اغتيال قادة المقاومة محاولة بائسة لتغطية الهزيمة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 مايو 2026مـ – 4 ذو الحجة 1447هـ
تقرير|| وديع العبسي
هي حقيقة أكيدة وثابتة بأن منهجية الاغتيالات التي يرتكبها الكيان الإسرائيلي كما حال الإرهابي الأمريكي، قد ثبت فشلها منذ وقت مبكر، والاستمرار “الإسرائيلي” في هذا النهج بات يُقرأ من زاوية وحيدة لا ثاني لها، بأنه ليس أكثر من عمل اضطراري يلجأ إليه للتنفيس من ضغط الشعور بالعجز في المواجهة، وإحداث أي ثغرة تمكنه من إعادة بناء الأمل في إنهاء قدرة وإصرار المقاومة.
الأمر من ناحية ثانية، يعد محاولة بائسة لكسر حالة الجمود التي يعيشها مشروعهم التلمودي، وبالتالي الحفاظ على قطعان الغاصبين في وضعية التأييد والبقاء في الأرض المحتلة. هذه الحقيقة لا تتشكل فقط بفعل البناء على المعطيات وما شهدته عقود من هذه السياسة، وإنما حالة اليأس التي عانى منها قادة الكيان وهم يُعبرون في كثير من المناسبات أن ما تصوروا فيه الضربة القاضية للمقاومة ظهر عكسياً.
استسلام لحالة العجز
سوء التقدير ظل دائماً يرافق التوجهات والإجراءات الصهيونية، ومنذ أكثر من (75) عاماً لم يُثبِت قادة الاحتلال -ومن ورائهم قادة الحركة الصهيونية- أي حنكة في التقدير، بقدر تفوقهم في الغدر وتعدِّيهم على أخلاقيات الحرب، ويأتي اغتيال قائد كتائب القسام الشهيد عز الدين الحدّاد في هذا السياق، إلا أن العمل الجبان منح القائد الحداد الشهادة ومنحهم الخزي.
بهذا العمل، إنما يتأكد استسلام العدو لحالة العجز التي يعيشها، وتسويق نفسه كفاشل في إنجاز أي نصر حاسم، وهي عُقدة متراكمة منذ عقود طويلة استخدم خلالها شتى الوسائل في السلاح وأشكال الغدر، ضد مقاتلين وقادة سياسيين وعسكريين عرب وفلسطينيين. وإثر ذلك تحول إلى “قاتل مأجور” أو سفاح يسابق للحصول على مكافأة، أو مرتهن لحالة سياسية فوضوية تجعل من القتل وسيلة لتغيير أو تأجيل مسارات معينة، أو امتصاص حالة احتقان لفترة من الوقت.
التفاف شعبي حول المقاومة
في المحصلة لم يحقق العدو الإسرائيلي أي نتيجة استراتيجية تبعد عنه شبح المفاجآت القادمة من أصحاب الحق، وتؤكد الدراسات البحثية القائمة على استقراء الأحداث أن الأثر العكسي من عمليات الاغتيال لقادة المقاومة كان دائماً هو ما يحدث؛ فالاغتيال كان يؤدي إلى تماسك جبهة المقاومة والتفافها حول بعضها بديناميّة لا مثيل لها، فضلاً عن الالتفاف الشعبي حولها.
عندما قام العدو الصهيوني باغتيال السيد عباس موسوي أمين عام حزب الله السابق في فبراير 1992، تصور أن ذلك سيدخل حزب الله في فوضى لبعض الوقت ثم يتلاشى، إلا أن ما حدث كان تحولاً دفع بالكيان والحركة الصهيونية عموماً إلى الاهتمام بتخزين السلاح وتطويره، إذ جاء بعده الشهيد السيد حسن نصر الله الذي نجح في “تحويل الحزب من جماعة صغيرة إلى جيش منظم”، حقق أكثر من انتصار على العدو.
