الحرب على إيران وإعادة تشكيل التوازنات الدولية
ذمــار نـيـوز || تحليلات||
21 مايو 2026مـ – 4 ذو الحجة 1447هـ
تحليل|| أنس القاضي
كشفت الحرب القائمة على إيران أن منطقة “الشرق الأوسط” ما تزال تحتل موقعاً مركزياً في التوازنات الدولية رغم الاستراتيجيات الأمريكية التي ركزت خلال السنوات الماضية على الانعطاف نحو آسيا وتقليص الانخراط المباشر في المنطقة. فقد أظهرت التطورات المرتبطة بالحرب على إيران، وأزمة مضيق هرمز، ومخاوف اضطراب البحر الأحمر، أن الطاقة والممرات البحرية ما تزال تشكل ركائز أساسية في بنية الاقتصاد العالمي وفي استقرار التجارة الدولية، وعادت هذه القضايا إلى الواجهة السياسية بصورة واضحة من خلال النقاشات التي رافقت القمتين “الأمريكية الصينية” و”الروسية الصينية”، واللتين كشفتا أن الحرب على إيران تجاوزت -في فهم العواصم الكبرى- حدود كونها أزمة إقليمية تخص الخليج وحده، إذ يجري التعامل معها بوصفها جزءاً من الصراع الجاري على شكل النظام الدولي وعلى مستقبل توزيع القوة العالمية خلال المرحلة المقبلة. يأتي ذلك في ظل صمود محور المقاومة الذي يجعل شعوب المنطقة فاعلاً في هذه التحولات لا متلقياً سلبياً للتحولات على غرار ما كان عليه الوضع عند اتفاقية “سايكس بيكو” عقب الحرب العالمية الأولى.
الحرب على إيران داخل القمة الأمريكية-الصينية
حضرت الحرب على إيران داخل القمة الأمريكية الصينية بوصفها أزمة ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وبالتوازنات الكبرى بين واشنطن وبكين؛ فالصين -التي تحولت خلال العقود الماضية إلى أكبر قوة صناعية وتجارية في العالم- تعتمد بصورة عميقة على الطاقة القادمة من الخليج، واستقرار الممرات البحرية، واستمرار حركة التجارة العالمية، وعدم انقطاع سلاسل الإمداد الدولية. ولهذا نظرت بكين إلى الحرب على إيران من زاوية تتعلق بحماية البيئة الاقتصادية الدولية التي يقوم عليها صعودها الصناعي والتجاري، أكثر من النظر إليها كملف أمني “شرق أوسطي”، وقد ظهر هذا بوضوح في الخطاب الصيني الذي رافق القمة، حيث ركزت بكين على ضرورة منع التصعيد، والحفاظ على استقرار الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. فالصين تدرك أن أي اضطراب طويل في الخليج أو هرمز أو البحر الأحمر سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل التجارة، وإرباك الاقتصاد العالمي، وإضعاف النمو الصناعي الصيني، وزيادة الضغوط الاقتصادية الداخلية. ولهذا تعاملت بكين مع الحرب على إيران باعتبارها تهديداً مباشراً للبنية الاقتصادية التي تستند إليها العولمة التجارية والصناعية المعاصرة. كما ظهر داخل القمة إدراك صيني متزايد بأن التنافس مع الولايات المتحدة لا يقف عند حدود التكنولوجيا، أو التجارة، أو تايوان، بل أصبح يشمل أيضاً الطاقة، والممرات البحرية، والسيطرة على العقد الجيوسياسية الضرورية لحركة الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل تعاملت واشنطن مع الحرب على إيران ضمن رؤية إمبريالية ترتبط بالحفاظ على موقعها المهيمن داخل النظام الدولي؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى الخليج والبحر الأحمر وهرمز بوصفها جزءاً من البنية الاستراتيجية التي منحتها -لعقودٍ- قدرة على التأثير في أسواق الطاقة، والتحكم بالممرات البحرية، وربط أمن المنطقة بالبنية العسكرية الأمريكية. ولهذا ارتبطت الحرب على إيران داخل القمة الأمريكية الصينية بمحاولة أمريكا ايجاد حل للتناقض القائم في سياستها، فهي من جهة تحتاج إلى منع انفجار واسع للحرب في المنطقة يهدد الاقتصاد العالمي واقتصادها جزء منه، وفي ذات الوقت هي في حالة صراع مع الصين في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية، ومن مصلحتها أن تشهد المنطقة اضطرابات لكي تتأثر إمدادات النفط الصينية من المنطقة ويضعف موقف الصين في الصراع المستمر بين واشنطن وبكين.
