التوقيع على صفقة تبادل الأسرى الإنسانية.. اختبار لنوايا السعودية لتنفيذ استحقاقات السلام

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 مايو 2026مـ – 27 ذو القعدة 1447هـ

يطرح توقيع أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين صنعاء والسعودية ومرتزقتها في العاصمة الأردنية عمّان اليوم تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحرك السعودي: هل هو بداية جدية نحو إنهاء العدوان على اليمن، أم مجرد تكتيك مرحلي يهدف إلى كسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي؟

وعلى مدى أكثر من 4 سنوات منذ توقيع اتفاق الهدنة مع السعودية ظل الملف الإنساني رهينة المماطلة السعودية التي حولت الهدنة السابقة إلى سراب.

وتشمل صفقة تبادل الأسرى الإفراج عن نحو 1728 محتجزاً من الطرفين، من بينهم 1100 أسير ومعتقل من طرف صنعاء، و580 من الطرف الآخر، بينهم 7 أسرى سعوديون و20 أسيراً سودانياً.

ويعتبر التوقيع على هذا الاتفاق إنجازاً تاريخياً، كونه أكبر صفقة لتبادل الأسرى منذ بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في 26 مارس 2015م، خاصة وأن هذا الملف ظل عرضة للابتزاز والمساومة من قبل السعودية.

وعبر الرئيس المشاط في اتصال هاتفي مع رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبدالقادر المرتضى، وقائد محور همدان اللواء يحيى عبدالله الرزامي، عن الشكر لجهودهم المبذولة لإنجاح هذا الاتفاق، مؤكداً أن صنعاء قدمت كل التسهيلات لإنجاز هذا الملف الإنساني بشكل كامل، والإفراج عن كل الأسرى والمختطفين لدى العدوان الأمريكي السعودي ومرتزقته، وفقا لمبدأ الكل مقابل الكل، كما هو متفق عليه في خارطة الطريق، غير أن المماطلة والتلكؤ واللامبالاة كانت من قبل السعودية وأطرافها المتعددة من المرتزقة والذين كانوا يغلبون مصلحتهم الشخصية على حساب الأسرى والمعتقلين.

جذور الابتزاز

ومنذ مارس آذار 2015، جُرّع اليمن كأس حصار لم تشهد له المنطقة مثيلاً في قسوته واستمراريته، حيث عانى اليمنيون من انقطاع الوقود بسبب إغلاق ميناء الحديدة، والحرمان من السفر إلى الخارج نتيجة إغلاق مطار صنعاء، فضلاً عن معاناة كبيرة لا توصف.

وعلى الرغم من توقيع هدنة بين اليمن والسعودية عام ٢٠٢٢م، والتي كان من نتائجها إيقاف الغارات الجوية السعودية والإماراتية على اليمن ورفع الحصار جزئياً من خلال السماح لسفن الوقود بالدخول إلى ميناء الحديدة، إلا أن السعودية أدخلت اليمن في حالة من اللاحرب واللاسلم، كما أنها ماطلت في تنفيذ استحقاقات السلام، ومنها الإفراج عن الأسرى، وإنهاء احتلالها للمحافظات الجنوبية والشرقية، ودفع تعويضات الحرب، ورواتب الموظفين، وبناءً على ذلك، تحولت الهدنة إلى سراب، إذ لم تلتزم المملكة بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

لذلك يعتبر التوقيع على هذا الاتفاق إنجازاً تاريخياً، كونه أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين الطرفين ، خاصة وأن هذا الملف ظل عرضة للابتزاز والمساومة من قبل السعودية التي ظلت ترمي الأشواك في طريق أي حل، وتماطل في تنفيذ الاتفاقات السابقة.
ويفهم من السياق بأن السعودي لا يقدم أي خطوة إلا وفقاً للضغط، ولهذا سمح بالتقدم في تبادل الأسرى نتيجة الحاجة للتنفيذ، وليس حرصاً منه على السلام أو لأنه جانب انساني، ولذا فإذا تم الإنجاز فهو -بفضل الله والتضحيات والحفاظ على أسرى العدو، وإلا لما كان العدو مستعداً أن يخرج أي أسير واحد؛ لأنه لا يهمه الأسرى من كل الأطراف، وهو يهتم بأسراه السعوديين فقط.

كما أن الإعلان عن اتفاق بشأن تبادل الأسرى قد حدث عدة مرات، ولكن لم يتم التنفيذ بخطوات عملية بسبب تحكم السعودية بكل تفاصيل الملف، ولولا إصرار لجنة شؤون الأسرى في صنعاء على ربط مصير الأسرى السعوديين بالملف كاملاً لما شهد أي تحرك.

