بعد شهرين على العدوان.. تقييمات استخبارات أمريكية تُفشل “رواية النصر” وتكشف صموداً إيرانياً غير متوقع
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 مايو 2026مـ – 27 ذو القعدة 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
حرب بلا نصر وسلام بلا استقرار
قبل شهرين، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب عملية عسكرية واسعة ضد إيران، وعد خلالها الأميركيين بـ”نصر حاسم” و”تفكيك كامل” للقدرات العسكرية والنووية الإيرانية، لكن مع دخول وقف إطلاق النار في شهره الثاني، بدأت بوادر المأزق تظهر بوضوح، حيث كشفت وثائق وتقييمات استخباراتية أميركية سرية أن الصورة التي رسمتها الإدارة الأميركية عن “جيش إيراني محطم” لا تتطابق مع الحقائق على الأرض، وأن طهران لا تزال تحتفظ بمعظم قدراتها الصاروخية والنووية، بل إنها تمكنت من استعادة الوصول العملياتي إلى معظم مواقعها الاستراتيجية على طول مضيق هرمز.
هذا التقرير -المعتمد على قراءة متأنية لأحدث التقارير الصادرة عن صحف أميركية كبرى مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”رويترز” و”وول ستريت جورنال”- يقدم رواية مغايرة تماماً لسردية البيت الأبيض، ويؤكد أن ما يجري لا يمكن أن يكون نصراً أميركياً، بقدر ماهو مأزق استراتيجي فُتحت فيه أبواب الجحيم على أميركا من دون أن تلمس طهران أدنى بوادر الانهيار.
جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، يصف ورطة ترمب بـ الفخ الإيراني الذي صنعه ترمب بنفسه. ويضيف أن الرئيس الأمريكي لم ينهِ المهمة، ومنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترتيب صفوفه
تقييمات “نيويورك تايمز” تكشف أن القوات الإيرانية أقوى مما يُعلن
في تقرير صادم، نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” يوم 12 مايو 2026، كشف الصحافيان آدم إنتوس وماغي هابرمان أن تقييمات استخباراتية أميركية سرية أظهرت أن إيران استعادت القدرة على تشغيل “30 موقعاً صاروخياً من أصل 33 موقعاً” على امتداد مضيق هرمز، ما يعني أن قدرتها العسكرية لا تزال أقوى بكثير مما صرح به الرئيس ترمب مراراً. وأضافت الصحيفة أن التقييمات الجديدة تشير إلى أن “الصورة العلنية التي تقدمها إدارة ترمب عن جيش إيراني محطم تتناقض بشدة مع ما تقوله وكالات الاستخبارات الأميركية لصناع القرار خلف الأبواب المغلقة”.
وبحسب الصحيفة ذاتها، فإن طهران لا تزال تحتفظ بنحو “70% من مخزونها الصاروخي الذي كان لديها قبل الحرب”، إضافة إلى “70% من منصات الإطلاق المتحركة”، فيما عادت نحو “90% من منشآت التخزين والإطلاق تحت الأرض للعمل”، وهي الآن مصنفة في التقييمات الأميركية على أنها “صالحة جزئياً أو كلياً للخدمة”. وهذه الأرقام، كما تشير “نيويورك تايمز”، “تقوض شهوراً من التأكيدات العلنية التي قدمها الرئيس ترمب ووزير حربه بيت هيغسيث”.
وينقل المراسل الاستقصائي آدم إنتوس عن مسؤولين أميركيين مطلعين على التقييمات قولهم إن “الأكثر إثارة للقلق لدى بعض كبار المسؤولين هو الأدلة التي تشير إلى أن إيران يمكنها استخدام قاذفات متحركة داخل هذه المواقع لنقل الصواريخ إلى مواقع أخرى، بل وحتى إطلاق الصواريخ مباشرة من منصات الإطلاق الموجودة في هذه المنشآت”.