ومن هنا أصبحت الحرب على إيران جزءاً من التوازن المعقد بين التصعيد، والردع، وإدارة الأزمة، ومنع الانهيار الكامل للاستقرار الاقتصادي العالمي.
الحرب على إيران داخل القمة الروسية-الصينية
حضرت الحرب على إيران داخل القمة الروسية الصينية ضمن سياق يتعلق بأزمة النظام الأحادي القطبية وبالصراع على شكل التوازنات الدولية؛ فموسكو وبكين تنظران إلى التصعيد العسكري الأمريكي والعقوبات والضغوط على إيران بوصفها جزءاً من نمط أمريكي ثابت السياسة الخارجية، تهدف من ورائها إلى الحفاظ على تفوقها العالمي عبر السيطرة على الطاقة، والتحكم بالممرات البحرية، واستخدام العقوبات والهيمنة المالية، وربط الأمن الإقليمي بالبنية العسكرية الأمريكية.
ولهذا ارتبط الحديث الروسي الصيني عن “الأحادية”، و”الهيمنة”، و”العقوبات غير الشرعية”، و”قانون الغاب”، و”الأمن غير القابل للتجزئة” بالصراع الدائر في الشرق الأوسط وبالحرب على إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالقمة الروسية الصينية تعاملت مع الملف الإيراني كجزء من الصراع العالمي بين القوى الكبرى على الطاقة، والممرات الاستراتيجية، والنظام المالي.
وتحتل إيران موقعاً مهماً داخل الرؤية الروسية الصينية بسبب موقعها الجغرافي وعلاقتها بالطاقة والممرات البرية والبحرية التي تربط بين: الخليج، آسيا الوسطى، البحر الأحمر، المحيط الهندي، مشاريع الربط الأوراسي، وطريق الحرير الصيني. ولهذا تنظر موسكو وبكين إلى وحدة استقرار الدولة الإيرانية وبقاء النظام المناهض للغرب باعتباره جزءاً من استقرار التوازنات الأوراسية نفسها، كما تنظران إلى أي محاولة لإضعاف إيران أو تفكيكها بأنها خطوة قد تؤدي إلى: توسيع الحضور العسكري الأمريكي، تعميق الفوضى الإقليمية، تهديد طرق الطاقة والتجارة، وتعطيل مشاريع الربط الاقتصادي الأوراسي.
وقد ظهر هذا الفهم داخل الخطاب الروسي بصورة أوضح، حيث تعاملت موسكو مع الحرب على إيران باعتبارها جزءاً من محاولة أمريكية لإعادة تثبيت الهيمنة الغربية في لحظة يشهد فيها النظام الدولي تحولات عميقة؛ فروسيا ترى أن واشنطن تهدف من وراء عدوانها على إيران إلى منع تشكل توازنات دولية جديدة تقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة. ولهذا ربطت موسكو بين الحرب على إيران وبين: توسع الناتو شرق اوروبا، العقوبات الغربية على روسيا، الصراع على الطاقة، ومحاولات احتواء الصين، معتبرة أن هذه الملفات تشكل أجزاء مترابطة من استراتيجية أمريكية أوسع للحفاظ على التفوق العالمي.
أما الصين فتعاملت مع الحرب على إيران من زاوية أكثر ارتباطاً بالاستقرار الاقتصادي العالمي وبأمن الطاقة والتجارة الدولية؛ فبكين تدرك أن الخليج وهرمز يمثلان أهمية محورية للاقتصاد الصيني وللتجارة الآسيوية، كما تدرك أن أي انفجار واسع في المنطقة سيؤدي وإضعاف البيئة الاقتصادية التي يقوم عليها النمو الصناعي الصيني، ولهذا ظهر الخطاب الصيني أكثر ميلاً إلى تهدئة الحرب في إيران، وتفضيل الحلول السياسية، ورفض التصعيد، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية والتجارة الدولية.
