ترامب يعلن تعليق “مشروع الحرية” بعد يومين على التصعيد.. الردع الإيراني يضبط السلوك الأمريكي

2

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

6 مايو 2026مـ – 19 ذو القعدة 1447هـ

تقرير || نوح جلّاس

لم يحتج التصعيد الأمريكي الأخير سوى ساعات قليلة لينكشف عجزه، بعدما تهاوت رهانات القوة أمام رد فعل إيراني سريع وحاسم فرضت به طهران معادلات جديدة أعادت ضبط السلوك الأمريكي، وأجبرت ترامب على رفع راية الاستسلام، والانتقال من لغة التهديد إلى التغني بعناوين التفاوض والدبلوماسية مجدداً.

وأعلن الرئيس الأمريكي المهزوم دونالد ترامب فجر اليوم، وقف ما سمي بـ“مشروع الحرية” لفرض فتح مضيق هرمز بالقوة، وذلك على وقع الرد الأخير الذي حمل أبعاداً متعددة لقدرات الجمهورية الإسلامية، لتكون النتيجة إدراك واشنطن لحجم الأثمان التي ستدفعها فور أي حماقة، سيما وأن الداخل الأمريكي شهد خلال الساعات الماضية أزمات جديدة بعد ضربات إيرانية طالت التحركات الأمريكية.

هذا التراجع السريع، الذي جاء بعد أقل من 48 ساعة على إطلاق المشروع، كشف هشاشة الرؤية الأمريكية التي اعتمدت على استعراض القوة دون قراءة دقيقة للميدان أو الاستفادة من ردع الـ41 يوماً، مقابل حضور إيراني متماسك استطاع أن يفرض إيقاعه ويضع سقوفاً صارمة لأي تحرك معادٍ، سواء عبر الأدوات العسكرية المباشرة أو من خلال الرسائل السياسية التي أعادت ضبط سلوك الأطراف الإقليمية.

وفي حيثيات هذا التحول، برزت عمليات الفجيرة كنقطة مفصلية أعادت ترامب إلى ضبط لغته كما يجب، حيث حملت الضربات رسالة مركبة أكدت قدرة إيران على الرصد الدقيق والاستهداف النوعي في أي زمان ومكان، ما أدى إلى شلّ المبادرات الأمريكية وقطع الطريق أمام أي محاولات للالتفاف على مضيق هرمز أو إيجاد بدائل له.

العمليات الأخرى المتزامنة التي استهدفت تحركات أمريكية عسكرية في مياه الخليج، كشفت بوضوح أن مسرح العمليات لم يعد آمناً للقوات الأمريكية، حتى خارج المضيق، وهو ما أكدته تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن وجود فرق عسكرية أمريكية على متن سفن تعرضت للاستهداف، ما يرسخ أن الضربات طالت المصالح والتحركات الأمريكية بشكل مباشر، لا كما تروّجه المنظومة الإعلامية الخاضعة للبيت الأبيض عبر منصات إماراتية أو أخرى منساقة في ذات الركب.

هذا التطور فرض واقعاً جديداً على واشنطن، إذ وجدت نفسها أمام تصاعد القدرات الاستخبارية والعسكرية لطهران، وقوتها النارية القادرة على تعطيل وشلّ أي حركة أمريكية، عكس ما يتوهم ترامب بتدمير قدرات الجمهورية الإسلامية البحرية والصاروخية وغيرها، فيما عززت عمليات “الإثنين” بمجملها حقيقة أن أي تصعيد إضافي سيحمل واشنطن كلفة غير محسوبة، تتجاوز الإطار العسكري إلى الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي.

كما أن الضربات حملت رسائل واضحة إلى الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، بأن أي انخراط في المشاريع الأمريكية أو الإسرائيلية سيجعلها في مرمى الاستهداف، وهو ما ضيّق هامش المناورة أمام واشنطن، وقلّص قدرتها على استخدام الأدوات الإقليمية لتنفيذ أجنداتها.