واشنطن بوست تؤكد: حصار هرمز ليس حلاً سحرياً
لم تكن “نيويورك تايمز” وحدها من أخرجت رواية أميركية مضادة للسردية الرسمية، ففي تقرير آخر، كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، نقلاً عن تقييمات استخباراتية سرية حصلت عليها من أربعة أشخاص مطلعين على الملف، أن “إيران يمكنها الصمود في وجه حصار بحري أميركي لمضيق هرمز لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر على الأقل قبل أن تواجه ضائقة اقتصادية أعمق بكثير”. وأضافت الصحيفة أن التقييمات أكدت أن طهران لا تزال تحتفظ بـ “75% من قاذفاتها المتحركة” و “70% من مخزونها الصاروخي” الذي كانت تملكه قبل الحرب، مع وجود أدلة على أن النظام استعاد القدرة على “إصلاح بعض الصواريخ التالفة، بل وتجميع بعض الصواريخ الجديدة التي كانت شبه مكتملة”.
وتنقل الصحيفة عن مسؤول أميركي كبير قوله، في إشارة إلى ما وصفته بـ”مقارنة محرجة” بين تصريحات ترمب وحقيقة الميدان: “الرئيس متفائل للغاية في تقييماته العلنية؛ فقد قال في 6 مايو إن مخزون الصواريخ الإيراني قد دُمّر بنسبة قد تصل إلى 81% أو 82%، وهو تقدير يتناقض بشكل صارخ مع ما تقوله وكالات الاستخبارات”. وأشار التقرير نفسه إلى أن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن قدرة طهران على تحمل الضغوط “قد تكون أكبر مما تتوقعه وكالة الاستخبارات المركزية”.
وفي قراءة أعمق للموقف، يرى مسؤول أميركي آخر أن “القيادة في طهران أصبحت أكثر تشدّداً وإصراراً وثقة في قدرتها على تحمل الإرادة السياسية الأميركية”، ملمحاً إلى أن استمرار الحصار دون انهيار النظام يعني أن إيران قد تكون مستعدة لحرب استنزاف طويلة، على غرار ما حدث مع أنظمة أخرى تحملت حصاراً اقتصادياً لسنوات.
ماذا عن البرنامج النووي الإيراني؟
ربما يكون الهدف الأهم والعنوان الكبير الذي استخدمته واشنطن لتبرير عدوانها هو تفكيك القدرة النووية الإيرانية، لكن تقريراً حصرياً نشرته وكالة “رويترز” في 4 مايو 2026، وتداولته مختلف وسائل الاعلام العاليمة، يفضح هذه المزاعم، فقد أفادت الوكالة -نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية الأميركية- بأن “المدة التي قد تحتاجها إيران لبناء سلاح نووي لم تتغير منذ الصيف الماضي، عندما قدر المحللون أن الهجوم الأميركي الإسرائيلي آنذاك دفع الجدول الزمني إلى نحو عام”، وذكر التقييم أن الوقت اللازم لإيران لإنتاج قنبلة نووية لا يزال يتراوح بين “9 و12 شهراً”، وهو ما يمثل فشلاً استخباراتياً وسياسياً كبيراً، لأن هذا يعني أن الحرب لم تحقق أي تقدم فعلي في هذا الملف الحساس.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن “أحدث الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير ركزت على أهداف عسكرية تقليدية، ورغم أن إسرائيل ضربت عدداً من المنشآت النووية الكبرى، إلا أنه لم يتغير الموقف كثيراً”. ويشير التقرير إلى أن تعطيل البرنامج النووي الإيراني بشكل جذري قد يتطلب تدمير أو إزالة مخزون إيران المتبقي من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو أمر لم يحدث، وفي هذه الجزئية تبدو رواية وكالة الاستخبارات الأميركية متناقضة مع تصريحات البيت الأبيض التي توعدت بـ”محو البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل”.
“وول ستريت جورنال” أزمة وقود وذخائر مرهقتان
إذا كانت طهران صامدة عسكرياً واستخباراتياً، فإن الثمن الذي يدفعه الأميركيون أنفسهم أصبح باهظاً بشكل غير مسبوق، ففي تقرير حديث ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن تكلفة الحرب على إيران قفزت إلى “29 مليار دولار” حتى الآن، وفقاً لإفادة مسؤولي البنتاغون أمام الكونغرس، لكن هذه التكلفة -كما حذرت السيناتور باتي موراي- “مريبة بانخفاضها”، لأنها لا تشمل تكاليف إعادة بناء القواعد العسكرية الأميركية التي تعرضت لهجمات انتقامية إيرانية، بما فيها القاعدة التي قُتِل فيها 6 جنود أميركيين في الكويت.