هذا الاختلاف بين المقاربة الروسية والصينية لا يلغي وجود تصور مشترك يعتبر أن الحرب على إيران ترتبط بصورة مباشرة بالصراع على شكل النظام الدولي، فالقمة الروسية الصينية أظهرت بوضوح أن “الشرق الأوسط” ليس هامشاً جيوسياسياً بعيداً عن التنافس بين القوى الكبرى، بل باعتباره جزءاً من: الصراع على الطاقة، الممرات البحرية، سلاسل التجارة، البنية المالية العالمية، والتوازنات العسكرية الدولية. ولهذا أصبحت الحرب على إيران داخل الرؤية الروسية الصينية مرتبطة أيضاً بمستقبل التعددية القطبية، وأمن أوراسيا، ومشاريع الربط الاقتصادي الآسيوي.
الشرق الأوسط داخل التحول العالمي الجديد
كشفت الحرب على إيران أن “الشرق الأوسط” عاد إلى موقع مركزي داخل الصراع على النظام الدولي بعد مرحلة طويلة اعتقدت خلالها الولايات المتحدة أن بإمكانها تقليص انخراطها المباشر في المنطقة والتركيز بصورة أكبر على آسيا والمحيط الهادئ؛ فقد أظهرت التطورات المرتبطة بالخليج وهرمز والبحر الأحمر أن الاقتصاد العالمي ما يزال يعتمد -بصورة عميقة- على استقرار الطاقة والممرات البحرية والبنية اللوجستية التي تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وأن أي اضطراب واسع في هذه المنطقة يمتلك قدرة مباشرة على التأثير في كل ذلك.
ولهذا أعادت الحربُ على إيران ربط الشرق الأوسط -بصورة مباشرة- بالتنافس الأمريكي الصيني، وبالشراكة الروسية الصينية، وبالتحولات الجارية داخل الاقتصاد العالمي، والاستراتيجيات العسكرية للقوى الكبرى. فالولايات المتحدة تنظر إلى هذه المناطق بوصفها جزءاً من البنية التي منحتها لعقود قدرة على الهيمنة العالمية، أما الصين فتتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه عقدة استراتيجية ترتبط بالطاقة، والتجارة، وطريق الحرير، والربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ولهذا أصبحت بكين أكثر اهتماماً باستقرار منطقة الخليج، وأمن البحر الأحمر واستمرار تدفق الطاقة، ومنع الانفجار الإقليمي الواسع.
وفي المقابل تنظر روسيا إلى الشرق الأوسط من زاوية أكثر ارتباطاً بالتوازنات الجيوسياسية والعسكرية الدولية؛ فموسكو تعتبر أن التوسع العسكري الأمريكي في المنطقة، وربط الخليج بالبنية الأمنية الغربية، ومحاولات التحكم بالممرات البحرية والطاقة، كلها عناصر ترتبط بالصراع الأوسع حول ميزان القوة العالمي، وموقع روسيا داخل النظام الدولي، وحدود الهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة.
كما كشفت الحرب أن الشرق الأوسط تحول مرة أخرى إلى مساحة يلتقي فيها: التنافس الأمريكي الصيني، والشراكة الروسية الصينية، والتحولات داخل الرأسمالية العالمية، وأزمة النظام الأحادي القطبية؛ وإعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي القائم.
الحرب على إيران واختبار النظام الدولي
أظهرت الحرب على إيران أيضاً حدود القوة الأمريكية وحدود التحول نحو التعددية القطبية في الوقت نفسه؛ فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك: أكبر قوة عسكرية في العالم، أوسع شبكة قواعد وتحالفات، هيمنة كبيرة على النظام المالي العالمي، وقدرة واسعة على فرض العقوبات والضغوط الاقتصادية. لكن الحرب كشفت أيضاً أن إدارة الأزمات الدولية أصبحت أكثر تعقيداً وكلفة مقارنة بمرحلة التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.
