بنت جبيل.. مِحور انكسار العدو الصهيوني وفشله بالتقاط صورة نصر لتعويض انهياره

2

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
13 أبريل 2026مـ – 25 شوال 1447هـ

على أعتاب اليوم الـ 43 من معركة “العصف المأكول” الملحمية، تتبدى جغرافيا الجنوب اللبناني كساحةٍ لاختبار القوة بين إرادة التحرر العضوية للمقاومة الإسلامية وبين غطرسة الآلة الإجرامية الصهيونية التي تحاول يائسةً استباق المسارات السياسية بفرض وقائع ميدانية متعذّرة.

المشهد الراهن، بما يحمله من تكثيف ناري وتصعيد بري غير مسبوق، لا يعكس تفوقًا عسكريًّا للاحتلال بقدر ما يفضح ضيق خناق استراتيجي يعاني منه الكيان المؤقت؛ فهو يقاتل وعينه على عقارب ساعة المفاوضات المرتقبة، محاولاً انتزاع صورة نصر من داخل أحراش وبيوت “بنت جبيل”، ليقدمها لجمهوره المنهك كتعويضٍ عن الانهيار التدريجي لواقع جبهته الشمالية.

إلا أن المقاومة الإسلامية في لبنان، بصلابتها المعهودة وتماسكها العملياتي، نجحت في تحويل الطموح الصهيوني إلى استنزاف جسيم، مكرسةً معادلة واضحة؛ أن الأرض لمن يزرعها بالثبات، لا لمن يحاول حرقها بالفوسفور.

ويتجلى هذا الثبات في إدارة المقاومة لمعركتها الدفاعية بنسق قيادة وسيطرة فائق الدقة، يربط غرف العمليات التكتيكية بوحدات الإسناد الناري، ما خلق شبكة دفاعية مرنة حرمت العدو من عزل الساحات أو القرى رغم زجّه بخمس فرق عسكرية كاملة على طول الجبهة؛ إذ يسعى العدو من خلال هذه الحشود إلى التموضع على مسافة تتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات، في محاولةٍ بائسة لإنشاء ما يسميه العدو “خط الكورنيت” الذي يضم 15 موقعًا عسكريًّا ثابتًا داخل الأراضي اللبنانية.

الموقف العملياتي والمشهد الميداني:

وفقًا للمعطيات الميدانية، تتوزع هذه الفرق بمهام محددة؛ حيث تتمركز “الفرقة 146” في القطاع الغربي ومحيط مقرات “اليونيفيل”، بينما تعمل “الفرقة 162” في مثلث “القوزح وبيت ليف”، وتتمركز “الفرقة 36” في محور “الطيبة والخيام” بالقطاع الشرقي، وتواصل “الفرقة 91” عملها في محور “بليدا وميس الجبل”، أمّا رأس الحربة في محاولة عزل “بنت جبيل”، فتتمثل في “الفرقة 98” التي تحاول جاهدةً تطويق المدينة من جهاتها الأربع، لتجد نفسها أمام عقدة استراتيجية وتاريخية تأبى الانكسار.

في مواجهة هذه المناورات، أظهرت المقاومة مرونة تكتيكية عالية تعتمد على حرمان العدو من التثبيت الاستراتيجي؛ ففي محاور “الخيام والطيبة ووادي الحجير”، أُجبرت قوات الاحتلال على التراجع والاكتفاء بعمليات تفخيخ عن بُعد، تجنبًا للالتحام المباشر الذي يخشاه جندي المشاة الصهيوني، أمّا في “بنت جبيل”، فقد أفشلت المقاومة خطة العزل، واضطر العدو لسلوك طرق التفافية عبر القرى ذات الطبيعة الديموغرافية المتنوعة لتجنب الاحتكاك المباشر، لكنه ورغم حصاره للمدينة من أربع جهات، لا يزال يقف عاجزًا أمام معالمها الأساسية؛ فالسوق والملعب والمسجد الكبير لا تزال قلاعًا عصية، تدير فيها المقاومة تكتيكات “الكر والفر” داخل البيئة الحضرية المعقدة، مستدرجةً العدو لاستخدام الروبوتات والآليات المسيرة التي تعكس خوفه من الكمائن البشرية المحكمة في أزقة “صف الهوا”.

ولم تكتفِ المقاومة بالدفاع السلبي، وإنّما انتقلت بذكاء إلى العمليات التعرضية، مستهدفةً نقاط التحشد الخلفية للعدو، كما حدث في محيط مستشفى “ميس الجبل” وتجمعات “دبل ورشاف”، وقد شكّل الإسناد الناري التكتيكي رافعةً كبرى للمجاهدين، حيث دُكت تجمعات العدو المتوغلة في “تلة شمران” ومحيط “مدرسة الإشراق” بصليات صاروخية وأسراب من المسيرات الانقضاضية بشكّلٍ متزامن.

هذا التصاعد الميداني تُوج بتنفيذ أكثر من 73 عملية نوعية خلال 36 ساعة فقط، طالت قواعد استراتيجية كـ “جبل نيريا” للمراقبة الجوية، ومقرات قيادة الفرق في “جعتون وبيت هلل”، وصولاً إلى توسيع دائرة الردع المدني العكسي بضرب مغتصبات “حانيتا وشلومي ونهاريا وكريات شمونة وكتسرين”، ردًّا على استهداف القرى اللبنانية، ما أدى لتعطيل الحياة في عمق الجليل بالكامل.

