاحش” تمثل في تضخيم كلفة التشغيل لصالح الشركة، وإسقاط أي إشارة لاستخدام الغاز المصاحب أو استغلاله الاستغلال الأمثل.
ويكشف المهندس عادل الحزمي أن الشركة الأمريكية ماطلت لسنوات طويلة في بناء منشآت فصل ومعالجة الغاز حتى فُرض عليها ذلك لاحقاً من قبل الدولة. وظل الحرق مستمراً لعقد من الزمن، مما تسبب في إهدار المخزون الغازي الاستراتيجي وتكبيد الاقتصاد اليمني خسائر فادحة. وحتى عندما بدأت عملية إعادة حقن الغاز، استمرت الاختلالات الكبيرة نتيجة سعي “هانت” المستمر للاستحواذ عليه وتأخير استثماره التجاري.
إن المشاهد المخزية لبيع “الأفيال” النفطية اليمنية في البورصات العالمية، بالتوازي مع ألسنة اللهب التي التهمت مليارات الأقدام المكعبة من الغاز في سماء مأرب، تلخص طبيعة العلاقة بين كارتلات النهب الأمريكية والنظام اليمني البائد؛ وهي علاقة تبعية قائمة على التفريط بالحقوق الوطنية مقابل حماية الكراسي والامتيازات الشخصية الضيقة.
كما أن الحقائق الدامغة التي أوردها فيم “الملف الأسود” تضع أمام الأجيال تفسيراً واضحاً لأسباب الأزمات الاقتصادية الخانقة التي عانى منها اليمن لسنوات، وتؤكد في الوقت ذاته أن معركة فرض الرقابة الوطنية على الثروات وإيقاف هذا العبث الاستعماري هي معركة وجودية مقدسة لاستعادة مقدرات وثروات الشعب اليمني المنهوبة، وبأثر رجعي.