ولهذا أصبحت واشنطن مضطرة إلى إدارة معادلة شديدة التعقيد تجمع بين: الردع، التصعيد، منع الانهيار الكامل للاستقرار الاقتصادي العالمي، والحفاظ على النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي. وفي المقابل كشفت الحرب أيضاً حدود المشروع الروسي الصيني نفسه، فموسكو وبكين تمتلكان قدرة متزايدة على التعطيل والمنافسة وبناء شبكات تعاون ومؤسسات بديلة، وتوسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي، لكن الاقتصاد العالمي ما يزال يرتبط بصورة عميقة بالدولار، والأسواق الغربية، والبنية المالية والتكنولوجية التي تشكلت في ظل الهيمنة الأمريكية. ولهذا فإن التعددية القطبية التي تتحدث عنها الصين وروسيا ما تزال عملية انتقال طويلة وغير مكتملة، تتداخل فيها الصراعات، والعقوبات، والحروب الإقليمية، والتنافس على التكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية.
وقد كشفت الحرب على إيران أن العالم دخل مرحلة جديدة يصعب فيها: الحسم العسكري السريع، أو فرض الهيمنة المنفردة، أو عزل القوى الكبرى المنافسة بصورة كاملة. فالترابط الاقتصادي العالمي واتساع حضور القوى الآسيوية وتزايد أهمية الطاقة والممرات البحرية جعل الصراع الدولي أكثر تشابكاً وتعقيداً، كما جعل الصراعات في الشرق الأوسط جزءاً من عملية إعادة تشكيل النظام الدولي، لا مجرد ساحة جانبية داخل السياسة العالمية، فوجود إيران ومحور المقاومة جعل المنطقة تتفاعل مع الصراعات الدولية كقوى فاعلة لا متلق سلبي أو تابع محظ.
اتجاهات التحول الدولي
تشير التحولات التي كشفتها الحرب على إيران والقمتان الأمريكية الصينية والروسية الصينية إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة انتقال طويلة يعاد خلالها توزيع القوة داخل النظام الدولي دون ظهور نظام عالمي مستقر ومكتمل في المدى القريب. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك التفوق العسكري والمالي والتكنولوجي الأكبر، لكن قدرتها على الهيمنة على العالم تواجه تحديات متزايدة مع صعود الصين، واتساع حضور القوى الآسيوية، وعودة روسيا إلى موقع الفاعل الاستراتيجي، وصمود محور المقاومة في ما يتعلق بالوضع في المنطقة. ولهذا يُرجح أن تتجه المرحلة المقبلة نحو تراجع أمريكي نسبي في القدرة على فرض هيمنة أحادية مستقرة، مقابل اتساع المنافسة الدولية.
كما يُتوقع أن تتزايد أهمية المناطق المرتبطة بالطاقة والتجارة والموقع الجغرافي، خصوصاً الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، لأن الصراع الدولي بات يرتبط بصورة متزايدة بالقدرة على تأمين طرق التجارة والطاقة والبنية التحتية العالمية. ولهذا ستتداخل خلال السنوات المقبلة المنافسة الاقتصادية والعقوبات والصراعات الإقليمية والاعتداءات العسكرية.
وفي هذا السياق ستواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي مع الحرص على تجنب مواجهة عالمية شاملة تهدد البيئة الاقتصادية التي يقوم عليها صعودها، بينما ستسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها العالمي عبر التحالفات والتفوق التكنولوجي والسيطرة على الممرات البحرية والنفوذ المالي والعسكري. أما روسيا فستواصل الدفع نحو إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والجيوسياسية مستفيدة من التناقضات داخل الغرب ومن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي والطاقة الدولية.
ولهذا تبدو المرحلة الجارية والمقبلة مرشحة لمزيد من التنافس والتداخل بين مجالات المنافسة والصراع، في ظل عالم يتجه نحو تعدد أوسع في مراكز القوة دون الوصول السريع إلى تعددية قطبية راسخة، كما يُرجح أن تبقى المنطقة جزءاً أساسياً من هذا التحول العالمي بسبب ارتباطها المباشر بالطاقة والممرات البحرية، وبالصراع على إعادة تشكيل موازين القوة الدولية خلال القرن الحادي والعشرين.