ووفقًا لبيانات المقاومة، خلال 4 ساعات مضت؛ فقد شنت هجومًا جويًّا مركّزًا على تموضعات لجنود العدو في عدة ثكنات ومواقع شمال فلسطين المحتلة بأسراب من المحلّقات الانقضاضية على النحو التالي: (غرفة منامة جنود في ثكنة يفتاح، تموضع جنود في قاعدة بيت هيلل، غرفة منامة جنود في مستوطنة كريات شمونة، غرفة إدارة نار وخيمة عسكرية قرب مربض كفر جلعادي، غرفة قيادة وخيمة يتموضع فيها جنود في ثكنة كفر جلعادي، مقر قيادي وخيمة يتموضع فيها جنود في مستوطنة مرغليوت)، بالإضافة إلى قصف قاعدة “شراغا” المقر الإداري لقيادة “لواء غولاني” شمال مدينة عكّا المحتلة بسرب من المسيّرات الانقضاضية.

تكتيكات القتال بمواجهة المناورات البرية الصهيونية:

وبالانتقال إلى وضعية مناورة النار الصهيونية، يلاحظ اعتماد العدو على تكتيك “الأرض المحروقة” من خلال القصف الجنوني بالطيران والفوسفور على “بنت جبيل والخيام والبازورية”، وصولاً إلى البقاع الغربي، ويهدف هذا التدمير الممنهج إلى كي الوعي وتدمير البيئة الحاضنة، في محاولةٍ لاستنساخ نماذج التدمير في غزة لمنع عودة السكان.

غير أن هذا الضغط الناري يواجه قيودًا سياسية يفرضها الميدان وتفاهمات دولية، حيث يغيب القصف عن بيروت والبقاع الشمالي، وهو ما يفسره إعلام العدو بأنه رضوخ لضغوط تهدف لدفع مسار المفاوضات، فيما تشير كثير من التقارير إلى أنه رضوخ للمعادلة التي رسختها المقاومة؛ “العين بالعين والجغرافيا مقابل الجغرافيا”.

ورغم التفوق الجوي، يعترف المحللون الصهاينة بأن المقاومة نجحت في استنزاف منظومات الدفاع الجوي، حيث تخرق المسيرات الأجواء بانتظام، محولةً تكنولوجيا “القبة الحديدية” إلى عبء مالي وعملياتي يغرق في الإنذارات الخاطئة وفشل الرصد.

أمّا في مضمار الحرب النفسية؛ فقد حاول المجرم نتنياهو ووزير حربه الترويج لانتصارات وهمية ولغة “تغيير وجه الشرق الأوسط”، مدعين هزيمة المقاومة ومروجين لتهجير السكان إلى ما وراء الليطاني، بيد أن هذه السردية سرعان ما اصطدمت بحائط الحقائق الميدانية؛ فتقارير القناتين 12 و14 العبريتين تقر بتناقضات فاضحة، حيث يؤكد المراسلون العسكريون أن “لا حسم يلوح في الأفق” وأن الشمال الفلسطيني المحتل ينهار اقتصاديًّا واجتماعيًّا.

ولعل شهادة قائد الكتيبة التاسعة في جيش العدو كانت الأكثر صدمة للجمهور الصهيوني، حين اعترف بشراسة مقاتلي حزب الله وقدرتهم التنظيمية العالية، خاصة في استخدام المحلقات والصواريخ الموجهة بعيدة المدى التي أفشلت الهدف الأساسي للعملية البرية، وهو القضاء على القدرة الصاروخية للمقاومة.

الدلالات العسكرية للساعات الماضية تشير بوضوح إلى أننا أمام حرب وقت يلهث فيها العدو خلف إنجاز معنوي في “بنت جبيل” للانتقام من رمزيتها التاريخية المرتبطة بـ “خطاب بيت العنكبوت” الذي ألقاه شهيد الإسلام والإنسانية في بنت جبيل بعد تحريرها، وبحادثة تحدث عنها الإعلام الصهيوني لفترة من الزمن عن الجندي الصريع “روعي كلاين” فيها عام 2006م.

لكن صمود المدينة وسقوط هيبة الفرق الخمس عند أعتابها يثبتان أن المقاومة لم تستنزف مخزونها الاستراتيجي، وإنّما تدير المعركة باقتصاد في القوة وذكاء ميداني يحرم العدو من عزل الساحات، وإن وقف الهجمات على بيروت مقابل استمرار صواريخ المقاومة في ضرب العمق الصهيوني يؤكد أن اليد العليا في فرض قواعد الاشتباك لا تزال للمقاومة.

وتبدو معركة “بنت جبيل” في طريقها لتسجيل الإخفاق الصهيوني الثالث؛ فبينما ينجح العدو في إحداث دمار هائل وتطويق تكتيكي ناري، فإنه يفشل فشلاً ذريعًا في دخول قلب المدينة أو قطع إمدادات المقاومة، كما أن البيئة العملياتية تُبشر بحرب استنزاف حضرية لن يحتمل المستوى السياسي الصهيوني تكلفتها البشرية، ما يجعل كل متر يتقدمه الاحتلال بمثابة كمين استراتيجي يبتلعه.

وبالنتيجة؛ فإن المقاومة في بنت جبيل وكافة محاور الجنوب لا تدافع عن حدود جغرافية فحسب، وإنّما تُسقط مشاريع سياسية كبرى، مؤكّدةً أن فجر المفاوضات لن يشرق إلا بما يمليه الميدان الذي يكتبه المجاهدون بدمائهم وثباتهم الأسطوري على تراب الجنوب اللبناني.