والأكثر إثارة -وفقاً للإعلام الأمريكي- أن الحرب تسببت في موجة تضخم جديدة تضرب المواطن الأميركي مباشرة، فقد أظهرت أحدث أرقام “مؤشر أسعار المستهلك” الذي صدر بالتزامن مع جلسات الكونغرس، أن التضخم السنوي ارتفع إلى “3.8%”، وهو الأعلى منذ عام 2023، وذلك بسبب الزيادة الهائلة في تكاليف الطاقة والوقود. وبحسب وزارة العمل، ارتفعت أسعار البنزين بنسبة “28.4%” مقارنة بالعام الماضي، بسبب شلل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان يعبره خُمس النفط العالمي يومياً. وتعكس الأرقام “فشل الإدارة الأميركية في تقديم أي خطة طوارئ لمواجهة الغضب الشعبي المتزايد إزاء ارتفاع فواتير الطاقة والمواد الأساسية”.
ولا تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي فحسب؛ فالحرب أدت إلى استنزاف هائل للذخائر الحيوية في الجيش الأميركي. ففي تقرير سابق لـ “وول ستريت جورنال”، حذر خبراء عسكريون من أن القوات الأميركية استهلكت نحو “ثلث مخزونها من صواريخ توماهوك” خلال الأسابيع الأولى من القتال، وهو ما يعني أن أي مواجهة جديدة ستضعف القدرة الردعية الأميركية لسنوات قادمة. وأضافت الصحيفة أن البنتاغون يتوقع حاجة ماسة إلى إعادة تخزين هذه الذخائر التي قد تستغرق أعواماً لتعويضها.
تأكيدات إيرانية غير مباشرة: صمود وثقة راسخة
السردية المستقاة من الوقائع الميدانية والبيانات المتفرقة تؤكد أن طهران تخرج من هذه الحرب بثقة أكبر، فمن خلال استعادة 90% من منشآتها تحت الأرض، وامتلاكها القدرة على فتح المضيق أو إغلاقه في أي لحظة، وإعلانها عبر مسؤولين عسكريين سابقين أن “يدها على الزناد”، تبدو إيران وكأنها تتعامل من موقع قوة لا من موقع انهزام.
المصادر الإيرانية غير الرسمية -ومن خلال تحليلات خبراء- تشير إلى أن طهران ترى أن ترمب هو من وقع في “فخ استراتيجي”؛ فبدلاً من أن يكون انسحابه منتصراً، أصبح مضطراً للقبول بوقف إطلاق نار دون شروط، في وقت لا يزال فيه الحرس الثوري يحتفظ بقدرات هائلة تسمح له بضرب أي هدف في الخليج إذا أراد. ويرى محللون عسكريون أن “التقييمات الأميركية المسربة تؤكد شيئاً واحداً هو أن إيران لم تكن أبداً الدولة الضعيفة التي حاول ترمب تصويرها، وأن الخطاب الأميركي عن ‘النصر الكامل’ كان مجرد فبركة انتخابية قبل أن يواجه الجيش الأميركي حقيقة التحصينات والمرونة الإيرانية”.
مأزق بلا مخرج
بعد شهرين من الحرب، تقف الولايات المتحدة أمام مأزق ثلاثي: عسكرياً فشلت في تحقيق الهدف المعلن بتفكيك القدرات الإيرانية. اقتصادياً يعاني الأميركيون من تضخم خانق وأسعار وقود قياسية، وسياسياً أصبحت إدارة ترمب متهمة من قبل الاستخبارات نفسها بالمبالغة وتضليل الرأي العام.
وفي المقابل، استعادت إيران معظم قدراتها، وأثبتت أن “النصر الكامل” الذي رفعه ترمب لم يكن سوى وهم في منطقة رمادية لا تعرف إلا القوة الحقيقية على الأرض.