رسائل تحذير وخيارات عسكرية

والتزمت صنعاء منذ عام 2022م بالهدنة، وفضلت مسار “الصبر الاستراتيجي” مرسلة رسائل متكررة تطالب الرياض بالجنوح نحو السلام وعدم الاستمرار في مسار التعنت، ومع ذلك كانت مساندة اليمن للمظلومين في غزة، وتوجيه ضربات صاروخية بأسلحة نوعية واستراتيجية ومنها صواريخ فرط صوتية وانشطارية، وفرض حصار خانق على ملاحة العدو الإسرائيلي والنجاح في ذلك، أكبر رسالة للمملكة وبات اليمن قوة إقليمية لا تستطيع أمريكا وبريطانيا وكيان العدو الإسرائيلي مجابهته، فكيف للرياض أن تحقق نصراً عليه.

واستبقت صنعاء هذا الاتفاق برسالتين بعثها نائب وزير الخارجية بصنعاء عبد الواحد أبو رأس إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، حذر فيهما من استمرار الحصار الظالم والجائر على الشعب اليمني منذ 2015م، مؤكداً أنه لا يخدم الأمن والسلم الدوليين.

وأكد أبو راس بأن “استمرار الإجراءات الظالمة والأنشطة العدائية من قبل أمريكا وأداتها الرخيصة في المنطقة والمتمثلة بالنظام السعودي سيلحق ضرراً أكبر بالمنطقة والاقتصاد العالمي وستكون النتائج كارثية”، منوهاً إلى أن حالة اللاسلم واللاحرب لم تعد مقبولة على الإطلاق، وأن مماطلة السعودية في إحلال السلام في اليمن وتنفيذ بنود خارطة الطريق سيدفع بصنعاء للجوء إلى استخدام خيارات أخرى من أجل إنهاء معاناة الشعب اليمني وانتزاع حقوقه.

ويُفهم من سياق مضمون الرسالتين أن صنعاء تخاطب المجتمع الدولي للقيام بدوره في الضغط على السعودية للجنوح إلى السلام ورفع معاناة اليمنيين، وهي رسالة تحذيرية تسبق قيام اليمن بإغلاق باب المندب، أو القيام بخيارات أخرى تقررها القيادة، إذ إن مماطلة السعودية في تنفيذ خارطة الطريق أصبحت تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وبناءً عليه، إذا استمرت هذه المماطلة، فإن صنعاء تحتفظ بحق الرد بوسائل أخرى، في مقدمتها الخيارات العسكرية التي تمس الاقتصاد السعودي والملاحة الدولية في باب المندب.
وهكذا، جاء التحذير اليمني ليحرك المياه الراكدة، ويدفع السعودية إلى المسارعة في التوقيع على هذا الاتفاق الإنساني، على أن يكون هذا الاتفاق مقدمة لمعالجة بقية الملفات إذا وجدت النوايا السعودية الصادقة، ومنها جبر الضرر، ودفع تعويضات الحرب، ودفع رواتب الموظفين من مقدرات اليمن النفطية والغازية التي نهبتها السعودية طيلة أكثر من عقد مضى، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال السعودي من اليمن، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لليمن.

القراءة الجيوسياسية

ما حدث مؤشرات إيجابية ترسلها السعودية نحو صنعاء، ويبدو أن فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية جعل المملكة تغير من نظرتها للكثير من الملفات في المنطقة ومن بينها عدوانها على اليمن؛ لأن استمرار المملكة في المماطلة سيدفع صنعاء نحو استهداف منشآت الطاقة السعودية وقصف تصدير النفط في ينبع بالبحر الأحمر، وهذا سيتم تعطيل الاقتصاد السعودي تماماً وسيضاعف من محنة الاقتصاد العالمي الذي يعاني نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

أما إذا كانت السعودية تراوغ وفق خطة تكتيكية من أجل المناورة فقط، فإن الصبر اليمني له حدود، ولا يمكن لصنعاء أن تدخل في مفاوضات قادمة مع المملكة إلا بوسائل ضغط كبيرة سيكون عنوانها في المرحلة المقبلة “البحر الأحمر” وأماكن الوجع الكبيرة داخل المملكة.
وبناء على ذلك، فعلى صنعاء أن تمنح السعودية فرصة التنفيذ الكامل للاتفاق، مع اعتبار باب المندب ورقة ضغط استراتيجية جاهزة للإشهار في حال العودة إلى المماطلة، وعلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الضغط على السعودية لتنفيذ خارطة الطريق بالكامل، وليس فقط ملف تبادل الأسرى.