لا ضمان لأمن الغاصبين
ظلت التصورات الخاطئة هي مرجعية اللجوء الصهيوني لسياسة الاغتيالات، ولذلك لم يتمكن الكيان من تحقيق أي إنجاز، بل إن ردود الفعل الناتجة عن عملياته غالباً ما كانت تأتي عنيفة وبمستوى فعل الاغتيال، الأمر الذي تسبب في تراكم القناعة لدى جمهور الغاصبين بأنه لا يمكنهم أن يضمنوا ثبات وجودهم على أرض محتلة، ما يُبقي في أذهانهم حقيقة أن هناك شعباً صاحب حق ويأبى أن ينكسر أمام كل العنف الذي تمارسه عصابة كيانهم المسلحة وبأعتى أنواع الأسلحة.
في العام 2002، اغتال كيان الاحتلال القياديَّ في كتائب شهداء الأقصى في طولكرم رائد الكرمي، وما نتج عن ذلك كان موجعاً للمحتلين، إذ شهدت المغتصبات موجة عمليات تفجير عنيفة نفذها عناصر الحركة، ثم تبع ذلك عمليات تفجير نفذتها حركة فتح داخل الخط الأخضر، الأمر الذي أثار حينها جدلاً واسعاً حول جدوى وأخلاقية وقانونية الاغتيالات.
قبل ذلك بسنوات قليلة، ومع بدء بزوغ نجم حركة الجهاد الإسلامي، نفذت استخبارات العدو عام 1995 عملية الاغتيال الجبانة بحق الأمين العام السابق للحركة فتحي الشقاقي في مالطا، لم يؤد هذا العمل إلى تراجع الحركة، وإنما زاد نشاطها بشكل ملحوظ جعل منها رقماً صعباً في ساحة الفعل المقاوم الفلسطيني.
تصعيد العمل المقاوم
في العام التالي 1996، اغتالت عصابة الاحتلال المهندس الأول لكتائب القسام يحيى عياش، وبدلاً من أن يؤدي ذلك إلى تراجع عمليات المقاومة، إذا بيوميات الاحتلال تشهد تصعيداً في العمل المقاوم، حيث أطلقت بعد عملية الاغتيال سلسلة عمليات “الثأر المقدس” التي عصفت بنظريات الاحتلال الأمنية.
ويخلص بحث “الاغتيالات الإسرائيلية من ممارسة سرية إلى سياسة ممنهجة وعلنية” إلى نتيجة مفادها: لا يوجد بحث واحد ولا تجربة تثبت أن سياسة الاغتيالات حققت الردع أو ساهمت في تخفيف حدة العنف، بل على العكس من ذلك تثبت التجربة العملية أن هذه السياسة قادت إلى تأجيج العنف وتوسيع دائرة المنخرطين فيه وتوسيع نطاقه.
حتى اعتبار العدو للاغتيال أنه عملية وقائية، تنسف المعطياتُ هذا التصور، كما حدث مع حزب الله وحركة المقاومة حماس التي كانت تتخلق من جديد كلما استهدف العدو أحد قادتها، ليتبقى عامل التخويف بالموت رهان العدو بأن يخلق حالة ردع في صفوف المقاومين، مدعوماً بتجاوز كل الاعتبارات التي يمكن أن تهذب حتى من عمليات الاغتيال، فاغتال في عام 2004 الشهيدَ أحمد ياسين رغم كبر سنه وعجزه عن الحركة، وفي نفس العام الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
قِصَرُ نظر العدو الإسرائيلي
عمد العدو الإسرائيلي كثيراً إلى استثمار ما ينفذه من عمليات اغتيال لقادة المقاومة لتسويق فُقاعته القائلة، “اليد الطولى لإسرائيل”، وبغض النظر عن الإسهام الأمريكي في تمكينه من تنفيذ عملياته، فإن المسار النضالي للمقاومة أثبت قصر نظر العدو في التعامل مع مفهوم “اليد الطولى”. فاتجاه نتائج ما ينفذه العدو من عمليات كان غالباً لا ينسجم مع أهدافه في التأثير على المقاومة، ما يجعل استراتيجيته مجرد “قتل لأجل القتل”، وهو ما يؤكده اغتياله حتى لمفكرين وسياسيين وأدباء مثل الأديب غسان كنفاني، والشاعر كمال ناصر، والروائي ماجد أبو شرار، والمفكر السياسي إبراهيم المقادمة، ورسام الكاريكاتير الشهير ناجي العلي.
