من وعد بلفور إلى طوفان الأقصى.. الصمود الفلسطيني يحبط مخطط التهجير الجديد
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 مايو 2026مـ – 30 ذو القعدة 1447هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يثبت الشعب الفلسطيني بعطائه وصموده وصبره تمسكه بأرضه وحقوقه الوطنية على الرغم من العدوان المتكرر عليه منذ أكثر من سبعة عقود.
ويحيي الفلسطينيون هذه الأيام الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة في ظل معاناة وواقع مأساوي في غزة والضفة وبقية المناطق المحتلة، وإصرار صهيوني على احتلال قطاع غزة، وتهجير الفلسطينيين، وإحداث نكبة فلسطينية جديدة، وبأدوات أكثر تطوراً وفتكاً، تقوم على الحرب الشاملة والحصار والتدمير المنهجي لمقومات الحياة.
وبينما كان الفلسطينيون يستعيدون سنوياً حكايات اللجوء الأولى، فرض العدوان الصهيوني الظالم على غزة واقعاً جديداً أعاد إنتاج مشاهد النكبة بصورة أكثر قسوة، فالنزوح لم يعد ذكرى يرويها الأجداد، بقدر ما أصبح تجربة يومية يعيشها مئات آلاف الفلسطينيين تحت القصف وأوامر الإخلاء المتكررة، وبات العنوان الأبرز للفلسطينيين في قطاع غزة هو خوض المعركة مع كيان العدو الإسرائيلي من أجل البقاء.
وفي السياق يؤكد الخبير الفلسطيني في شؤون العدو الإسرائيلي، أنور ياسين أن العدو الإسرائيلي يسعى إلى القضاء تماماً على القضية الفلسطينية وتصفيتها وتغييبها، مشيراً إلى أن معركة “طوفان الأقصى” جاءت لتعيدها إلى الواجهة، كما أعادت الاهتمامبحقوق الشعب الفلسطيني.
ويقول ياسين في حديثة لقناة “المسيرة” بهذه المناسبة إن الشعب الفلسطيني بعطائه وصموده وصبره وتحمله والبطولات التي قدمها على مدار هذه العقود الطويلة أثبت تمسكه بأرضه وحقوقه الوطنية، رغم العدوان والحروب والضغوط ومحاولات الإخضاع، مشدداً على أن الفلسطينيين “شعب حي لا يمكن إزالته أو كسر إرادته”.
ويوضح أن كيان العدو الإسرائيلي، كيان لقيط شكّل منذ زرعه في المنطقة ثكنة عسكرية متقدمة للقوى الاستعمارية الغربية، حيث انتقلت رعايته من الاستعمار البريطاني والفرنسي إلى الإمبريالية الأمريكية، مشيرًا إلى أن الممارسات الراهنة لحكومة اليمين المتطرف بقيادة المجرم نتنياهو تكشف بوضوح عن عقلية إجرامية ومخطط توسعي كبير لإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى” عبر السيطرة على مساحات واسعة من الوطن العربي، وليس احتلال فلسطين فقط.
ويرى أنه وعلى الرغم من استخدام العدو لأحدث التكنولوجيات والطاقات العسكرية وممارسة شتى أنواع الإرهاب والتدمير لكسر إرادة المقاومة، إلا أن مظاهر الضعف والهوان بدأت تظهر جلياً على الكيان الصهيوني وأدواته، معتبراً أن حجم الآلام والتضحيات الكبيرة والجراح المستمرة في قطاع غزة وهذه التضحيات كانت ضرورية لإحياء القضية واستعادة مكانتها الطبيعية بين الأمم الحرة، وإسقاط مشاريع التصفية والانحراف عن الحقوق الشاملة للشعب الفلسطيني، كمشروع أوسلو، الذي قسم فلسطين إلى دولة للكيان الصهيوني، ودولة فلسطينية، ولكن هذا الوهم قد أسقطه طوفان الأقصى.
وفي سياق تحليله لمواقف الأنظمة العربية الرسمية، المتخاذلة بدءاً من النكبة إلى التطبيع، يؤكد ياسين، أن تلك الأنظمة خائنة لفلسطين، ولقضايا الأمة، وخائنة لحريتها وسيادتها، منذ البداية، مشيرًا إلى أن “مدرسة آبستين” فعلت فعلها مبكراً في الأنظمة العربية المتخاذلة، التي كوت وعي الشعوب، من خلال تبعيتها للأنظمة الاستعمارية والقوى الإمبريالية العالمية، التي جعلتها تدير شؤون بلادها بوحي الاستعماري، وبإدارة وبمساعدة أمريكية غربية، وجعلها تحكم بلدانها بالحديد والنار، بعيدًا عن إرادة شعوبها، وبتنسيق مع الاستخبارات الخارجية والقوى الاستعمارية والقوى الاحتلالية الموجودة في المنطقة لضمان بقائها.
