إيران تُرسّخ ردع البلطجة الأمريكية بمنع السفن.. حصارٌ أم انتحار؟

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
13 أبريل 2026مـ – 25 شوال 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

تتكشف اليوم فصول مواجهة إرادات غير مسبوقة بين طهران وواشنطن، حيث يبدو أن الإدارة الأمريكية برئاسة المعتوه ترامب قد اختارت الهروب إلى الأمام عبر إعلان حصار بحري شامل، يهدف إلى خنق الشرايين الحيوية للجمهورية الإسلامية، وهو القرار الذي لا يمكن قراءته بمعزلٍ عن الفشل الأمريكي المتراكم في إخضاع الإرادة الإيرانية عبر القوة العسكرية أو القنوات السياسية أو الضغوط الاقتصادية التقليدية.

لجوء واشنطن إلى خيار “البلطجة” والقرصنة المنظمة في أعالي البحار، وفرضها حصارًا يستهدف كل سفينةٍ تقترب من الموانئ الإيرانية أو تخرج منها، يعكس حالة من الإفلاس الاستراتيجي أمام دولةٍ استطاعت تحويل الحصار على مدى 47 عامًا، إلى فرصة للاكتفاء الذاتي العسكري والتقني، ولعل النبرة الواثقة التي تحدث بها القادة العسكريون الإيرانيون مؤخرًا تؤكّد أن طهران كانت تراقب التحركات الأمريكية، وأعدّت العدّة لرسم خريطة المستنقع الذي ستغرق فيه أيّة قوةٍ تفكر في المساس بسيادتها البحرية أو البرية.

الرد الإيراني جاء حاسمًا وميدانيًّا بامتياز، حيث أكّد قائد القوة البرية للحرس الثوري، العميد محمد كرمي، اليوم الاثنين، أنّ القوات المسلحة الإيرانية لم تكتفِ بالاستعداد، وإنّما أنشأت بالفعل حزامًا أمنيًّا متعدّد الطبقات يجعل من الأراضي والأجواء الإيرانية “سدًا منيعًا”.

وشدّد العميد كرمي على أنّ حالة الارتباك التي تظهر على العدو في الميدان هي النتاج الطبيعي لهذه الجاهزية القتالية العالية، واصفًا إيران بأنها ستكون “سجنًا ومستنقعًا” لأيّ معتدٍ، معيدًا للأذهان الهزيمة الأمريكية النكراء في “أصفهان” كشاهدٍ حيّ على انكسار الغطرسة أمام حائط الصد الإيراني.

التحدي الإيراني يستند إلى واقع عسكري تدركه دوائر الاستخبارات الأمريكية والصهيونية جيدًا؛ فإيران اليوم باتت هي من تمتلك مفتاح مضيق هرمز، وتصرّ على أنّ هذا الوضع لن يتغير، في رسالة مباشرة؛ بأن “لا أحد يفرض واقعًا جديدًا هُنا، وأيّ تحرك عسكري سيقابل فورًا بردٍّ مباشر”.

مضيق هرمز هذا الشريان العالمي الذي تحاول واشنطن تحويله إلى ساحة ابتزازٍ دولي، عبر معادلة صبيانية تقضي بالسماح بمرور السفن شريطة عدم دفع رسوم لطهران، وهي محاولة بائسة لفرض واقع قانوني وعسكري جديد يصطدم بصخرة السيادة الإيرانية المطلقة على هذا الممر الملاحي الاستراتيجي.

وعلى المستوى العملياتي، يبدو أن أمريكا تحشد ترسانتها المعتمدة على القطع البحرية المرافقة لحاملات الطائرات، ومنظومات الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة لتنفيذ هذا الحصار الذي باتت وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية والعربية السابحة في فلكها تروّج بأن سريانه بدأ فعليًّا اليوم، ومقسمةً مناطق العمليات الأمريكية إلى ثلاث حلقات تبدأ من بحر العرب وصولاً إلى عمق المضيق تحت ذريعة كسح الألغام.

لكن.. ووفقًا للمعطيات؛ فإنّ التموضع الأمريكي يفتقر إلى الجدوى الميدانية الحقيقية، خاصة وأن قواتها التابعة للأسطول الخامس تفتقر للتدريب اللازم لمواجهة حرب بحرية هجينة والتي تتقنها القوات البحرية الإيرانية، وتم تجربتها أمريكيًّا في أكثر من مسار، والتي كان آخرها حادثة منع البوارج الأمريكية من عبور المضيق أثناء المفاوضات في إسلام آباد، وإجبارها على التراجع.

في المقابل، تبرز القوة الضاربة الإيرانية المتمثلة في أكثر من 80% من القوارب السريعة الانتحارية الجاهزة للاعتراض، مدعومة بمنصات صواريخ جوالة ومدفعية ساحلية وطائرات مسيّرة انقضاضية قادرة على تحويل الحلقات الأمريكية الثلاث إلى رماد في غضون دقائق، ما يجعل من فكرة تصفير الصادرات أو السيطرة على حركة التجارة الإيرانية مجرد أضغاث أحلام تصطدم بالواقع السياسي والعسكري المعقد.

ويرى مراقبون أن التصعيد الأمريكي لا يستهدف إيران وحدها، وإنّما يمثل طعنة مباشرة في قلب المصالح الدولية ومنها الصينية، حيث تسعى واشنطن عبر هذا الحصار إلى وضع الصين أمام خيار مستحيل، إمّا التخلي عن حليفها الاستراتيجي ومصادر طاقتها، أو الدخول في مواجهةٍ مباشرة مع الإدارة الأمريكية، وهو رهان مقامر قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا؛ فالتنين الصيني لا يقبل الإملاءات في ممرات التجارة الدولية، وطهران أثبتت أنها تمتلك من أوراق القوة ما يكفي لقلب الطاولة على الجميع.

وبالنتيجة؛ فإنّ المآلات الراهنة تُشير بوضوح إلى أن أيّة حماقة أمريكية تهدف لكسر السيادة الإيرانية في مضيق هرمز ستؤدي فورًا إلى انهيار كافة التفاهمات الإقليمية والعودة إلى مربع القتال الشامل، حيث ستجد القوات الأمريكية نفسها محاصرة في جغرافيا لا ترحم، أمام مقاتلين يؤمنون بأن الدفاع عن مياههم الوطنية، هو معركة وجودية لا تقبل القسمة على اثنين، ما يجعل من مغامرة ترامب البحرية مجرد مسمارٍ جديد يُدق في نعش الهيمنة الأمريكية المتآكلة في المنطقة.