بين أنطوني إيدن ودونالد ترامب متلازمة “السويس” وشبح الانحسار.. قراءة في زيارة ترامب للصين “الهروب إلى الأمام”

1

ذمــار نـيـوز || تحليلات||
14 مايو 2026مـ – 27 ذو القعدة 1447هـ

تحليل | مطيع حسين الفقيه

لفهم ما يمر به ترامب، يجب العودة إلى العام 1956؛ حينها ظن رئيس الوزراء البريطاني “أنطوني إيدن” أن العدوان على مصر سيعيد الهيبة لبريطانيا العظمى، لكنه لم يدرك أن موازين القوى قد تغيرت. انتهى به الأمر مستقيلاً، وشاهد إمبراطوريته تتحول إلى “تابع” لواشنطن.

ترامب اليوم يعيش “رهاباً ذهنياً” من أن يُسجل التاريخ أنه “إيدن الأمريكي”. بعد فشل عدوانه الأخير على إيران وعدم قدرته على تحقيق “نصر سينمائي”، أصبح يخشى أن تظهر أمريكا في عهده كـ”نمر من ورق”. زيارته للصين هي محاولة لترميم هذه الصورة، ليس عبر القوة، بل عبر “صفقة كبرى” يظن أنها ستحفظ له مكانه في التاريخ كمنقذ للهيمنة الأمريكية، بينما هي في الواقع اعتراف ضمني بنهاية عصر القطب الواحد.

صراع الإرادات
لا يختلف اثنان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو خلّاط المتناقضات، فهو يتناقض مع نفسه أكثر من عدد الوجبات التي يأكلها في اليوم. وقد يبدو من التناقض أن ترامب وهو”مفتعل الصراعات”، هو ذاته يسعى لتجميدها. لكن التفسير يكمن في ما يُعرف بـ “نظرية الفوضى المحكومة”:

ترامب أدرك أن الحرب على إيران ليست “نزهة”؛ فاستنزاف المنظومات الدفاعية الأمريكية مثل “ثاد” و”باتريوت” أمام الصواريخ الإيرانية والمسيّرات. جعل القواعد الأمريكية في الخليج مكشوفة تماماً. هو يريد “تجميداً” مؤقتاً ليعيد بناء ترسانته التي تآكلت، وليهدئ أسواق النفط التي تهدد فرص بقائه السياسي، ثم يعود لاستئناف الحرب. لكنه هنا يصطدم بالمعضلة الصهيونية والضغط الإسرائيلي، إذ يواجه ترامب ضغطاً هائلاً من اللوبي الصهيوني و”حكومة” العدو الإسرائيلي في “تل أبيب” التي ترى في “الانتصار المستحيل” ضرورة وجودية. ترامب -بزيارته للصين- يحاول إقناع الصهاينة بأن “الخنق عبر الصين” هو بديل أكثر ذكاءً من “الانتحار العسكري” في مضيق هرمز. هو يذهب إلى بكين ليقول للإسرائيليين: “سأجعل الصين تقوم بالمهمة القذرة وتدفع إيران للاستسلام دبلوماسياً، بدلاً من خسارة جيشنا في حرب استنزاف”.

تفاصيل الورقة الاقتصادية: الحرب التجارية التي تحولت إلى “مقايضة بقاء”
لم تعد العلاقة الاقتصادية مجرد استيراد وتصدير، بل أصبحت “رهينة متبادلة”، فالولايات المتحدة تحاول الضغط برفع التعرفة الجمركية، وقد لوح ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على السيارات الكهربائية الصينية وتقنيات الطاقة الخضراء، فهو يعلم أن الصين تعاني من تباطؤ في النمو وتحتاج للسوق الأمريكية لتصريف فائض إنتاجها.

في المقابل يأتي الرد الصيني على طريقة “السم الهادئ”، فالصين تمتلك “السلاح النووي الاقتصادي” وهو سندات الخزانة الأمريكية التي تمتلكها الحكومة الصينية، فحسب بيانات فبراير 2026 تبلغ حيازة الصين من سندات الخزانة الأمريكية حوالي 693.3 مليار دولار. هذا الرقم يمثل انخفاضاً مستمراً مقارنة بالسنوات الماضية، حيث كانت الحيازة في يناير 2026 نحو 694.4 مليار دولار، وهو مسار نزولي (من القمة إلى القاع)، إذ كانت الذروة التاريخية في العام 2013، حيث بلغت حيازة الصين لتلك السندات آنذاك 1.316 تريليون دولار، ومنذ ذلك الحين، خفضت الصين استثماراتها في هذه السندات بنسبة تقترب من 48%.

بكين -بهذه الاستراتيجية- تعتمد “تكتيك التسييل الهادئ”، لعدة أسباب استراتيجية تخدم موقفها في مواجهة ترامب، والسبب الأهم هو تجنب “سلاح العقوبات”، فبعد رؤية تجميد الأصول الروسية في الخارج، تخشى الصين أن تستخدم واشنطن سيطرتها على النظام المالي (الدولار) لمصادرة أموالها في أي لحظة مزاجية من ترامب. كما أن الصين تعمل اليوم على تنويع الاحتياطيات (الذهب والعملات)، فبدلاً من شراء الديون الأمريكية، يتجه بنك الشعب الصيني بشكل مكثف لشراء الذهب؛ حيث وصلت احتياطياتها إلى أكثر من 2298 طناً، بهدف تقوية “اليوان” كبديل عالمي للدولار.