أوسلو أسوأ من النكبة
وتبرز الكثير من العوامل التي ساهمت في استمرار النكبة للشعب الفلسطيني، وأبرزها غياب القيادة والأنظمة السياسية الوطنية والتي أدمنت الهزيمة واستكانت لها، واختارت الخضوع للمشاريع الغربية والصهيونية.
وينتقد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح بشدة الأصوات والمواقف التشكيكية التي تهاجم المقاومة وتتهمها بـ”منح الأعداء الذرائع”، واصفاً أصحاب هذا الفكر بأنهم “أعراب” أتقنوا ثقافة الهزيمة وارتضوا الخنوع والتبعية للخارج نتيجة “شعور دائم بالدونية والنقص والرغبة في وجود سيد متحكم”، مؤكدًا أن عملية طوفان الأقصى شكلت محطة تاريخية حاسمة اعترف فيها العالم أجمع بتهشيم المشروع الصهيوني والإمبريالي.
واستعرض المحلل السياسي في حديثه لقناة “المسيرة” محطات من التاريخ العربي، مشيراً إلى أنه حتى في المحطات التي تحقق فيها إنجاز أو نصر، كما حدث في حرب عام 1956 أو الإنجاز العظيم في حرب 1973، كان هناك دائماً من يسعى لتحويل النصر إلى هزيمة لإرضاء الولايات المتحدة، أو تجييره لصالح قوى دولية كالإنذار السوفيتي أو الأمريكي، متجاهلين قدرات الأمة وذواتها.
واعتبر الصباح “اتفاقية أوسلو” بأنها تمثل أسوأ نكبة في تاريخ الشعب الفلسطيني والأمة، لكونها جرت تحت غطاء “الإنجاز والوهم والكذب”، وفتحت الباب على مصراعيه للمستوطنين لاحتلال الضفة الغربية، وتدنيس المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، وسرقة الأرض والماشية وقتل وحرق المواطنين.
وحيا الصباح الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة، والقتال المستمر للمقاومة في لبنان، والوقوف الشجاع لليمن في وجه الولايات المتحدة الأمريكية، وامتداد جبهة الإسناد من طهران وبغداد ودمشق وصولاً إلى صنعاء التي وصفها بـ”عاصمة العرب والمقاومة والإباء.
ويضيف الصباح: “إن الذي يعتقد بأن هذه الأمة قد ماتت هو واهم؛ فقد تمر الأمم بمراحل من الاستكانة والذل، لكن التاريخ أثبت أن هذه الأمة ولّادة وحية، وأن صمود غزة ولبنان واليمن في وجه الآلة الصهيونية والأمريكية هو الدليل القاطع على أن شعوب المنطقة ترفض الخروج من خارطة الفعل الإنساني، وأن ملامح الانتكاسة ستزول بزوال الأنظمة والقيادات الخاضعة لإملاءات الأعداء”.
التطبيع نكبة إضافية
ولم تقتصر الأنظمة العربية وحكامها على التواطؤ مع القضية الفلسطينية، وإنما وصلوا إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال التطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي، والتعاون معه في شتى المجالات كما هو حال الإمارات العربية المتحدة.
ويرى الخبير الفلسطيني في شؤون العدو الإسرائيلي، أنور ياسين أن العدو حقق نجاحاً كبيراً في تحقيق أهدافه المتمثلة بتشتيت الأمة، وخلق صراعات فيما بينها، مؤكداً أن الأنظمة العربية لم تفلح في لم شمل الشعوب العربية، لتتفرغ في مواجهة الكيان الصهيوني على كافة المستويات، مبيناً أن اتفاقات التطبيع مهدت الطريق لتجزئة الصراع، وإعطاء الاحتلال والاستعمار مساحة واسعة من الوقت لبرمجة مشاريعه وخططته من أجل المزيد من السيطرة والتحكم بمقدرات هذه الأمة والهيمنة عليها، واستخدام مواردها الطبيعية.
ويعد صمود غزة ولبنان واليمن، وامتداد جبهة المقاومة من طهران إلى صنعاء، هو الدليل على أن الأمة “ولّادة وحية”، وأن ملامح الانتكاسة ستزول بزوال الأنظمة الخاضعة لإملاءات الأعداء.