العقود الماضية منذ احتلال الأراضي الفلسطينية كانت مملوءة بمشاهد الجريمة، لكنها لم تسجل تراجعاً للمقاومة، وسقطت ورقة أخرى راهن عليها العدو للانتهاء من هذا الفصل الممتد، من إقلاق واقعه وتهديده المستمر.
لا تقتل الفكرة
بات المتفق عليه من الجميع أن المقاومة “فكرة” مترسخة في نفوس الفلسطينيين وأصحاب الحق، ما يجعل مقومات حياتها وبقاءها أقوى من أعمال قتل صبيانية قد تحقق نشوة آنية للمجرم، لكنها تبقى بعيدة عن مستوى التأثير في “الفكرة”.
ويؤكد المركز الفلسطيني للإعلام أن “الاغتيالات الإسرائيلية قد تقتل قائداً لكنها لا تقتل الفكرة”، ويقول المركز: “التجربة التاريخية الممتدة منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وحتى الحرب الأخيرة على غزة، تكشف أن هذه السياسة -رغم ما تسببه من خسائر بشرية وتنظيمية- لم تنجح في إنهاء المقاومة أو وقف حضورها الشعبي والعسكري”.
وقد مثلت كل جولات الاستهداف للفلسطينيين عمليات اغتيال بذاتها، استشهد فيها كل الفئات العمرية، غير أن المفاجآت ظلت تعصف بأوهام المعتدي الصهيوني، فيما تحاصره حيثيات ارتكاب جريمة القتل خارج القانون، وكثيراً ما دخلت حكومات العدو في دوامة من الجدال مع الداخل المحتل، ليس دفاعاً عن الفلسطينيين، وإنما خشية تعزيز الصورة الدموية لكيانهم، ما يُبقيهم دائماً عرضة للعزلة، وبالتالي تأتي سياسة الاغتيالات بنظائر عكسية.
ما استحكم بنظام الكيان
بدأت الذروة الطويلة الممتدة حتى اليوم لعمليات الاغتيال مطلعَ السبعينات على يد السفاح الشهير “أرييل شارون”، الذي شكّل وحدة خاصة لتنفيذ الاغتيالات ضد قادة الخلايا الفلسطينية في القطاع، وأُطلق عليها وحدة “ريمونيم”، إلا أن ما أعقبه أثبت “سذاجة” اعتماد هذه السياسة؛ ففيما كان التصور أنه تم إنهاء الخلايا، إذا بـ”انتفاضة الحجارة” تهز أركان العدو وتكشف تخلُّف حساباته، ليعاود جولة التنفيس عن حالة الغيظ من هذا الإصرار الفلسطيني المقاوم فيغتال العشرات، وإذا به بعدها في مواجهة انتفاضة الأقصى عام 2000.
وفي العام 2006، أضفت محكمة الكيان العليا، “الشرعية” على استخدام الاغتيالات ضد قادة ونشطاء حركات المقاومة، ليؤكد ذلك أن الإجرام المدعوم بـ”الغباء” كان أمراً مستحكماً في بُنية نظام الكيان الصهيوني. رغم كل ذلك أظهرت التجربة الفلسطينية أن المقاومة نجحت على الدوام في إعادة بناء هياكلها القيادية بصورة طبيعية، ولم تغيّر سياسة الاغتيالات مسار الصراع، ولم تنهِ مقاومة أو تكسر إرادتها.