وبالعودة إلى الاستسلام الترامبي، فإن محاولات الرئيس الأمريكي تبرير التراجع بأنه نتاج وساطات باكستانية وإقليمية بدت غير مقنعة، خاصة في ظل سجل سابق من التعنت تجاه المرونة الدبلوماسية الإيرانية والتي ظنتها واشنطن ضعفاً قبل أن تصطدم مجدداً بالردع الحاسم.

هذه المعطيات تؤكد أن قرار التراجع جاء تحت ضغط الردع الميداني، وليس نتيجة مسار تفاوضي، سيما وأنه تزامناً مع استسلام ترامب وحديثه عن مسار دبلوماسي، أعلنت الخارجية الإيرانية أن وفداً برئاسة عراقجي وصل إلى بكين فجر الأربعاء لعقد مباحثات حول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، دون الإشارة إلى أي مستجدات مع الولايات المتحدة.

وفيما تواصل طهران تفويج وفودها إلى مختلف دول المنطقة والعالم، لتعزيز التحالفات وتأكيد ثبات المعادلات، من خلال الزيارة الدبلوماسية الأخيرة للصين وسابقاتها إلى موسكو وإسلام آباد وعواصم أخرى، فإن ذلك يعني أن طهران أوكلت للردع مهمة التفاوض مع الجانب الأمريكي باللغة التي يفهمها ترامب، وعلى ضوئها أعاد عناوين “الطاولة” لا عناوين الطائرات والأساطيل.

وفي سياق الحيثيات التي دفعت الرئيس الأمريكي إلى الاستسلام بجانب عوامل الضغط الميداني، تلقّت إدارة ترامب ضغوطاً سياسية جديدة خلال الساعات الفائتة، حيث أقرت أوساط داخل الكونغرس بأن الحرب انعكست مباشرة على حياة الأمريكيين، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الوقود وتذاكر الطيران والمواد الغذائية، ما كشف أن كلفة أي تصعيد جديد باتت تضرب العمق الأمريكي.

ولفت الديمقراطيون في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، إلى أن الأسعار ترتفع باستمرار، وأن “الأمريكيين يدفعون ثمن حرب لم يصوتوا لها”.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهرت المؤشرات الأخيرة حجم التأثير العكسي السريع للردع الإيراني، مع إعلان “أسوشيتد برس” احتمالية زيادات جديدة في أسعار المشتقات، لافتةً إلى أن أسعار البنزين وصلت إلى نحو 50% مقارنة بفترة ما قبل العدوان على إيران، وهو ما يكشف هشاشة البنية الاقتصادية الأمريكية التي تواصل النزيف رغم “التهدئة”.

وفي السياق، فإن هذه الأزمات المتجددة تؤكد أن استمرار التصعيد الأمريكي الأخير كان سيقود إلى تداعيات أكثر كارثية على الداخل الأمريكي اقتصادياً و”اجتماعياً”، حيث ترافقت الأزمات الحديثة مع تراجع غير مسبوق في شعبية ترامب، إذ أظهرت استطلاعات أمريكية جديدة انخفاض نسبة الرضا إلى نحو 32% مقابل تصاعد السخط الشعبي إلى 68%.

وبهذه الصورة، يتأكد للجميع أن استسلام ترامب جاء نتيجة تراكب عوامل ميدانية وسياسية واقتصادية أوجدها الردع الإيراني من العدم، وأكدت أن المعادلات التي فرضتها طهران باتت قادرة على كبح أي اندفاعة أمريكية، وإجبارها على إعادة حساباتها.

كما أن هذا التحول يكشف بوضوح أن زمن فرض الإملاءات بالقوة قد ولّى، وأن أي مغامرة عسكرية في المنطقة باتت تصطدم بجدار ردع صلب يحيل الارتدادات مباشرة وعلى الفور إلى الداخل الأمريكي، فضلاً عن توسيع نزيف الهيبة الأمريكية وصورة قوتها وردعها أمام العالم.