من هنا تأتي أهمية سندات الخزانة الأمريكية المملوكة للصين في سياق زيارة ترامب، فعندما يجلس ترامب مع الرئيس “تشي”، فهذا يمثل الرقم (693 مليار دولار)، وهو ورقة قوة صينية مزدوجة: فهي تهديد للأمريكي لأن أي تسييل سريع وفجائي لهذا المبلغ سيتسبب في قفزة هائلة في عوائد السندات الأمريكية، ما يعني ارتفاع تكلفة المعيشة على المواطن الأمريكي، وانهياراً في أسواق المال، وهو كابوس سياسي لترامب. وهي أيضا ورقة استقلال صيني، فتراجع هذه الحيازة إلى ما دون 700 مليار يعني أن “قبضة” واشنطن المالية على بكين تضعف؛ فكلما قلّ ما تملكه الصين من دولارات، قلّت قدرة أمريكا على ابتزازها اقتصادياً. والخلاصة أن بكين إذا قررت بيع جزء ضخم من هذه السندات، سينهار الدولار وترتفع نسب الفائدة في أمريكا لمستويات كارثية.

الصين أيضاً تسيطر على “العناصر الأرضية النادرة” الضرورية للصناعات العسكرية الأمريكية؛ وبدونها، لا يمكن لترامب بناء طائرة F-35 واحدة. لذا، المفاوضات في بكين هي “رقصة اقتصادية على حافة الهاوية”.

تفكيك التحالفات الغربية.. كيف يلعب التنين على تناقضات البيت الأبيض؟
الصين تدرك أن أمريكا ترامب أصبحت “شريكاً غير موثوق فيه”. تستغل بكين هذه النقطة لتفكيك الناتو والتحالفات الآسيوية عبر الإغراء الاقتصادي لأوروبا، فالصين تقول للأوروبيين: “بينما يفرض ترامب عليكم رسوماً ويجركم لحروب في “الشرق الأوسط”، نحن نقدم لكم تجارة مستقرة واستثمارات”. كما أنها تعمل على عزل واشنطن، فهي تحاول إقناع دول مثل ألمانيا وفرنسا بأن مصالحها مع “طريق الحرير” أكبر من مصالحها مع مغامرات ترامب العسكرية. هذا يخدم هدف الصين الاستراتيجي بجعل أمريكا “جزيرة معزولة” سياسياً، حتى وهي لا تزال قوية عسكرياً.

مبادرة “الحزام والطريق”: المشروع الذي يرعب واشنطن
مشروع “طريق الحرير” الجديد المعروف باسم “الحزام والطريق”، هو أضخم مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، يربط الصين بآسيا، أوروبا، وأفريقيا عبر شبكة من السكك الحديدية والموانئ. يخشى الأمريكيون هذا لأنه يخلق نظاماً مالياً وتجارياً موازياً للدولار. إذا نجح هذا الطريق، فلن تعود العقوبات الأمريكية ذات قيمة، لأن البضائع والنفط ستمر عبر طرق برية لا تستطيع البحرية الأمريكية اعتراضها.

وهنا قد يَعِد ترامب بـ”غض الطرف” عن موانئ معينة في باكستان أو سريلانكا، أو حتى السماح لشركات أمريكية بالمشاركة في بعض العقود، مقابل أن تستخدم الصين ثقلها المالي في “مبادرة الحزام والطريق” للضغط على إيران (التي تُعد محطة رئيسية في هذا الطريق) لتخفيض تصعيدها.

ورقة تايوان وابتزاز “المتقلب”
ترامب يتعامل مع تايوان كـ”شريحة مقايضة” وليس كمبدأ ديمقراطي، فمن المرجح أنه -بهذه الزيارة- جاء ليقول: “سأقلص مبيعات الأسلحة لتايوان وأخفف من الوجود العسكري في بحر الصين الجنوبي”. لكن الرئيس “تشي” يعلم أن ترامب قد يعود في اليوم التالي ويوقع صفقة أسلحة جديدة مع تايوان سيجد لها أكثر من مبرر مخادع، وقد يتحجج بأن الصين لم تضغط كفايةً على طهران. الصين لن تنطلي عليها وعود ترامب ما لم تكن هناك “اتفاقات مكتوبة بضمانات دولية”، وهو ما يكرهه ترامب “رجل الصفقات الشفهية”.

الاتصالات الصينية الإيرانية: “التحصين المسبق”
الإيرانيون -بخبرتهم الدبلوماسية الطويلة- استبقوا زيارة ترامب. الاتصالات التي تمت بين طهران وبكين بعد العدوان الأمريكي الصهيوني كانت تهدف لتثبيت “خطوط حمراء”:

طهران أكدت لبكين أنها مستعدة لرفع وتيرة ضخ النفط بأسعار تفضيلية مقابل “فيتو” صيني ضد أي ضغوط ترامبية.

كما أن الإيرانيين مطمئنون من الموقف الصيني، فهم يدركون أن الصين لن تضحي بإيران، لأن سقوط النظام في طهران يعني وصول القوات الأمريكية إلى حدود الصين الغربية، أو إعادة إيران إلى حكم “الشاه” التابع لواشنطن، وهو ما يمثل “كابوساً جيوسياسياً” لبكين؛ لذا، هم مطمئنون أن بكين ستناور بترامب ولن تبيعه إياهم.

ختاماً
ترامب يذهب إلى بكين وهو يظن أنه يقود العالم، بينما يرى الصينيون فيه رئيساً لإمبراطورية “تنزف” وتبحث عن ضمادات. الصين لن تعطيه انتصاراً مجانياً، بل ستمتص ما تبقى من “هيبة أمريكية” مقابل وعود فضفاضة، ما يعزز الانتقال من “القطبية الواحدة” إلى “عالم متعدد الأقطاب”، تقوده بكين بهدوء الصابرين.